العودة   منتدى دار العلوم القانونية والاسلامية والانسانية > منتدي العلوم القانونية > قسم علم الاجرام والعقاب

قسم علم الاجرام والعقاب يهدف الي معرفة الباحثين فلسفة علم العقاب والاجرام كفرع من القانون الجنائي

الإهداءات

 
كاتب الموضوع الدكتور المصري مشاركات 0 المشاهدات 373  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 05-17-2013, 07:38 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
مراقب منتدي الثقافة العامة
Thumbs down الـمـدخـل لدراسة الظاهرة الإجرامية والحق فى العقاب

الـمـدخـل
لدراسة الظاهرة الإجرامية والحق فى العقاب



الجزء الأول

الــظـــاهــرة الإجـــرامـــيـــة
(الإشكاليات البحثية – النظريات التفسيرية - العوامل الإجرامية)








دكتور
أحـــمـــد لــطــفــى الـــســـيــد
كلية الحقوق - جامعة المنصورة
قسم القانون الجنائى




2003- 2004














"إن لذة البحث عن المعرفة تعلو فوق المعرفة ذاتها"
( المؤلف)






















إلى الحــنـان والعطاء ... إليكما أبــــي وأمــــي
وإلى هدايا السماء ... إليكما زوجتي وابنتي























بسم الله الرحمن الرحيم

"إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74)
ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75)"
صدق الله العظيم
سورة طه ، الآيات "74-75"













1- تمهيد وتقسيم :
إذا أمعن الإنسان في الظواهر التى تتتابع من حوله ، فلا شك أن الظاهرة الإجرامية Le phénomène criminel سوف تحتل المرتبة الأولى بين كل الظواهر التي يمكن رصدها. ومنشأ ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى قدم هذه الظاهرة وتلازمها مع الحياة الإنسانية منذ بدئها وقبل أن تتشكل المجتمعات المنظمة بالمفهوم المتعارف عليه لدى علماء الاجتماع والديموجرافيا.

فالحق أن الجريمة - وبالأخص القتل - تكاد تصبح أقدم عمل إنسانى ، وكذا تبدو وكأنها خصيصة من خصائص الحياة الاجتماعية ، بحسبان أن الأخيرة يلفها ويغلفها طابع الأنانية وتضارب المصالح الفردية داخل الجماعة. ولا يغير من هذا الاستنتاج كون الجريمة داخل مجتمع معين تتخذ مساراً معينا أو يغلب عليها نمط إجرامى يغاير ما قد يوجد داخل مجتمع آخر.

ولا نغالى إذا قلنا أن الجريمة ظاهرة حياتية تسود عالم الكائنات جميعها ، بما فيها الحيوان والنبات ، ولا تقتصر على المجتمع الإنساني فحسب. ويرجع ذلك إلى كون أن الطبيعة بما تضمه من كائنات محكومة بقانون الصراع الذى يخلق في النهاية ما نسميه العدوان الذى هو مضمون العمل الإجرامى أياً كان أنموذجه .

والمتفحص لحقيقة الجريمة يجدها تمر دائماً بمراحل ثلاث ، يمكن من خلال استعراضها أن نحدد ما سوف نتناوله بين دفتى هذا المؤلف. أولى تلك المراحل تبدأ عندما تلجأ الجماعة الإنسانية إلى وضع إطار عام لمجموعة من قواعد السلوك – التى نتعارف على تسميتها بالقواعد القانونية - التى يؤمل أن تسود بين أعضائها ، وبموجبها تباعد الجماعة بينها وبين الفوضى واللانظام وتؤمن به مصالحها وقيمها التى تراها جديرة بالحماية ، سياسية كانت هذه المصالح أو اقتصادية أو اجتماعية. وتحدد الجماعة من خلال سلطتها الرئاسية أياً من تلك القواعد يتصف بالإلزام (كقواعد القانون الجنائى) ، وأيها يجوز الاتفاق على مناقضته (كبعض قواعد القانون المدنى أو التجارى المكملة).

ويوجب كل هذا أن تحدد الجماعة الإنسانية أجزية معينة توقع على من يخرج على إطار القواعد السلوكية. ولا تتمايز الكيانات المجتمعية فى هذا إلا من حيث مصدر نشوء القاعدة المنظمة للسلوك. ففى بعض الجماعات قد يكون لتعاليم الأديان دور أعظم من تلك التى يغلب فيها الاعتقاد فى الخرافات ، أو تلك التى تعلى من شأن العرف أو أوامر القوانين التي تصدر من سلطة عليا رئاسية أو برلمانية نيابية. عندئذ تتشكل القواعد التى توجه سلوك الأفراد نحو عمل أو الامتناع عن عمل ما من الأعمال.

يلى مرحلة نشوء القاعدة السلوكية ، ومنها القواعد الضابطة للسلوك الفردى مع المصالح الجوهرية التى يحميها القانون الجنائى ، المرحلة التي نسميها مرحلة التقييم السلوكى L'évaluation des actions ، إذ فى ضوء القواعد التى رسمتها الجماعة تجرى هذه الأخيرة من قبل سلطة عليا فيها مراجعة وتقييم لأنماط السلوك الفردية داخلها ، كى تحدد فى ضوء هذا التقييم ما يعد انتهاكاً - ومن ثم يكون جريمة - للقواعد التي تحكم السلوك داخلها. ومن المؤكد أن لا يفى بعض أعضاء الجماعة بكل ما تفرضه عليهم القواعد المنظمة للسلوك الاجتماعى ، الأمر الذى يجعل منهم أعضاء غير متكيفين اجتماعيا ، وقد يصل عدم التكيف أقصاه حال الخروج الصريح على القواعد ذات الصبغة الجنائية فيما يعرف باسم "الجريمة".

