العودة   منتدى دار العلوم القانونية والاسلامية والانسانية > منتدي العلوم القانونية > قسم الدراسات الاقتصادية

قسم الدراسات الاقتصادية يهدف الي معرفة وتبسيط الاقتصاد ونظرياتة ويسعي الي نشر ثقافة الاقتصاد الاسلامي

الإهداءات

 
كاتب الموضوع الدكتور عادل عامر مشاركات 0 المشاهدات 299  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 10-16-2009, 11:47 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
المدير العام

الصورة الرمزية الدكتور عادل عامر

Thumbs down دولة الرفاهية الاجتماعية

ندوة "دولة الرفاهية الاجتماعية"
28 -30 تشرين الثاني/نوفمبر 2005
الإسكندرية – جمهورية مصر العربية التوزيع: محدود
الرقم: مركز/ندوة 41/2
الأصل: بالعربية
التاريخ: 9/11/2005




تاريخ نشوء وتطور دولة الرفاهية الاجتماعية والتحولات البنيوية في اقتصاديات الدول المتقدمة صناعياً




الدكتور محمد دويدار
كلية الحقوق – جامعة الإسكندرية الدكتورة دلال عبد الهادي
أستاذ مساعد الاقتصاد – كلية السياحة والفنادق – جامعة الإسكندرية
________________________
* إن الآراء الواردة في هذه الدراسة تمثل وجهة نظر المؤلف، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز دراسات الوحدة العربية.
** جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز إعادة نشر هذه الدراسة، كلاً أو جزءاً، بدون موافقة تحريرية مسبّقة من مركز دراسات الوحدة العربية.

1- تستفرد الرأسمالية، في دوليتها المعاصرة، بالبشرية. وكمحور كل نشاطاتها خاصة الاقتصادي منها، حول القيمة المحورية، أي القيمة السلعية: حيث يخضع الكل الاجتماعي لأحد مفرداته التاريخية: السوق، حيث التجارة كمجال لتحقيق الربح النقدي الفردي، الذي هو هدف المشروع الرأسمالي، خاصة في مشكلة التاريخ المعاصر، أي تشكل الاحتكارات دولية النشاط في انتمائها في مجموعات متباينة النشاط، إلى مجموعات مالية عملاقة تستهدف في بحثها عن الربح النقدي، عبر استقطاب الثروة، كل المجتمع الدولي بثلاثية اجتماعية تدور حول الربح النقدي: اقتصادياً، بتصيد كل ما هو قوة شرائية يمكن أن تمثل طلباً على سلع تبيعها أياً كان المشتري وأياً كان مكان تواجده على خريطة الكرة الأرضية، وإنما بكنيوته كفرد يحرم من كل سند جماعي وينتزع من كل انتماء اجتماعي، أي مع اختزاله إلى مجرد إضافة حدية لرقم أعمال المشروع الاحتكاري، وسياسياً، "يلقنه" الدولة القائمة بتوقيتها إلى وحدات خاضعة واهية ومتصارعة؛ واجتماعياً، بشرذمة المجتمعات إلى جزئيات عرقية وطائفية لاهية عن وجودها بعداءاتها البدنية المنافية للوجود الاجتماعي(1).

2- هذه الثلاثية الاجتماعية المميزة لحركة رأس المال الدولي تتبلور عبر صراع عالمي بني نماذج ثلاثة للرأسمالية:
- رأسمالية الليبرالية الأنجلوساكسونية الجديدة التي تطلق العنان لقوى السوق تمتطيها الولايات المتحدة الأمريكية. وهي ليبرالية ترث الليبرالية البريطانية منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع فارق كيفي تاريخي، إذ بينما كانت بريطانيا تدعو لها بقفازات الدبلوماسية الاستعمارية ذات البوارج الحديثة، تقذف الولايات المتحدة الأمريكية بالليبرالية الجديدة عبر بربرية لقوى السوق، تعززها عند الضرورة ترسانة الحروب المالية وقائمة العقوبات الدولية (الاقتصادية وغير الاقتصادية) وسطوة المنظمات الاقتصادية الدولية بضغوطها المالية والقانونية، والمعدوانات المسلحة العارية، مع ما تنتهي إليه، عندما تقل كفاءة هذه الترسانات، إلى عسكرة مباشرة وصريحة للعلاقات الدولية.
- النموذج الثاني الذي يعيق عملية الصراع هذه على الصعيد الدولي هو نموذج رأسمالية الدولة "الخائبة" الأوروبية (دولة الرفاهية الاجتماعية!!!). وهو نموذج لرأسمالية تيقنت، عبر صراعات القوى الاجتماعية أواخر القرن التاسع عشر، إن الحيلولة دون التعبير على حساب رأس المال لا يتحقق إلا بدور للدولة الرأسمالية تتضمن بعد التوازن ليس في توزيع الثروة، وإنما في نمط توزيع الدخل تصحيحاً للأداء المعوج لقوى السوق، وكذلك للحد من عمل قانون النمو غير المتواري عبر تقلبات الدورة الاقتصادية، بما تتضمنه من تقلبات في مستوى تشغيل قوى الإنتاج البشرية والمادية ومستوى الدخل، وما يتضمنه ذلك من بطالة للقوة العاملة وتعطل للطاقة الإنتاجية المادية. وهو نموذج لا يسلم الآن من أزمة اجتماعية/سياسية لعيشها رأس المال – بين تناقضاته مع القوى الاجتماعية الأخرى في داخل كل بلد أوروبي – وتناقضاته في داخل الإطار الأوروبي وتناقضاتها مع رؤول الأموال الدولية الأخرى، أي على الصعيد الدولي.
- أما النموذج الثالث في عملية الصراع الدولية هذه فهو نموذج رأسمالية الدولية التوجيهية الساعية إلى إفادة المشروع الرأسمالي من أخلاقيات العمل في المجتمع القديم، والحريصة على الحد من التناقض بين المشروعات بقصد تحقيق أداء أكفأ خاصة على صعيد السوق الدولية، ليس فقط كقوة تصديرية وإنما كذلك كقوة مالية. نحن هنا بصدد نموذج الرأسمالية اليابانية. الذي بدأ في العقدين الأخيرين يعيق أزمة محاولة انفكاك من تناقض الانغماس الفعلي في عادات العمل الأجير ووهم الإبقاء على عادات العمل السابقة على الرأسمالية، في إطار من التغيرات الكيفية المعاكسة في اقتصاديات شرق وجنوب شرق آسيا.

3- في خضم هذا الصراع المركب تتبلور الخصائص الموضوعية لعملية تراكم رأس المال على الصعيد الدولي، التي نركز في داخلها على نموذج الدولية "الحانية" (أو ما أطلق عليها "دولة الرفاهية الاجتماعية") لنرسم أبعاد العملية التاريخية التي أدت إلى ظهورها مع منتصف القرن العشرين، متضمنة في الوقت ذاته بذور أزمتها مع نهايات هذا القرن.

4- نعلم أن التطور الرأسمالي تمحور طوال القرن التاسع عشر حول بناء الأساس الصناعي في الاقتصاديات الرأسمالية التي أصبحت اقتصاديات سلعية متقدمة، وخلق السوق الرأسمالية الدولية باحتواء بقية المجتمعات عبر تغلغل رأس المال، بعدوانية متعددة الأبعاد والوسائل، في هياكل المستعمرات وأشباه المستعمرات لتحويلها إلى اقتصاديات سلعية تتحول فيها وسيلة الإنتاج الأساسية، الأرض، وقوة العمل إلى سلعة، وتجري تعبئة جل الفائض الاقتصادي الذي تنتجه في شكله التقليدي أو في أشكاله الجديدة، نحو الاقتصاديات الرأسمالية المتبوعة، بطريقة مباشرة أو عبر علاقات التبادل التي يبلورها نمط أول لتقسيم العمل على الصعيد الدولي وتطور الصناعة، بما يصاحبه من ثورة زراعية ثانية في شكلها الرأسمالي، يعني التزايد المتسارع للطبقة العاملة كمياً، في شكل تجمعات كبيرة في دوائر متزايدة الاتساع، تتم في بلدان غربية تدخل في مراحل تاريخية متتالية في عملية تحقيق الشروط التاريخية للإنتاج الرأسمالي: بريطانيا، هولندا، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا... الأمر الذي يعني تعدد الأقطاب الرأسمالية الاحتمالية والتناقض في داخل رأس المال الدولي.

5- مع هذا التطور تتطور النظرية الاجتماعية باتجاهاتها الفلسفية المختلفة، كهاد للمارسة الاجتماعية، وتتطور التنظيمات الاقتصادية والسياسية للطبقات الاجتماعية المختلفة، وخاصة في شكل الأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية العمالية واتحادات الصناعات والتنظيمات النقابية المهنية. في إطار تطور الدولة "القومية" لتصبح الشكل التاريخي السائد للتنظيم السياسي للمجتمعات. ونكون هنا بصدد الدولة الرأسمالية في ظل أشكال تنظيمية قانونية مختلفة. وتتصارع الدول الغربية من أجل السيطرة على الأجزاء الأخرى من العالم والمهيمنة في السوق الدولية. صراعاً يجعل من الحرب شكلاً رئيسياً للصراع، مع تغير مستمر في أشكالها وأهدافها ووسائلها، في اتجاه عولمة حقيقية لهذه الظاهرة في أحضان التكوين الاجتماعي الرأسمالي، بدءاً من الحرب العالمية الأولى، عبوراً بالحرب العالمية الثانية، ثم وصولاً إلى الحرب الدائرة لبناء إمبراطورية رأس المال الأمريكي تحت شعار الحرب ضد "الإرهاب"، وهي حرب تتخطى في عولمتها حدود الغلاف الجوي للكرة الأرضية مستخدمة المسارات الممكنة في الفضاء. ويصبح من الطبيعي أن يسود الاتجاه نحو العسكرة الحالية للعلاقات الدولية، على النحو الذي سنراه في ما بعد.

6- على الصعيد الاقتصادي البحت تعمل قوانين حركة الاقتصاد الرأسمالي، مع بدايات القرن العشرين، في اتجاه زيادة تمركز رأس المال، ومن ثم الطابع الاحتكاري للمشروع الرأسمالي، بصفة عامة، والمشروع الرأسمالي المالي، بصفة خاصة. كما تعمل هذه القوانين في اتجاه ازدياد حدة الأزمة الاقتصادية. ومع هذين الاتجاهين وتطور تنظيم الطبقة العاملة (ومن ثم إمكانية أن يكون لها دور في تحديد مستوى الأجور النقدية) والوصول إلى تقييم أول للسوق العالمية بين البلدان الرأسمالية التي سبقت في مسار المنظور الرأسمالي (وهذا ما يعني المحدودية النسبية للسوق الخارجية لكل من رؤوس الأموال المتصارعة دولياً)، نقول مع كل هذا يصبح من مصلحة المشروعات الاحتكارية هجرة قاعدة الذهب كقاعدة نقدية تعادل على نحو أو آخر بين الأثمان النقدية وقيم السلع. ويكون الانتقال إلى قاعدة نقدية ورقية لا يُشتم فيها اتجاه الأثمان نحو الصعود رغم تطور إنتاجية العمل واتجاه قيمة وحدة السلعة نحو الانخفاض. وينطلق الاتجاه التضخمي الكامن في هيكلية التناقض بين الربح والأجور، ليميز مسار التطور الرأسمالي منذ بدايات القرن العشرين حتى يومنا هذا. وفي داخل هذا الاتجاه الزمني يكون الاتجاه نحو ازدياد حدة الأزمة الاقتصادية الدورية لينتهي بها إلى كساد بعمق واستمرارية الكساد الكبير (1929-1939). فتنفجر ظاهرة البطالة في وجود الطاقة الإنتاجية المادية المعطلة، ليبرزا معاً خصحصة أخرى للتنظيم الاقتصادي الرأسمالي، خصيصة تبديد قوى الإنتاج البشرية والمادية، ناهيك عن الاستخدامات الضارة والتدميرية لبعض المنتجات. كما تبرز الأزمة عدم قدرة الأداء التلقائي للمشروع الفردي على انتشال الاقتصاد الوطني من أزمته. ومن ثم ضرورة تدخل الدولة، والدولة الرأسمالية، كأصل عام لانتشال الاقتصاد الوطني من أزمته في مرحلة أولى، وللحد من التقلبات الدورية في الزمن القصير، في مرحلة ثانية، ولضمان حد أدنى من معدل النمو الاقتصادي في الزمن الطويل، في مرحلة ثالثة. وعلى الدولة الرأسمالية، في دورها المرحلي الجديد أن تتعامل مع مؤسسات المجتمع الرأسمالي الاقتصادية والتنظيمية: الطبقة العاملة بتنظيماتها النقابية والسياسية، والمشروعات الرأسمالية في إطار تحولها العام للشكل الاحتكاري وتنظيمها في شكل اتحادات صناعات وغرف تجارية وأحزاب سياسية، مع تبلور رأس المالي المصرفي في سعيه للالتصاق بالدولة. وتدَّخل الدولة يثير ضرورة أن تكون لها سياسة اقتصادية متعددة الأبعاد، يكون التركيز في داخلها، تحت تأثير الفكر الاقتصادي الكينزي، على السياسة المالية للدولة.

7- وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، يبرز في البلدان الرأسمالية المتقدمة عامل آخر يدفع إلى مزيد من تدخل الدولة، هذه المرة في المجال الديموغرافي، بعد أن أدت اتجاهات التغير السكاني مع التطور الاقتصادي الرأسمالي، بعد فترة، إلى تناقص معدلات النمو السكاني على نحو أدى إلى نوع من الركود السكاني ابتداءً من ثلاثينيات القرن العشرين. وهو ما يعني النقص النسبي في القوة العاملة أمام الاحتياج الكبير لها خاصة لإعادة تعمير ما دمرته الحرب في أوروبا الغربية. الأمر الذي يدفع بالدولة الرأسمالية إلى التدخل في مجال تجدد إنتاج القوة العاملة، وهو مجال الأصل أن علاقات الإنتاج الرأسمالية قصرت المسؤولية عنه على المسؤولية الفردية للعامل الأجير. ذلك أنه مع انفصام القوة العاملة عن وسائل الإنتاج في المرحلة الأولى للتطور الرأسمالي (مرحلة خلق الشروط التاريخية للإنتاج السلعي الرأسمالي) وصيرورة هذه الوسائل محلاً لملكية خاصة فردية، تصبح قوة العمل (وليس العمل) سلعة تباع وتشترى في سوق العمل. وتصبح مسؤولية تحدد إنتاج هذه القوة مسؤولية فردية تقع على عاتق العامل الأجير الذي اكتفى به، تنظيمياً، بما يملكه من قوة عمل، في خضم سوق العمل. إذ عليه تقع مسؤولية إعاشة نفسه وتكوين أسرة وإعاشة الأسرة، حتى يضمن النشاط الاقتصادي تجدد إنتاج القوة العاملة. فتصبح عملية تجدد إنتاج قوة العمل كسلعة محكومة بقوى السوق، سوق العمل وسوق السلع الاستهلاكية اللازمة لإعاشة العالم وعائلته. وتبتعد الدولة، في تنظيمها الرأسمالي الجديد، عن تحمل أية مسؤولية في تحديد إنتاج القوة العاملة. ويظل الأمر كذلك إلى أن يتعرض تجدد إنتاج القوة العاملة لعامل أو أكثر يحد من هذا التجدد ويقلل من عرض قوة العمل في سوق العمل على نحو يؤثر سلبياً على النشاط الإنتاجي (بعدم وجود القوة العاملة اللازمة أو بارتفاع الأجر النقدي لقوة العمل المطلوبة). هنا تتدخل الدولة باسم المصلحة "العامة" لضمان سلوك ديموغرافي يوفر من قوة العمل في سوق العمل ويسهم إذا ما توافرت لها فرص العمل، في خلق "الطلب الكلي الفعال" اللازم لرفع مستوى استخدام الطاقات الإنتاجية المعطلة. وتكون السياسة السكانية للدولة: فتتدخل الدولة في أوروبا الغربية، إزاء الركود السكاني وتضاؤل معدل المواليد، بعد الحرب العالمية الثانية، في اتجاهين:
الأول، العمل على زيادة معدلات النمو السكاني بتشجيع النسل عبر التأمين الصحي والتأمينات الاجتماعية الأخرى والسياسة الإسكانية.
والثاني، فتح أبواب اقتصادياتها الوطنية أمام تدفق القوة العاملة المهاجرة من المستعمرات القائمة أو القديمة، نحو الاقتصاد المتقدم الغربي.
- مع استمرار الولايات المتحدة وكندا وأستراليا في سياسة استقبال القوة العاملة المهاجرة على نحو انتقائي يحابي استنزاف العقول من الأجزاء الأخرى من العالم.
ويؤدي ذلك إلى التوسع في البعد "الحاني" لدور الدولة الرأسمالية في الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة، وإنما إلى حين، على الأقل بالنسبة لبلدان أوروبا الغربية.