وبتعدد وذيوع عدم التكيف بين بعض أفراد الجماعة مع القواعد السلوكية الجنائية السائدة فيها ، ومن ثم شيوع حالات الخروج الصريح على تلك الأخيرة في صورة الجريمة ، تتشكل ما يعرف باسم الظاهرة الإجرامية ، التي تقود فى النهاية إلى تنوع الأمزجة وتفردها بين أعضاء الجماعة وتنوع ردود أفعال هؤلاء تجاه ما يتبناه المجتمع من أفكار ومعتقدات وفلسفات ساعدت على تشكيل الهيكل السياسى والاقتصادى والثقافى له.

ويلى هذه المرحلة بالتبعية مرحلة ما نسميه رد الفعل الاجتماعى ضد الجريمة La réaction sociale contre le crime. إذ من المنطقى ألا يقف المجتمع مكتوف الأيدى تجاه الانتهاكات الواقعة من بعض أفراد الجماعة للقواعد السلوكية السائدة ، إذ لابد عليه أن يأخذ رد فعل مناسب متمثلاً فى أنواع من الجزاءات التى ترسمها الجماعة وتراها مناسبة ومتكافئة مع ما وقع من خروج صريح على نظامها الاجتماعى. ولقد تطورت الجماعة الإنسانية فى تحديد رد الفعل الذى تتخذه حيال التمرد على قواعدها. ففى المجتمعات القديمة ، حيث لم تكن الدولة كتنظيم سياسى قد ظهرت بعد ، كان يأخذ رد الفعل تجاه الجريمة شكلاً من أشكال الانتقام ، إلى أن طال المجتمعات التهذيب والتنظيم السياسي فصار لهذا الرد أطر قانونية وإنسانية تحد من وحشيته وقسوته ، ولا تجعل من الإيلام الملازم للجزاء هدفا في ذاته ، وإنما يرمى في النهاية إلى إعادة إصلاح وتأهيل من زل وهوى في دروب الجريمة .

وبمراجعة تلك المراحل الثلاثة سوف يظهر لنا أن مادة هذا المؤلف لن تنصب إلا على المرحلة الثانية ، التى تتكشف فيها الجريمة وتظهر إلى السطح فى صور عدوان أو انتهاك صريح لأوامر ونواهى القانون الجنائى ، أو القواعد السلوكية الناهية أو الآمرة الواردة فى مدونة العقوبات. إذ تدخل المرحلة الأولى في إطار العلوم والدراسات المنصبة على دراسة وتحليل كيفية نشوء القاعدة القانونية المنظمة للسلوك الاجتماعي ، دون أن يستلزم الأمر بالضرورة أن تكون هذه القاعدة قاعدة جنائية ترتبط بعلوم الجريمة. أما المرحلة الثالثة فهى وإن دخلت فى حيز العلوم الجنائية إلا أنها تفترض وقوع جريمة بالفعل وثبوت الإدانة فى حق شخص أو أكثر وعلى نحو محدد ما نسميه علم العقاب. أى أنها مرحلة تلى التأكيد على وجود الظاهرة الإجرامية مما يدخلها في مضمون العلوم القاعدية التي تعنى بدراسة الجزاء الجنائى -عقوبة كانت أم تدبير - بهدف الوصول إلى تحديد أمثل لأغراض هذا الجزاء وكذا تبيان المبادئ العامة التى يجب أن تحكم تنفيذ هذا الأخير .

والواقع أنه لن يفى التوغل فى دراسة هذه المرحلة الثالثة بالإجابة عن التساؤل عن الأسباب والعوامل المنشئة أو المخلقة للظاهرة الإجرامية طالما أن دراسة هذه المرحلة لن تبدأ إلا بعد الإقرار بوجودها. لهذا كان ولابد أن يتصدى علم آخر من أجل دراسة المرحلة الثانية التى تمر بها الجريمة وهى المرحلة التى تتشكل فيها الجريمة على أثر إعلان الجماعة الإنسانية داخل حيز معين عن وجود انتهاك أو عدوان على القواعد العقابية السارية. هذا العلم الذى اضطلع بهذه المهمة هو ما يعرف باسم "علم الإجرام"Criminologie ، والذى يتعرض هذا المؤلف لبيان مضمونه وموضوعه من أجل استقصاء حقائق الظاهرة الإجرامية.

ولا شك أن محاولات تفسير الظاهرة الإجرامية كظاهرة فردية أو اجتماعية أمر يعود إلى أزمنة بعيدة ، قدر بعد ظهور الجريمة ذاتها. ففي الوقت الذى كانت فيه المجتمعات تقع تحت تأثيرات دينية مالت محاولات تفسير الظاهرة الإجرامية نحو إرجاعها إلى مخالفة أمر تمليه قوى مقدسة مجهولة تجعل من صاحبها "عاصيًا" عليه واجب التكفير عن إثمه . وأن الإجرام ما هو إلا تقمص شيطانى بحق المجرم أو هو لعنة إلهية تحل بالإنسان لبعده عن الآلهة وعدم الطاعة والتقرب لها. وقد ساد مثل هذا التطبيق لدى الإغريق قديماً. فقد جاء على لسان الشاعر سوفوكليس Sophocles ، مؤلف التراجيديا الإغريقية أوديب Oedipe" قاتل أبيه وزوج أمه "أن أفعالى لم أرتكبها ولكن تحملتها" . ولقد ظل هذا التفسير قائما لدى بعض التشريعات خلال القرن التاسع عشر - ومنها التشريع الإنجليزى - التى كانت توجب حال توجيه الاتهام إلى المجرم الإشارة إلى أنه لم يخالف القانون فقط بل أنه ترك نفسه للوساوس الشيطانية وأبعد نفسه عن الطاعة للأوامر الربانية .
ويستقر هذا التحليل حالياً بين جنبات العامة من بين أبناء الشعب المصرى والعربى ، ومع عودة الأصولية الدينية إلى رحاب البيئة العربية ، والذين يميلون يميل إلى إرجاع الجريمة ، بل وكافة الأزمات ، إلى غضب ربانى ، إذ أن المساحة الفاصلة بين العلم والدين ما تزال مجهولة لدى تلك الشعوب.