8- وفي داخل السياسة المالية للدولة يكون الاتجاه نحو التوسع في الإنفاق العام في أوقات تراخي النشاط الاقتصادي، وفي أوقات الحرب أو الاستعداد للحرب. وتفيد هذه السياسة، عملياً، المشروع الرأسمالي في تطوره على الرغم من أن هدفها المعلن هو رفع مستوى تشغيل القوة العاملة، إذ يترتب على طريقة تمويل البرنامج الإنفاقي للدولة آثار تضخمية تفرض نوعاً من الادخار الإجباري على مستوى الاقتصاد الوطني يقلل نسب الأجور الحقيقية لمصلحة الربح. هذا من ناحية – ومن ناحية أخرى، يقوم النموذج النظري لجون. م. كينز الخاص بدراسة مستوى العمالة والدخل، والذي على أساسه تم تعزيز السياسة المالية التي يتعين على الدولة الرأسمالية القيام بها لمواجهة الأزمة الاقتصادية، نقول نقدم هذا النموذج النظري على افتراض سيادة المنافسة في الاقتصاد الوطني. وهو ما يستتبع أن تقوم المشروعات الاقتصادية الخاصة المتوقفة عن الإنتاج كلياً أو جزئياً أثناء الكساد، بزيادة إنتاجها (على فرض بقاء أثمان منتجاتها على حالها، وهو ما يدخل في الفروض التي أقام عليها كينز نموذجه النظري)، إذا ما زاد الطلب النقدي على منتجاتها بفضل تحقق الإنفاق العام وخلقه لدخول نقدية (عامة وخاصة) تؤدي إلى زيادة الطلب على المشروعات التي كانت متوقفة عن الإنتاج أثناء الكساد. على هذا الأساس يستبعد التحليل النظري لكينز إمكانية أن تؤدي زيادة الطلب على منتجات مشروع معين إلى ميله نحو رفع ثمنها بدلاً من التوسع في إنتاجها، أي بدلاً من زيادة الكمية المنتجة، وذلك لزيادة معدل الربح ومن ثم القدرة على المزيد من تركيم رأس المال. هذا النمط لأداء المشروع الرأسمالي هو الأميل للحدوث عندما يكون المشروع ذي طابع احتكاري. الأمر الذي كان سائداً في واقع اقتصاديات أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. في هذه الحالة يؤدي إنفاق الدولة، المستمد من إيرادات الدولة على الأخص في شكل الضرائب والاقتراض العام، إلى تقوية المشروع ذي الطابع الاحتكاري، مما يسد على، ويعجل من تطور المشروعات الوطنية/الدولية في عملية تحولها من شركات وطنية ذات بعد دولي في أدائها الجاري (تصديري أو استيرادي)، إلى شركات تحقق تغيراً هيكلياً بأدائه طاقات إنتاجية مادية، عبر الاستثمار في الخارج، على أقاليم دول غير الدولة الأم. فتتحول من شركة وطنية/دولية إلى شركة دولية النشاط، حيث يتعدى نشاطها (المادي أو الخدمي) أو المالي أو التجاري حدود إقليم الدولة الأم بتملكها أو سيطرتها الفعلية (عبر التكنويوجيا مثلاً) على مواقع إنتاجية في الدول الأخرى. وتنمو هذه الشركات في إطار تزايد الاتجاه الاحتكاري لرأس المال الدولي، لتصبح من أشخاص الاقتصاد الدولي، بقوة اقتصادية (وسياسية) متزايدة، وبخاصة عندما تنضم إلى عدد من الشركات دولية النشاط المتكاملة النشاطات الاقتصادية، لتكوّن مجموعة مالية دولية عملاقة.
وتتزايد قوة الشركات دولية النشاط لتقود في ما بعد الحرب العالمية الثانية، نمطاً جديداً لتقسيم العمل الدولي (يقوم على تقسيم عمليات إنتاج سلعة واحدة بين بلدان مختلفة) يزيد من الطبيعة الدولية لعملية الإنتاج وزيادة درجة الاعتماد المتبادل بين الاقتصاديات "الوطنية"، الأمر الذي يعني تزايد التداخل بين الداخلي والدولي. وهكذا تبرز الشركات دولية النشاط كأشخاص عملاقة في الاقتصاد الدولي: هيكلياً، على مستوى الإنتاج عبر السبق في ادخار التجديدات التكنولوجية؛ ومالياً، عبر انتمائها لمجموعات مالية عملاقة؛ وتجارياً عبر سيطرتها على الجزء الأكبر من المعاملات التجارية الجارية. وتكون الدولة الرأسمالية "الكينزية" قد ساهمت، بسياساتها المالية وغيرها، في تحول المشروع الرأسمالي إلى المشروع دولي النشاط ليقف على المسرح الاقتصادي الدولي بين الدولة الأم والدول "المضيفة" في تناقض تختلف أبعاده بالنسبة إلى النوعين من الدول، ليصبح أحد القوى التي تجرد هذه الدولة من دورها كدولة "جانية" بالنسبة إلى القوى الاجتماعية الممثلة لغالبية الشعوب، ليس فقط في البلدان الرأسمالية المتخلفة، وإنما كذلك في البلدان الرأسمالية المتقدمة. ومع سيطرة الشركات دولية النشاط على المسرح الاقتصادي الدولي تبدأ حاجة الأنواع المتصارعة من رأس المال الدولي إلى التكتل على الصعيد الإقليمي، إعمالاً لقانون زيادة تمركز رأس المال مع التطور الرأسمالي. وكان من الطبيعي أن تفرض هذه الحاجة نفسها أولاً بالنسبة لرأس المال الأوروبي وقد خرج منهكاً من الحرب العالمية الثانية ليواجه في الداخل قوى اجتماعية تسعى إلى تحقيق تنظير اجتماعي بديل، وفي الخارج هيمنة رأس المال الأمريكي الذي يساند رأس المال الأوروبي في إعادة التعمير ومواجهة هذه القوى الاجتماعية المعارضة، وإنما بعد أن فرض رأس المال الأمريكي، في بريتون وودز، تصوره في إعادة تنظيم السوق الدولية المالية بنظام نقدي دولي يدور حول الدولار الأمريكي. ومع التكفل الاقتصادي على الصعيد الإقليمي يبرز رأس المال المتكفل إقليمياً في مواجهة الدولة "القومية" العضو في التكفل، الذي يقد يكون من مصلحة رأس المال المتكبل إقليمياً أن يسعفها على الصعيد الإقليمي، نظراً لنظرته إلى أراضي التكفل كمياً كمناطق اقتصادية وليس كأراضي دولة قومية محددة بالحدود السياسية، على أن تبقى قوية نسبياً لكبح جماح القوى الاجتماعية الداخلية التي تعارض نمط التكفل نظراً لأنه يتم لمصلحة رأس المال على حساب المصالح الاقتصادية والاجتماعية لغالبية شعوب "الدول" الأعضاء في التكفل.

9- وفي الأثناء، ومع الحرب العالمية الأولى ثم الكساد الكبير ثم الحرب العالمية الثانية تضيف قبضة رأس مال البلد الأم على اقتصاد المستعمرات وأشباه المستعمرات، ويتواكب ذلك مع شروط موضوعية أخرى (تتمثل في تطور الهيكل الصناعي في الاقتصاديات التي أصبحت متقدمة لتتحول الريادة فيه نحو صناعات جديدة تاركة بعض الصناعات الأولى (كالمنسوجات مثلاً) للتهالك النسبي، وفي توافر الشروط الأساسية لقيام مثل هذه الصناعات في الاقتصاديات التي أصبحت متخلفة، كوجود القوة العاملة الأجيرة الرخيصة والمواد الأولية ووجود مستوى معين من الطلب المحلي على سلع صناعية (استهلاكية في الغالب)، تكوَّن في العادة عبر سنوات من استيراد هذه السلع من الاقتصاد الأم المتبوع). كل هذه الشروط تدفع موضوعياً إلى قيام بعض هذه الصناعات في الاقتصاديات التابعة تقوم مستندة إلى زراعات تحولت في إطار عملية الاندماج في السوق الرأسمالية الدولية إلى زراعات سلعية تسهم في نمط لتقسيم العمل الدولي يحدد دورها في التبادل الدولي. وتتوازى مع هذه التغييرات حركة للتحرر الوطني في المستعمرات وأشباه المستعمرات لضعف الممارسة الاستعمارية لرأس المال في البلد المتبوع، ولو لفترة، في ظل عملية من التشكل السياسي نحو دولة يتزايد دورها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الاقتصاديات التابعة. إنها الدولة التي سترفع، بعد نوع أو آخر من "الانتقلال" السياسي شعارات "النمو" لتبرر لنفسها دوراً كاسحاً في الحياة الاجتماعية مع نمط للعلاقات مع رأس المال الدولي، وخاصة المهيمن دولياً، يتردد ما بين التناقضات أحياناً والتحالفات أحياناً أخرى، وإنما دائماً عبر غير قليل من الاحتكاكات.

10- نستطيع الآن أن نجمع العوامل التي أدت تاريخياً إلى ظهور الدولة الرأسمالية "الحانية" في الاقتصاديات الرأسمالية التي أصبحت متقدمة، خاصة من ثلاثينيات القرن العشرين، وعلى الأخص مع منتصف القرن:
أ- ما صاحب التطور الرأسمالي في البلدان الغربية من تطور كمي وكيفي للطبقة العاملة وتطور تنظيماتها النقابية والسياسية، وتطورها من ثم كقوى مؤتمرة في حركة المجتمع، الأمر الذي يتعين معه تفعيل الدور المحوري للدولة الرأسمالية المتمثل في تحقيق التوازن السياسي الذي يحول دون التغيير على حساب رأس المال، وهو ما يعني إمكانية تحقيق حد أدنى من المطالب الاقتصادية والاجتماعية للطبقات العمالية.
ب- الصراع بين رؤوس الأموال في الدول الغربية من أجل الهيمنة وإعادة تقسيم العالم في شكل حزبين عالميين استلزمتا التعبئة العامة للحرب، وهو أمر لا يستطيع القيام به إلا الدولة، ويؤدي في الوقت نفسه إلى إنهاك لدولة رأس المال، سواء خرجت من الحرب منتصرة أو مهزومة، خاصة عندما يلعب رأس المال أو جزء منه دوراً غير وطني أثناء الحرب، في الوقت الذي تتولى فيه القوى الشعبية مهمة المقاومة في حالات الاحتلال الأجنبي. في مثل هذه الظروف يقوى الوضع السياسي للقوى الاجتماعية الأخرى.
ج- هذا وقد بلورت الحرب العالمية الأولى عاملاً آخر أثر لفترة طويلة على سلوك الدولة في البلدان الرأسمالية الغربية، هذا العامل يتمثل في ما طرحته الحرب من إمكانية تاريخية لخلق شروط لتنظيم اجتماعي بديل للرأسمالية. وبدأت المشكلة تطرح نفسها، متعدية المستوى الفكري، على مسرح التطور اليومي للمجتمع الإنساني، في داخل الدول الرأسمالية نفسها، وفي إطار تجربة تاريخية جديدة هي تجربة "الاتحاد السوفياتي".
د- تطور الاقتصاد الرأسمالي منذ بدايات القرن العشرين تطوراً يبرز الاتجاه التضخمي في المدى البعيد بما يحدثه التضخم من توترات اجتماعية، في إطار اتجاه زيادة حدة الأزمة الاقتصادية ازدياداً يعمّق من قاع الكساد الكبير في الثلاثينيات، فتنشر بطالة القوة العاملة ويتزايد الفقر إلى جانب الطاقة الإنتاجية المادية المعطلة، دونما غطاء اجتماعي لمن يضربهم الكساد. وتثبت الأزمة عدم قدرة المشروع الرأسمالي الفردي على انتشال الاقتصاد الوطني من الكساد، الأمر الذي يفرض تدخل الدولة لمواجهة الأزمة في الزمن القصير، والعمل على تخفيف حدة تقلباتها كسياسة اقتصادية دائمة.
هـ- تغير نمط السلوك الديمغرافي في إطار عملية تراكم رأس المال، وما انتهى إليه من ركود سكاني في بلدان أوروبا الغربية، الأمر الذي يدفع إلى تدخل الدولة لاتباع سياسية ديمغرافية واجتماعية لزيادة معدلات النمو السكاني.
و- ما انتهى إليه التطور الرأسمالي من تناقص معدلات النمو الاقتصادي في الزمن الطويل، والوعي، وخاصة في عز فترة الحرب الباردة، بضرورة العمل على زيادة هذه المعدلات، عن طريق نوع من تدخل الدولة رمز إليه بالتخطيط التأشيري، بدأته فرنسا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما مع وجود قطاع عام يقوم بنشاطات مادية ومالية وخدمية يلعب دوراً محورياً في الاقتصاد الوطني.
ز- أهمية الدور الذي تلعبه الدولة "القومية" في المراحل الأولى للعملية الطويلة لتحقيق الوحدة الاقتصادية الأوروبية، التي يستهدفها في المقام الأول رأس المال الأوروبي، وهندسة مراحل تحقيقها سدنة رأس المال اختياراً لسبيل تحقيق الوحدة الاقتصادية أولاً مع إرجاء الوحدة السياسية إلى المرحلة التالية. الأمر الذي يعني تحقيق الوحدة الاقتصادية مع غياب سلطة سياسية أوروبية تسهر على تحقيقها. وهو ما يلقي بعبء هذا التحقيق في مراحله الأولى على عاتق الدولة القومية، وإنما في ظل غير قليل من المخاطر: أن نتبين القوى الشعبية سياسياً، أن الوحدة قد تحققت اقتصادياً، على حساب المصالحة الاقتصادية والاجتماعية لهذه القوى، فترفض أداة تحقيق الوحدة السياسية أي دستورها.