ولقد استمرت سيطرة التفسير الدينى لكافة الأفعال الإنسانية وأنماط السلوك- ومنه السلوك الإجرامى - خلال العصور الوسطى وإلى بداية العصور الحديثة خاصة مع بداية القرنين السابع عشر والثامن عشر ومع طغيان حركة الشغف العلمى التي سادت خلال هذه الحقبة الزمنية. ولقد كانت البداية من خلال الربط بين الملامح الجسدية والتكوينية Physiognomonie للشخص والميل نحو نمط إجرامي معين ، كالربط بين حجم وشكل الجمجمة مثلا والجريمة ، الأمر الذي يمثل أحد موضوعات ما يعرف بعلم الجماجم Phrénologie أو علم فراسة الدماغ ، والذي ظهر على يد فرنسوا جوزيف جال Gall العالم الفرنسي (1758-1828) . أو الربط بين القامة أو نوع الشعر أو شكل العين وحجمها أو شكل اليد وبين الميل نحو شكل إجرامي معين . وقد مهدت إلى هذا الربط دراسات العديد من العلماء من أمثال ديلا بورتا Della Porta في مؤلفه "في الصفات الخلقية" Physiognomic ، وكذا لافاتيهLavater (1741-1801) ودي لا شامبر De La Chambre وفرنسوا جوزيف جال Gall (1758-1828) وكورتس Cortes والطبيب الفرنسى بروكا Broca (1824-1880) الذى أسس فى باريس عام 1865 جمعية علم الإنسان La société d’anthropologie ، والذين أرجعوا جميعهم الجريمة إلى خلل خلقي يعود إلى ضعف النمو الطبيعي للدماغ والمخ .
ولقد مهد لكل ذلك ظهور ما عرف باسم المدرسة الوضعية الإيطالية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، والتي تمثل البداية الحقيقية للدراسة العلمية المنهجية ، وذلك على يد رائدها سيزار لومبروزو César Lombroso (1836-1909) حينما نشر مؤلفه الرجل المجرمL’homme criminel في عام 1871 ، والذي أوضح فيه تميز المجرمين على خلاف أنماطهم بملامح وصفات جسدية وتكوينية تبعد عن تلك التي تلحظ لدى الباقين من الناس ، مرجعاً ذلك إلى ارتداد المجرم إلى الإنسان الأول أو البدائي. وقد عمق هذه الدراسات وأضاف إليها بقية زعماء هذه المدرسة خاصة كل من رفائيل جاروفالو Raffael Garofalo (1852-1932) ، الذي يعود إليه الفضل في استخدام لفظ علم الإجرام Criminologie الذى اتخذه عنواناً لأحدى مؤلفاته (1885) ، وأنريكو فيري Enrico Ferri(1856-1928) الذي يعود إليه الفضل في تقسيم المجرمين إلى عدة طوائف : المجرمون بالميلاد ، المجرمون المجانين ، المجرمون المعتادون ، المجرمون العرضيون ، المجرمون العاطفيون. وإليه يعود الفضل كذلك في القول بقانون الإشباع والتشبع الإجراميLoi de saturation et de satisfaction criminelle والذي مؤداه أن كل وسط يتضمن حتماً قدراً من الإجرام. وأنه إذا ما تفاعلت العوامل الطبيعية مع عدد من الظروف الاجتماعية فإنه سوف ينتج عدداً معيناً من الجرائم دون زيادة أو نقص .

ومع بزوغ النصف الأول من القرن التاسع عشر تولد ما يعرف بالتفسير الاجتماعي للظاهرة الإجرامية ، بحسبانها ظاهرة اجتماعية قبل أن تكون ظاهرة فردية ، وذلك على أثر ظهور الإحصاءات الفرنسية الجنائية ابتداء من عام 1826 ، وكذا ذيوع منهج الفيلسوف الفرنسي أوجست كونتAujuste Compte (1803-1842) ، والذي عرض له مؤلفه المكون من ستة أجزاء تحت عنوان "دروس الفلسفة الوضعية" ، والقائم على الملاحظة والتجريب والذي كان النواة الحقيقية لنشأة علم الاجتماع أو ما أطلق عليه كونت الطبيعة الاجتماعية La physique sociale .

وهكذا يمكننا القول بأن محور علم الإجرام – وبالتالي صلب هذا المؤلف – يتركز على الكشف عن علة وسببية السلوك الإجرامي ، وهو ما سيدعونا إلى تخصيص الباب الثاني لاستعراض النظريات العلمية التي قيلت في هذا الشأن.

فإذا ما فرغنا من استعراض المحاولات التفسيرية للظاهرة الإجرامية فإنه من المتيقن أننا سوف نقف على حقيقة مؤداها أن الأسباب الدافعة للجريمة لا تتكافأ ، فبعضها يعلو على الآخر ، سواء بحسب المنهج العلمي الذي يتبناه الباحث والمدرسة التي ينتمي إليها أم سواء بحسب التقدم الذي تبلغه العلوم المتصلة بالظاهرة الإجرامية كعلم الطب وعلم النفس وعلم الاجتماع. لذا فمن الضروري أن نخصص بعض الصفحات - يضمها الباب الثالث من هذا المؤلف - من أجل تبيان الدور الذي تلعبه بعض العوامل في تخليق الظاهرة الإجرامية ، فبهذا يمكننا أن نتعرف على العلاقة بين توافر متغير معين من ناحية والجريمة من ناحية أخرى ، مما يمكننا من توقع مسار الجريمة في المستقبل وذلك كله على نحو تقريبي. كما أن الإلمام بعوامل الجريمة ومدى العلاقة بين عامل معين والجريمة في بيئة معينة تمهد إلى تحديد وسائل المكافحة الفعالة .

بيد أن التوغل في أبواب تلك للدراسة يستوجب ، بادئ ذي بدء ، إلقاء الضوء على بعض الإشكاليات الأولية التي تصادف الباحث في الدراسات الإجرامية ، كتلك التي تتعلق بتحديد ماهية علم الإجرام ، وموضوع البحث في هذا العلم ، والصلة بينه وبين العلوم الجنائية الأخرى ، وكذا أساليب البحث في الظاهرة الإجرامية ، وهو ما سوف نخصص له الباب الأول من هذا المؤلف.

وعلى هذا فإننا سوف نقسم مادة هذا المؤلف وفق الخطة التالية :
الباب الأول : إشكاليات بحث الظاهرة الإجرامية
الباب الثاني : تفسير الظاهرة الإجرامية
الباب الثالث : عوامل الظاهرة الإجرامية




























































2- تقسيم :
تستوجب منا الخطوة الأولى لدراسة الظاهرة الإجرامية والإبحار في أسبابها والعوامل الدافعة أو المخلقة لها أن نستعرض بيان مفهوم هذا العلم الذي يتعرض لدراسة تلك الظاهرة ألا وهو علم الإجرام ، وهو ما سيمكن من تحديد موضع هذا العلم من القانون الجنائي عامة ، وكذا ضرورة بيان المحل الذي ينصب عليه هذا العلم. فإذا كانت الظاهرة الإجرامية ما هي إلا جريمة ومجرم فلا بد من تبيان المفهوم الذي يغلف هاتين الفكرتين في نطاق هذا العلم. فإذا ما انتهينا من كل هذا أمكن لنا أن نعرج بالدراسة على بيان الصلة بين هذا العلم والعلوم الجنائية الأخرى. وأخيراً بيان أساليب البحث المتبعة من أجل استكشاف مكنون الظاهرة الإجرامية.

الفصل الأول
علم الإجرام : إشكالية المفهوم

لا شك أن أكبر المشكلات المنهجية التي تواجه أي علم من العلوم هو تحديد ماهية هذا العلم ، وهذا بالفعل ما لاقاه علم الإجرام. فالواقع أنه يكتنف هذا العلم غموض وتضارب شديد حول تحديد ماهيته. وقد يرجع ذلك في الحقيقة إلى حداثة هذا العلم واتساع نطاقه وكذا تعدد موضوعاته وإلى اتصاله بعلوم أخرى متنوعة يكون محل اهتمامها السلوك الإجرامى أيضاً. فمن المؤكد أن حركة البحث العلمي في مجال الظاهرة الإجرامية لم يبدأ إلا في نهاية القرن التاسع عشر حينما استخدم لومبروزو Lombroso منهج الملاحظة والتجريب لتحديد أسباب الظاهرة الإجرامية مشعلاً بذلك ثورة علمية لم تهدأ ولم تخبو نارها إلى الآن. هذه الحداثة لم تعط للعلماء الفرصة الكاملة لتحديد موضوعات هذا العلم ويخلصوه مما يعلق به من موضوعات لا تتصل حقيقاً به نتيجة ارتباط دراسة الجريمة والمجرم بعلوم أخرى إنسانية وطبية.

كل هذا خلق شكلا من أشكال الاضطراب في مجال تعريف هذا العلم ، فبعض العلماء قد اتجه إلى القول بأن تفسير الظاهرة الإجرامية لا يتحقق إلا بالاهتمام بفكرة الانحراف La déviance والسلوك اللاإجتماعي أو المضاد للمجتمع Antisociale ، سواء شكل هذا السلوك جريمة وفقا للمفهوم القانوني لهذه الأخيرة أم لا. ويؤيدون وجهة نظرهم تلك بقولهم أنه لما كانت الجريمة هي أشهر وأظهر أنماط الانحراف الاجتماعي ، فإن التعرف على أسبابها ومكنونها لا يتأتى إلا بتوسعة مجال البحث في علم الإجرام لا ليشمل الجريمة بالمعنى القانوني الضيق فحسب ولكن ليشمل السلوك المنحرف في المجتمع ككل. وعلى هذا يصبح علم الإجرام هو العلم الذي يهتم بدراسة السلوك اللاإجتماعي للإنسان بغية الوقوف على أسبابه وسبل علاجه. وهو ما يعني أن الجريمة لدى هذا الاتجاه ما هي إلا ظاهرة اجتماعية .