11- ومع نهاية ستينيات القرن الماضي (في آذار/مارس 1968، في لحظة بروز أزمة رأس المال الأمريكي في فييتنام) تعلن الأزمة النقدية للدولار الأمريكي أزمة الاقتصاد الرأسمالي الدولي. ونكون هذه المرة بصدد أزمة هيكلية تتسم بخصائص مختلفة. فقد عبرت هذه الأزمة عن نفسها في ما تبلور أثناء سبعينيات القرن الماضي في شكل التضخم في ثنايا الركود، حيث يعرف النشاط الاقتصادي اتجاهاً نحو الارتفاع المستمر في الأثمان الذي يتلازم مع اتساع في دائرة البطالة، وازدياد في حجم الطاقة الإنتاجية المادية المعطلة. اجتماع الاتجاه التضخمي (على الصعيد النقدي) مع الاتجاه الانكماشي (على الصعيد العيني) في اللحظة نفسها أربك الدولة الرأسمالية في البلدان المتقدمة، وأربك من ثم سياستها المتعلقة بنشاطها المالي. فالإجراء الذي يقصد به الحد من التضخم يؤدي في الوقت ذاته إلى زيادة بطالة العمل والطاقة المادية المعطلة، ولم تصل الدولة الرأسمالية في الاقتصاديات المتقدمة إلى قرار إلا مع بداية الثمانينيات حين مالت إلى تفضيل السعي لاستقرار الأثمان (ذلك لأهمية ذلك للنشاط التصديري والمنافسة على الصعيد الدولي) عن طريق السيطرة على الضغوط التضخمية، الأمر الذي يطلق العنان لاتساع دائرة البطالة وتعطل الطاقة الإنتاجية المادية. وهو ما يضغط في اتجاه زيادة حدة الأزمة الاجتماعية في الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة، ويدفع برأس المال في الوقت ذاته إلى الاتجاه نحو التوظيف في مجال النشاط المالي، في سوق الأوراق المالية، وخاصة عبر المضاربة في هذه السوق، طالما أن معدل نمو الاستثمار في مجال النشاط العيني في تباطؤ، ليبدأ اتجاه عام يسود الاقتصاد الدولي مؤداه ارتفاع معدل التوسع في التوظيف المالي في الوقت الذي يتباطأ فيه التوسع في النشاط العيني. وتثور مشكلة مدى تحمل الاقتصاد العلني لنشاط مالي غير متناسب.
في الوقت نفسه تجتمع العوامل التي تغير من الوضع تغييراً كيفياً في سوق العمل:
- فمع الثمانينيات يؤتى السياسة الدمغرافية للدولة في اقتصاديات أوروبا الغربية أكلها ويرتفع معدل القوة العاملة الجديدة الداخلة في سوق العمل.
- كما تزداد الأهمية النسبية للقوة العاملة المهاجرة، خاصة في بعض فروع النشاط الاقتصادي، كالزراعة والتشييد، التي لم تعد القوة العاملة الوطنية تطرقها.
- هذا في الوقت الذي يتزايد فيه معدل الكترونية النشاط الاقتصادي (أي إحلال الآلة محل العمل).
كل هذه العوامل تضغط نحو تحويل القوة العاملة في الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة، بل وعلى مستوى الاقتصاد الدولي، إلى قوة عاملة تزيد على احتياجات رأس المال. وهو ما يعرّض القوة العاملة لمزيد من البطالة والعمالة الهشة والاستبعاد الاجتماعي لشرائح من القوة العاملة الأمر الذي يفرض على الدولة، تحت ضغط الطبقات العاملة في الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة، إلى مزيد من الإنفاق المالي في مجال التأمينات الاجتماعية. وهو ما يدفع برأس المال، بعد أن قوَّته السياسة المالية الكينزية (ومدفوعاً كذلك بضرورة إعادة ترتيب البيت "القومي" ليقلل من نفقة الإنتاج لتحقيق تنافسية لرأس المال "القومي" عند مقابلة رؤوس الأموال الأوروبية الأخرى، في إطار السوق الأوروبية أو الاتحاد الاقتصادي الأوروبي)، إلى الضغط نحو تحلل الدولة من اتساعية الدور الذي كانت تقوم به تحت مظلة السياسة الاقتصادية الكينزية. ويكون الاتجاه نحو الحد من دور الدولة في الحياة الاقتصادية باسم الليبرالية الاقتصادية الجديدة، لترك أمر البطالة للأداء الحر لقوى السوق. ويعمم هذا الأداء الحر على مستوى الاقتصاد الدولي. ذلك أن اتساع دائرة البطالة والعمالة الهشة والاستبعاد الاجتماعي لشرائح من القوة العاملة، وما يحدثه التضخم من إنقاص للقوة الشرائية الحقيقية للقوى الاجتماعية الشعبية، مع زيادة درجة الاستقطاب الاقتصادي في ما يخص توزيع الثروة ومن ثم توزيع الدخل (في اتجاه مزيد من انعدام المساواة النسبية في التوزيع)، مضافاً إلى ذلك زيادة الأهمية النسبية لنصيب إنتاج الشركات دولية النشاط خارج حدود الدولية الرأسمالية الأم، ومن ثم أهمية دورها في التبادل الدولي. مع كل هذه العوامل تصبح السوق الداخلية محدودة نسبياً وتكون المراهنة، من جانب رؤوس أموال الدول الرأسمالية المتقدمة، على السوق الدولية التي تدور المنافسة فيها حول السبق في إدخال التحديدات التكنولوجية بواسطة رؤوس الأموال الدولية المتصارعة، ويرفع شعار الليبرالية الاقتصادية (في مواجهة الآخرين)، ويكون الضغط نحو إعادة غزو المجتمعات المتخلفة. وتنشط الدعوة نحو الانحسار النسبي لدور الدولة. ولا تستثنى من ذلك الدولة في الاقتصاديات الرأسمالية المتخلفة، بل يكون ضغط رأس المال الدولي نحو ابتعادها عن الحياة الاقتصادية أقوى. خاصة بعد تبلور أزمة سياسات النمو التي اتبعت بواسطة الدول في أعقاب الاستقلال السياسي النسبي الذي حصلت عليه المستعمرات وأشباه المستعمرات في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهي أزمة برزت أبعادها الاقتصادية والاجتماعية في إطار عملية إعادة إدماج هذه الاقتصاديات في الاقتصاد الرأسمالي الدولي في تبعية متزايدة تؤدي إلى تعميق التخلف الاقتصادي والاجتماعي، في مرحلة للتوسع الكبير للاحتكارات دولية النشاط التي تسعى لتفادي أخطار الدور الوطني أو القومي للدولة في هذه الاقتصاديات، وما يمكن أن يحدثه من عوائق أمام حركة رأس المال الدولي. فيكون ضغطها المتزايد للحد من دور الدولة في النشاط الاقتصادي (مع حرص على إبقاء دورها السياسي كقوة قهر وقمع للقواعد الشعبية في تلك البلدان). وتنشط عملية تصفية الوحدات الاقتصادية التي كانت تمتلكها الدولة. لينتهي الأمر إلى جعل هذه الاقتصاديات جزءاً من السوق العالمية تزول منه كل الحواجز أمام الحركة الحرة لرأس المال الدولي. ولا يسمح لدولة في بلد متخلف بأن تمارس حتى المماحكات مع رأس المال الدولي، فإن هي تجرأت وأقدمت على مجرد التهديد بذلك يسارع رأس المال الدولة، وخاصة المهيمن، دولياً بشن حرب "استباقيتها"، لا تبقي في استباقيتها، ولا تزر.
وهكذا يكون الاتجاه نحو الانحسار النسبي لدور الدولة الرأسمالية في الحياة الاقتصادية (ليس بطبيعة الحال بالدرجة نفسها في البلدان المختلفة)، على مستوى الاقتصاد الدولي بأجزائه المتقدمة والمتخلفة، إزاء تطور الاحتكارات دولية النشاط (بتناقضاتها بمعايير مختلفة مع الدولة الأم ومع الدولة المضيفة)، وسعيها لتحويل العالم إلى سوق واحدة لا تحدها الحدود السياسية. وتتفرغ الدولة الرأسمالية على نحو أكبر لاستخدام أسلحتها السياسية والعسكرية لخدمة مصالح الاحتكارات الدولية بصفة مباشرة في إطار عملية الصراع بين رؤوس الأموال الدولية الكبيرة على الهيمنة على السوق الدولية، في تناقض رؤوس الأموال هذه مع الغالبية من شعوب العالم.