ولقد شاع هذا الاتجاه في التحديد لدى الفقه الأمريكي بزعامة أدوين سزرلاند Edwin Sutherland والذي اتجه إلى القول بأن علم الإجرام ، بحسبانه علم دراسة الجريمة في معناها الاجتماعي ، يشمل كل حالات الانحراف والانفلات والتضاد السلوكي مع قيم المجتمع. لذا فهذا العلم يلزم أن يضم ثلاث فروع متنوعة مترابطة وهي علم الاجتماع القانوني Sociology of Law وعلم العقاب Penology وعلم أسباب الجريمة Etiology of Crime. ويعنى الفرع الأول بدراسة وبحث كافة الظواهر الاجتماعية التي يقوم عليها التشريع الجنائي ولا سيما في مرحلة وضع أو سن القوانين. أما الفرع الثاني "علم العقاب" فيتصل ببيان رد الفعل الاجتماعي تجاه صور الانحراف المختلفة وفي أعقاب الكشف عن حالة من حالات الانتهاك القانوني لأمر أو نهي تشريعي. أما الفرع الأخير ، فيعنى بالشق الخاص بالكشف عن أسباب الجنوح والانحراف وكذا عوامل السلوك الإجرامي باعتبار أن هذا الأخير أوضح صور الانحراف السلوكي داخل المجتمع .

وفى رأينا أن هذا التوسع في تعريف علم الإجرام أمر لا مبرر له حيث أن ذلك يؤدي إلى إدخال علوم أخرى تحت طيات هذا النوع من العلوم مما يجعل من الظاهرة الإجرامية فكرة متشعبة لا تمكن باحثيها من التوصل إلى نتائج محددة. بل إن هذا التوسع الذي يربط علم الإجرام بالانحراف والسلوك اللاإجتماعي يجعل منه علم سلوك فحسب مما يدخله تحت طيات علم الاجتماع العام ، مما يفقد هذا العلم ذاتيته تجاه الأفرع العلمية الأخرى .

والواقع أننا نميل في تعريف علم الإجرام بالأخذ بمفهوم أكثر ضيقا ، يربط هذا العلم فقط بالسلوك الإجرامي دون الانحراف بالمعنى الشامل أو السلوك الاجتماعي المناهض لقيم وعادات المجتمع. كما أننا نميل إلى جعل الصلة بين هذا العلم والسلوك الإجرامي يستهدف غاية محددة هي التعرف على أسباب وعوامل السلوك الإجرامي وما يتصل بذلك من دراسة لخصائص المجرمين ومقارنتها بغير المجرمين من حيث الجنس والسن والنشأة والمهنة والخصائص التكوينية الجسمانية والنفسية...الخ ، وما يتصل بذلك من دراسة لبعض المظاهر الإجرامية الخاصة كالإجرام المحترف La Criminalité professionelle والإجرام المنظم La Criminalité orgainséeوجرائم الخاصة أو ما يسمى بجرائم ذوي الياقات البيضاء La Criminalité de colls blanches (White collar criminality) على أمل أن يصل كل هذا إلى تحديد أنسب سبل الوقاية والمكافحة لأنماط الإجرام المختلفة. الأمر الذى يدخل فى إطار دراسات علم العقاب والسياسة الجنائية .

ونؤكد القول أنه إذا كانت الظاهرة الإجرامية هى محل وموضوع دراسات علم الإجرام فما ذلك إلا من أجل تحديد الأسباب والعوامل التى تدفع إلى ارتكابها ، أى أنه علم من العلوم السببية التفسيرية. ومن ثم لا يدخل فى موضوع هذا العلم اقتراح وسائل مقاومة الجريمة وسبل تقويم المذنبين.

وقد حاول البعض من الفقه أن يدخل إلى اهتمامات هذا العلم شق متعلق بطرق وسبل الوقاية والمكافحة للجريمة بحيث يظهر أن هذا الفرع ينطوي على شقين كبيرين يوصل أحدهما إلى الآخر . الأول شق سببي ، بمعنى أن علم الإجرام هو علم من العلوم السببية الذي ينصرف إلى تحديد أسباب وعوامل الجريمة والظاهرة الإجرامية بحسبانها ظاهرة اجتماعية حتمية في حياة المجتمع وظاهرة احتمالية في حياة الفرد. أما الشق الثاني فهو الشق الوقائي والعلاجي ، فلا تقف أهداف هذا العلم على حد الكشف عن روابط السببية التي تربط عامل أو مجموعة عوامل معينة وبين السلوك الإجرامي ، بل يتعدى الأمر إلى حد محاولة الوقوف على دراسة الوسائل العملية التي إذا ما اتخذت أمكن الحد من الظاهرة الإجرامية ، وهو الأمر الذي قد يمد يد هذا العلم نحو ضرورة الإلمام ببعض المشكلات الاجتماعية المتصلة بالجريمة كإدمان العقاقير وأثر وسائل التكنولوجيا الحديثة على المجتمع والبطالة وعيوب النظام التعليمي…الخ (والتي قد تدخل في نطاق دراسات أخرى) من أجل طرح السبل الكفيلة للحد من تلك المشكلات ومن ثم الحد من الظاهرة الإجرامية .

وإلى هذه الوجه مال بعض الفقه المصرى بأن أولى إلى جانب شق تفسير الظاهرة الإجرامية عناية خاصة إلى شق الرقابة والعلاج والمكافحة. وعلى هذا يعرف أستاذنا المرحوم الدكتور رمسيس بهنام علم الإجرام بأنه العلم الذي يدرس الجريمة كحقيقة واقعة توصلا إلى أسبابها وبواعثها عضوية كانت أو بيئية بغية الوقوف على أنجع أسلوب في التوقى منها وفي علاج فاعلها كي لا يعود إليها من جديد .
بيد أن أغلب علماء الجريمة – خاصة ممن يتبنون المفهوم القانونى فى تعريف الجريمة ، يقف بهذا العلم عند الشق الأول المتصل بتفسير الظاهرة الإجرامية ، بحيث يصبح هذا العلم هو علم دراسة أسباب الجريمة مع التأكيد على تنوع تلك الأسباب وتعددها. وعلى هذا يعرفه البعض بأنه العلم الذي يبحث في الجريمة وعواملها التي تؤدي بإنسان معين إلى ارتكابها . أو هذا العلم الذي يدرس الجريمة باعتبارها ظاهرة في حياة الفرد وحياة المجتمع دراسة علمية تستهدف توصيفها وتحليلها وتقصي أسبابها . أو هو العلم الذي يتناول بالدراسة العلمية عوامل السلوك الإجرامي من أجل التوصل إلى صياغة القوانين التي تحكم نشأة هذا السلوك وتطوره .