12- ويمكن أن نجمع الآن أهم العوامل التي تكاثفت للحد النسبي من دور الدولة الرأسمالية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة في البعد "الحاني" لهذا الدور، وإن كانت لم تحد من دورها كعصا سياسية/أمنية في مواجهة القوى الاجتماعية الأخرى في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وكعصا سياسية/عسكرية أغلظ في مواجهة القوى الاجتماعية الممثلة لغالبية شعوب البلدان المتخلفة، لتبرز كشخص من أشخاص المجتمع الدولي تغيرت فيه مفردات "الجوقة" وتغيرت أدوار هذه المفردات: الدولة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وعلى الأخص دولة رأس المال المهيمن دولياً بجبروت اقتصادي/عسكري يمكن، مع تآكل الرشاوى التاريخية لكل رأس المال، أن يمثل الديناميت المفجر لكل تناقضات النظام الرأسمالي الدولي؛ الدولة في البلدان الرأسمالية المتخلفة؛ الشركات دولية النشاط والمجموعات المالية العملاقة؛ المنظمات الدولية السياسية والاقتصادية في ظل محاولات السيطرة عليها وتدجينها واستخدامها لمصلحة رأس المال المهيمن دولياً، بل وفي عمليات تسهم في الواقع في قتل جنين القانون الدولي العام؛ المافيات الدولية التي تسيطر على جزء متزايد الأهمية من النشاط الاقتصادي الدولي، إنتاجاً، خاصة في المخدرات، وتجارة، في كل "المحرمات"، وعلى الأخص في الرقيق "الأكحل" كقوة عاملة مهاجرة مهربة بدون مشروعية "قانونية" (وإن لم تعدم المشروعية الاقتصادية)، و"الأبيض" كسلعة ترفيهية تحظى بالكثير من المشروعية "القانونية" وإن كانت تفتقد كل مشروعة إنسانية؛ ومالياً، بحجم الأموال التي تعمل على تدويرها بقصد الربح النقدي في السوق المالية الدولية في سعي مستمر إلى "تبييضها" يخلصنا من الألوان التي لفظتها دائماً العنصرية التاريخية لرأس المال؛ مجموعات التمرد المسلحة التي تنتعش مع طموحات رأس مال الصناعات الفكرية في سوق دولية للسلاح دائمة الاتساع، تقف الدولة الأكبر أمام محاولات الحد منها باتفاقيات دولية للحد من التسلح.
أ- الأزمة الهيكلية للتضخم في ثنايا الركود التي بدأت تفرض نفسها منذ بداية سبعينيات القرن الماضي وأبرزت أزمة السياسة الاقتصادية للدولة الرأسمالية المتقدمة وعجزها عن مواجهة الموقف وانحيازها في النهاية نحو مصلحة رأس المال (الاستقرار النقدي لضمان مستوى أثمان يمكن من المنافسة في السوق الدولية) على حساب البطالة والاستبعاد الاجتماعي، وقد كثفت فهمها عملية الكترونية الأنشطة الاقتصادية. وقد بلورت هذه الأزمة أزمة سياسات "النمو" التي اتبعت في الاقتصاديات المتخلفة معلنة إفلاس رأس المال المحلي في هذه الاقتصاديات في مواجهة مشكلة التحرر الوطني الحقيقي في ارتباطه العضوي، في هذه المرحلة التاريخية، بالمشكلة الاجتماعية للغالبية في المجتمعات المتخلفة (الأمر الذي ينتمي برأس المال المحلي إلى الكف عن لعب أي دور وطني (ومن ثم قومي) في استسلام ذليل لرأس المال الدولي بصفة عامة، ورأس المال المهيمن دولياً بصفة خاصة.
وتبرز هذه الأزمة الهيكلية أزمة مؤسسات الدولة الرأسمالية المتقدمة (السياسية والنقابية) أزمة تنتعش من خلالها الاتجاهات السياسية "النازية والفاشية" وممارسات العنف الاجتماعي التي تهدد مكونات النظام السياسي الذي تبلور في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بحد أدنى من التوازن الاجتماعي والسياسي (الذي يحول دون تغير الوضع على حساب رأس المال)، وتنتهي الدولة الرأسمالية بسرعة إلى اتخاذ إجراءات "قانونية" وفعلية تعمل على التآكل التدريجي للخصائص "الديمقراطية" لهذا النظام تحت شعارات مختلفة: القضاء على الخطر الشيوعي، صراع الحضارات، مواجهة "الأصولية" الدينية (إنما، ليس بكل أنواعها)، محاربة الإرهاب، ضرورة التغذية القهرية للآخرين بجرعات ديمقراطية الغرب الرأسمالي. ومع تآكل كل البعد "الديمقراطي" للنظام السياسي تتآكل القوة السياسية للدولة، تآكلاً يعجل منه الابتعاد المتسارع للدولة عن البعد "الحاني" لدورها الاقتصادي والاجتماعي باسم "الليبرالية الجديدة".
ب- بروز الشركات دولية النشاط وزيادة تمركز رأس المال الدولي عبر اندماج هذه الشركات في مجموعات مالية عملاقة تتخطى حدود التكتلات الاقتصادية الإقليمية، في تناقضاتها، بصور مختلفة، مع الدولة الأم (عندما تفرض قيوداً تنظيمية قانونية أو تمارس جباية ضريبية)، ومع الدول المضيفة (عبر تضارب المصالح والاحتكاكات بين شركاء السوق والسوء). مع تعاظم القوة النسبية لهذه الشركات تتراجع القوة النسبية للدولة في مواجهة هذه الشركات.
ج- التكتل الاقتصادي الإقليمي الذي يتضمن، إذا ما نجح فعلاً، إضعافاً للدولة الوطنية، نظراً لأن مصلحة رأس المال المتكتل إقليمياً تتحقق في معاملته للمكان الممثل لوعاء التكتل كمناطق تتكامل اقتصادياً من أجل زيادة القدرة على المنافسة في السوق الدولية. وهي مناطق تتخطى كاتجاه عام (خاصة مع النمط الجديد لتفسير العمل الدولي وفقاً لتوزيع عمليات إنتاج السلعة الواحدة بين بلدان مختلفة) الحدود السياسية التاريخية للدول الأعضاء في التكتل، نقول إن مصلحة رأس المال المتكتل تتحقق في معاملته لمساحات التكتل الاقتصادي كمناطق اقتصادية متداخلة وليس كأنشطة اقتصادية تمارس داخل الحدود السياسية التاريخية للدول الأعضاء، الأمر الذي يعني إعادة رسم خريطة "مناطقية" لأراضي الدول الأعضاء في التكتل، خريطة اقتصادية تتضمن إزالة الحدود السياسية للدولة القومية، لتقام تدريجياً، إن لم تحل إرادة الشعوب دون ذلك، دولة "اتحادية" تكون متناهية الالتصاق برأس المال المتكتل. إذ إن عملية خلق التكتل الإقليمي تقتضي خلق مؤسسات إقليمية تقوم في بعض منها (على الأقل في الاحتمال) على "أنقاض" مؤسسات الدولة العضو في التكتل.
د- مع تفكك الاتحاد السوفياتي كقطب دولي، ظل طوال عدة عقود من المد الثوري التاريخي في اتجاه مناهضة سيطرة رأس المال الدولية المباشرة على المستعمرات وأشباه المستعمرات والسعي، على مستوى المجتمع الإنساني، لخلق شروط البديل التاريخي للتنظيم الاجتماعي الرأسمالي، نقول ظل الاتحاد السوفياتي بما شكله من معسكر دولي وتحالفات مع بلدان "العالم الثالث" "ملجّماً" لجماح رأس المال الدولي في سعيه لسيطرة إمبريالية مباشرة على جموع شعوب العالم. مع هذا التفكك واتجاه رأس المال الأمريكي إلى طموح تحويل العالم إلى إمبراطورية عالمية، تكتسح إن لزم الأمر قوى "الدول" الأخرى التي تعترض السبيل، مع هذا الوضع يضيق طاق الحاجة إلى التحالفات بين رؤوس الأموال الدولية ويشتد الصراع في ما بينها من أجل إعادة صياغة نمط الهيمنة على الاقتصاد الدولي، مع ما يتضمنه ذلك من محاولات خلق تحالفات جديدة قد تعمل على إضعاف الدولة في بعض بلدان أوروبا، خاصة إذا انتمت إلى ما سمي "بأوروبا القديمة"، وعلى الأخص الدولة الفرنسية. في الوقت الذي تُبعد فيه طموحات رأس المال الألماني في بلدان وسط وشرق أوروبا (التي اعتبرها، تاريخياً، المجال الحيوي لأدائه) الدولة الألمانية عن ثنائية دورها مع الدولة الفرنسية في إنشاء السوق الأوروبية المشتركة وتطويرها، الأمر الذي قد يعني الإضعاف النسبي للدولتين معاً، خاصة مع تزايد عدد الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي في وسط وشرق أوروبا بصلاتها الأقوى مع رأس المال الأمريكي.