والواقع أننا نميل في تعريف هذا العلم إلى القول بقصر نطاق هذا العلم وهدفه على تحديد أسباب وعوامل الظاهرة الإجرامية ودراسة بعض أنماطها دون أن يمتد الأمر إلى دراسة سبل مواجهتها . بحسبان أن هذه رسالة يضطلع بالقيام بها أفرع قانونية واجتماعية أخرى ، كعلم السياسة الجنائية وعلم العقاب وعلم الوقاية العامة من الجريمة. وهكذا يمكننا أن نستخلص تعريفاً مختصراً لهذا العلم بحسبانه "الفرع من العلوم الذى يبحث فى الجريمة باعتبارها ظاهرة فى حياة المجتمع وفى حياة الفرد من أجل الكشف عن أسبابها وتحديد العوامل المهيأة والدافعة لها" .
ولاشك أن الخلاف بين الفريقين ليس بالخلاف العميق. فكلا الطرفين يعترف بأن محور اهتمام علم الإجرام هو الظاهرة الإجرامية ، وأن الشق الأعظم من دراسة علم الإجرام ينصب على تفسير هذه الظاهرة وبيان الدوافع والعوامل المؤدية إليها بحسبانها حقيقة حتمية اجتماعية وكذا فردية ، ودون أن يحفل هذا العلم بأي شكل آخر من أشكال الانحراف الاجتماعي خلاف الجريمة. أما الخلاف حول شق الوقاية والمكافحة فليس إنكاراً لأهمية هذا الشق ، ولكن خلاف حول منهجية دراسته ، فالبعض مال إلى إدماجه في علم الإجرام ، توسعةً لنطاق هذا العلم ، والبعض الآخر مال إلى إخراجه من عباءة علم الإجرام بحسبان أن هذا موكول إلى فروع علمية أخرى. ونحن نميل إلى الرأي الأول إذ سوف يسهل هذا من دراسة هذه الظاهرة المعقدة - ألا وهي الظاهرة الإجرامية - ويمكن من إبراز ذاتية علم الإجرام تجاه العلوم الأخرى كما سنرى بعد قليل.

وإذا كان علم الإجرام يظهر بالتالي كعلم أسباب الظاهرة الإجرامية ، فإن هذا يقسم هذا العلم إلى شقين : أحدهما علم الإجرام التطبيقي أو الكلينيكى Criminologie appliquée ou Clinique والآخر علم الإجرام العام Criminologie Générale. أما الأول فينظر إلى الجريمة بحسبانها ظاهرة فردية تتنوع أسبابها وعواملها حسب كل حالة تحت الملاحظة. فعلى أثر التشخيص الخاص للحالة الإجرامية لفرد معين من قبل الأطباء وعلماء النفس والاجتماع يمكن تحديد الأسباب التي دفعت حالة بعينها إلى سلوك سبيل الجريمة ويمكنه أيضا تحديد مقدار الخطورة الإجرامية الكامنة التي قد تدفع الشخص إلى العودة إلى سلوك سبيل الجريمة من جديد .
أما علم الإجرام العام فيختص بدراسة علاقات السببية العامة التي تربط بين وقائع وظروف معينة وحجم وشكل الظاهرة الإجرامية. كدراسة الرابط بين عامل الفقر أو المرض أو البطالة أو الجنس أو المهنة وبين السلوك الإجرامي لدى من توافر لديهم هذا العامل ، ومن ثم تحديد نسبة الاحتمال الذي يتوافر لعامل معين في الدفع إلى سلوك سبيل الجريمة أو الميل إلى نمط إجرامي معين .

الفصل الثاني
علم الإجرام : إشكالية الطبيعة والموضوع

3- تمهيد وتقسيم :
إذا كنا أوضحنا فيما سلف أن علم الإجرام ينصرف إلى دراسة أسباب الظاهرة الإجرامية وبيان أنماطها المختلفة ، فإن البعض من الفقه يحاول أن ينكر على دراسات علم الإجرام وصف العلم قائلين بأنه مجموعة من الأفكار المشتتة التي لا يتوافر لها مقومات العلم الحقيقي. وقد تخفف البعض قائلين بأنه جزء من علوم وأفرع أخرى ينصب محور اهتمامها على الجريمة والسلوك اللاجتماعي.

والحقيقة أن ظهور إشكالية وجدل حول الطبيعة العلمية للدراسات المتصلة بالظاهرة الإجرامية هو أمر يعود مرجعه إلى الغموض الذي يكتنف تحديد نطاق هذه الدراسات. فإذا كان نطاق هذه الدراسات يتصل بالجريمة والمجرم فإن الجدل سوف يزداد إذا ما حاولنا أن نتصدى بالتفسير لتحديد مدلول هاتين الفكرتين فى إطار الدراسات المتصلة بالظاهرة الإجرامية. لأجل هذا كان لزاما أن نتصدى بالتحليل لتبيان طبيعة علم الإجرام ، ثم بيان موضوع هذا العلم. بحسبان أن الإجابة على هاتين النقطتين تمثلان مقدمة طبيعية قبل الحديث عن صلة هذا العلم بالعلوم الجنائية الأخرى وكذا طرق البحث فيه. فإثبات انتماء أي دراسة إلى مراتب العلم الحقيقي وكذلك الكشف عن موضوع هذا العلم تسبق بيان ذاتيته بين العلوم الأخرى وكذا منهج وأسلوب البحث داخل هذا العلم.

المبحث الأول
طبيعة علم الإجرام

4- تمهيد وتقسيم :
رغم ما قد مر من سنوات على ظهور الدراسات المتصلة بعلم الإجرام إلا أن البعض مازال يتشكك حول إصباغ الصفة العلمية على الدراسات المنبثقة عن هذا العلم. والحق أن هذا التشكك يعزى وبالدرجة الأولى إلى أن التطور الذي أصاب محاولات فهم وتفسير الظاهرة الإجرامية كان بفضل علوم أخرى متخصصة ، منها علم البيولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس وكذلك علم الأنثروبولوجيا الجنائية. وهكذا فإن دراساته تفتقد الصفة العلمية لأنها لا تتمتع بكيان ذاتي مستقل. ذلك أن تلك الدراسات تظهر وكأنها تجميع لأجزاء تنتمى إلى علوم إنسانية أخرى.

ويذهب البعض إلى التشدد قائلين أنه حتى لو اعترفنا بأن لهذه الدراسات ذاتية واستقلالية معينة فإنها تظل بمنأى عن معنى الدراسة المعملية إذ لا يتوافر لتلك الدراسات مقومات العلم الحقيقي.

وهكذا يتقلب علم الإجرام بين اتجاهين : أحدهما منكر لوجوده أصلا لفقدانه الذاتية والاستقلال عن الدراسات والعلوم الأخرى المتصلة بالجريمة ، والآخر يعترف بوجوده ولكن ينكر عليه الانتماء إلى معنى العلم.

المطلب الأول
ذاتية علم الإجرام

يتجه البعض من الفقه – وعلى رأسهم الفقيه الإيطالي جرسيبنيGrispigni - إلى القول بأن علم الإجرام يفتقد الاستقلالية أو الذاتية التي ينبغي أن تتوافر لكل علم من العلوم. فدراسات هذا الفرع بحسبان أنها تتجه إلى تقصي أسباب وعوامل الجريمة تصبح بالتالي مجرد تكرار لما يهدف إليه علم الأنثروبولوجيا الجنائية ، والذي يشمل علم النفس الجنائي وعلم الأمراض النفسية والعقلية الجنائي وعلم الاجتماع الجنائي . ويذهب جرسيني كذلك إلى القول بأن دراسات هذا الفرع تمثل جزءً من علم السياسة الجنائية ، هذا الأخير الذي يجعل من القاعدة القانونية الجنائية محلا لدراساته بغية الوقوف على مدى كفاءتها للعمل على الوقاية ومكافحة الظاهرة الإجرامية .

والواقع أن هذا الرأي منتقد من عدة أوجه. فمن ناحية فإنه من الخطأ إنكار استقلالية علم والاعتراف له بالذاتية لكون أن هذا العلم يشترك مع علوم أخرى في زاوية من زوايا الدراسة. فمثلا إذا كان علما الإجرام والسياسة الجنائية – بل وكل فروع العلوم الجنائية - يستهدفان غاية كبرى هي الوقاية من الجريمة ، فإنه يظل لكل علم من العلمين موضوعه المستقل. فعلم الإجرام ينصب على دراسة الجريمة والمجرم بهدف تحديد أسباب الظاهرة الإجرامية ، فى حين أن علم السياسة الجنائية ينصب على دراسة القاعدة الجنائية بهدف قياس كفاءتها في مكافحة الجريمة. أي أن علم الإجرام علم من العلوم السببية التفسيرية ، بينما علم السياسة الجنائية يظل علماً قاعدياً. وهذا يمنع القول بامتزاج أحدهما في الآخر حتى يفقد أحدهما ذاتية الآخر.

ومن ناحية أخرى فإنه ومع تسليمنا بأن دراسات هذا الفرع ترتكن إلى النتائج التي يقول بها علم الأنثروبولوجيا الجنائية حول المجرم من الناحيتين العضوية والتكوينية ، وعلم الاجتماع الجنائي حول تأثير الظروف البيئية على المجرم والتي تدفعه إلى سلوك سبيل الجريمة ، إلا أنه مما يثبت ذاتية علم الإجرام في مواجهة هذه الفروع أنها لا تأخذ بنتائج هذه العلوم على علاتها. بل إنها تقوم بتهذيبها والتنسيق فيما بينها من أجل الوصول إلى القول بتفسير عام وموحد للظاهرة الإجرامية .

يضاف إلى ذلك أن علوماً مثل الأنثروبولوجيا الجنائية وعلم النفس الجنائي وعلم الاجتماع الجنائي تعتبر علوما ذات فائدة محدودة فيما لو استقلت بعضها عن بعض. ذلك أن لكل منها منهجاً مستقلاً لدراسة الظاهرة الإجرامية ، وليس بإمكان أحد من هذه الفروع أن يقدم تفسيرا منتجاً للجريمة وعوامل السلوك الإجرامي. ومن هنا يأتي دور علم الإجرام الذي يربط بين مشتقات هذه العلوم محاولاً إعطاء تفسير متكامل لأسباب الجريمة وعواملها ، ويجعل من النتائج المستخلصة في هذا الصدد أقرب إلى الحقيقة وأبعد ما تكون عن التحكم .