13- ومع هذا التوجه لرأس المال الدولي، بصفة عامة، ورأس المال المهيمن دولياً بصفة خاصة، تتفجر تناقضات التنظيم الاجتماعي الرأسمالي، وتبرز الأزمة التاريخية الراهنة للدولة الرأسمالية: بإدراك الغالبية لضآلة النصيب النسبي الذي تجنيه من التطور الرأسمالي: تسارع معدلات استقطاب الثروة والدخل لمصلحة الأقلية، اتساع دائرة الفقر والمرض والضياع الثقافي في جانب الأكثرية، تزايد عدوانية رأس المال المهيمن دولياً وامتهانه للإنجازات الحضارية للشعوب، بل وحرصه على اقتلاع الجذور في المجتمعات ذات الجذور التاريخية، مصادرة حقوق الإنسان في كل مكان، وقتله لجنين القانون الدولي العام في كل الأركان. وتبرز مع هذه التناقضات الأزمة التاريخية الراهنة للدولة الرأسمالية التي تتلاشى كدولة "حانية"، كانت ترعى، تحت ضغط القوى الاجتماعية الأخرى، بعض الجوانب الاجتماعية لحياة الأفراد. عبر محاولات تصحيح بعض الموجات مثل قوانين السوق. وتقوي الدولة كأداة قهر وسيطرة وتدمير، بممارسة ما هو في الواقع من قبيل "إرهاب الدولة". وهي تقوم بهذا الدور ليس فقط في مواجهة شعوب البلدان الرأسمالية المتخلفة، وإنما كذلك في مواجهة شعوب البلدان الرأسمالية المتقدمة، ومنها بطبيعة الحال بلدان أوروبا الغربية:
- ففي سبيل إعادة المنزل في كل اقتصاد أوروبي "وطني" بقصد تقليل نفقة الإنتاج لزيادة تنافس رأس المال في داخل "الاتحاد" وفي السوق الدولية، تقف الدولة في جانب تآكل أنظمة التأمينات الاجتماعية للطبقات العاملة، بل وشرائح الطبقة المتوسطة، باسم مواجهة العجز المالي لأنظمة التأمينات وتحقيق التوازن المالي للأداء الاقتصادي.
- وإذا عارضت قوى من شعوب الدول الرأسمالية المتقدمة ممارسات القمع والتدمير الذي يقوم بها رأس المال الدولي في أجزاء أخرى من العالم، أعطت الدولة الرأسمالية نفسها حق اتخاذ الإجراءات الفعلية المقيدة للحريات في داخل مجتمعاتها "المتقدمة"، ثم قامت بتعديل القوانين التي تطيح بالحريات العامة "والخاصة لمواطنيها" تحت شعار "مكافحة الإرهاب".
- وإذا أبدت بعض شعوب أوروبا، بعد أربعة عقود من محاولة بناء الاتحاد الاقتصادي الأوروبي، عدم موافقتها، بالاستفتاء الشعبي، على نمط التكتل الاقتصادي الذي يتم لمصلحة رأس المال على حساب الطبقات العاملة والمتوسطة، تبحث الحكومات عن سبيل آخر من سبل "ديمقراطية" رأس المال: إما إيقاف عملية الاستفتاءات الشعبية مؤقتاً أملاً في نتائج حملة جديدة لتزييف الوعي، أو البحث عن غالية للأصوات "الموافقة" بين الدول، أو بالأحرى "الحكومات" الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
- في المجتمعات المعتدى عليها في الأجزاء المتخلفة من العالم الرأسمالي، تتعرى "الدولة" الرأسمالية: في خضم ما أوحلت فيه نفسها من مستنقعات؛ عندما تعلن حروب الإبادة الاستباقية وتزحف للقضاء على التراث الحضاري للمجتمعات، كما تتعرى إزاء ما أثارته من كراهية ومقاومة شعبية تلقاها في بؤر العدوان.

14- وهكذا، تبرز أزمة الدولة الرأسمالية ككيانٍ عدواني فقد "حانيته" في البلد الأم، وكشر عن آليات الشر والإبادة في البلدان التابعة، وهي أزمة تجسد في الواقع الأزمة التاريخية لكل رأس المال، كعلاقة اجتماعية تاريخية سائدة.







رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الدولة... تعريفها وأنواعها وأركانها الدكتور عامر قسم النظم السياسية 0 03-31-2011 05:08 PM
عبادة الرحمن ونحن نيام ملاك قسم الخيمة الايمانية 1 08-12-2010 01:25 PM
كتاب الاقتصاد الإسلامي عمر عادل قسم الكتب الاسلامية 0 08-06-2010 10:14 AM
بالمستندات.. مرشحة "الوطني" بكفر الشيخ "سوابق الدكتور عادل عامر قسم البرلمان المصري 0 05-13-2010 07:52 PM
لقمة العيش هم في الصباح وغم في الليل الدكتور عادل عامر قسم التحقيقات الصحفية 0 05-04-2010 03:24 AM


الساعة الآن 03:08 PM.


د/ عادل عامر
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi
    by Egys team