جملة القول أنه مما لا يؤثر على استقلال وذاتية علم الإجرام كونه يستعين بجوانب المعرفة الإنسانية المستنبطة من علوم أخرى كعلم الاجتماع الجنائي أو الطب الشرعي أو علم الأمراض النفسية والعقلية. ذلك أن المعرفة بالمعنى المطلق توجب ترابط العلوم بعضها ببعض وارتكان نتائج أحد العلوم على نتائج علم آخر ، دون أن يتسبب هذا الاتكال في نزع الصفة العلمية عن أي دراسة من الدراسات المعرفية . فالدراسات البيولوجية مثلا تعتمد على النتائج المقدمة من قبل علم الكيمياء بأقسامه المختلفة ولم يقل أحد بامتزاج الفرعين أحدهما بالآخر. فالعلوم لا تعيش بمعزل أحدها عن الآخر.

وحسبنا في النهاية القول أن تشعب مشكلات الظاهرة الإجرامية يوجب تنوع الدراسات المتصلة بها واعتماد نتائج أحد الدراسات المتصلة بها على النتائج المستخلصة من دراسات أخرى تشاركها موضوع الدراسة ، دون أن يعنى ذلك انضمام هذه الدراسات وذوبان بعضها ببعض.

المطلب الثاني
الطابع العلمي للدراسات الإجرامية

اتجه البعض من الفقه إلى القول بوجود الدراسات المتصلة بالظاهرة الإجرامية تفسيراً وتحديداً لعواملها وبكونها دراسات مستقلة عن أفرع علمية أخرى متصلة بذات الظاهرة ولكنها ذات نظرة أعم تشمل السلوك الإنساني عامة والسلوك الإنساني المنحرف بصفة خاصة ، سواء شكل هذا السلوك جريمة من زاوية قانون العقوبات أم لا. بيد أن هذا الفقه يذهب إلى إنكار الصبغة العلمية عن الدراسات المتصلة بتفسير السلوك الإجرامي وتحديد عوامله مع الإقرار بأهمية هذا النوع من الدراسات ومع الإقرار بذاتيتها واستقلاليتها عن دراسات أخرى مقاربة.

ويعلل هذا الرأي ما ذهب إليه بالقول أن الصبغة العلمية لأي دراسة لا تلحق بها إلا إذا كان الهدف منها هو الوصول إلى التأكيدات العامة Propositions générales أو إلى القانون العام الذي يحكم الظاهرة من خلال إتباع المنهج التجريبي ، مع ضرورة أن يكون هذا القانون المتمثل في نتائج حدوث الظاهرة ثابتاً Universel ويقينياً Certain، بفرض ثبات العوامل المحيطة بموضوع الدراسة. أي أن العلم يهدف إلى إيجاد الروابط والصلات بين عوامل معينة وحدوث ظواهر معينة ، بهدف الوصول إلى قانون ثابت والحصول على نتائج تتميز بالاستقرار فيما يتعلق بالظاهرة محل هذا العلم.

والحق أن تطبيق هذا الوجه في تعريف العلم يصل بنا إلى إنكار الصبغة العلمية عن دراسات علم الإجرام ، ذلك أن الظاهرة الإجرامية - موضوع دراسات علم الإجرام - لا تمثل وحدة واحدة متجانسة وثابتة ، بل هي متغيرة قدر تغير المكان والزمان. الأمر الذي لا يمكن الباحث في ميدان هذه الدراسات من الوصول إلى قانون عام وثابت وإلى نتائج مستقرة تحكم السلوك الإجرامي. فالحقائق المتصلة بهذا السلوك ، ورغم التقدم الذي لحق الدراسات المتصلة به ، ما تزال يغلفها الشك والغموض بحيث تتعدد وتتنوع القواعد والتفسيرات التي تحكم هذا السلوك ، مما ينفي عن تلك الدراسات وصف العلم .

والواقع أن هذا الرأي يجانبه الكثير من الصواب ، وذلك لعدة أسباب. فمن جانب فإن القول بإنكار الصبغة العلمية على الدراسات المفسرة للسلوك الإجرامي والمحددة لعوامله بحجة القول أن موضوع هذه الدراسات هو الجريمة ، وهي أمر يتنوع من بلد إلى آخر ، وفي البلد الواحد من زمن إلى آخر ، مما لا يمكن من استخلاص قانون موحد يحكم هذا السلوك ، رأى يكاد لا ينظر فقط إلا إلى الاختلافات السطحية في التجريم والعقاب بين بلد وآخر. والواقع أنه مع إسقاط هذه الحدود الضيقة الفاصلة بين الدول لأمكن القول بأن جميع الدول تكاد تشترك في إطار عام للتجريم لا يختلف من بلد إلى آخر أياً ما كان النظام القانوني الذى تتبعه الدولة. الأمر الذي يؤكد وحدة الجريمة وتجانسها ، ويمكن بالتالى من الوصول إلى نتائج عامة وثابتة .

يضاف إلى ذلك أن موضوع دراسات علم الإجرام ليست الجريمة كمفردات ونماذج بل كوحدة مضمونها السلوك الإنساني الإجرامي أياً ما كان شكل هذا السلوك. أي أن موضوع الدراسة ينصب على الظاهرة الإجرامية بهدف الإجابة عن "لماذا يسلك الإنسان مسلكاً إجرامياً" ، رغم وجود النواهي من قواعد قانونية تقرر التجريم والعقاب ، وفوق ذلك أخلاق وقيم مجتمعية. كل ذلك بغض النظر عن النمط الإجرامي الذي ارتداه السلوك الإجرامي كالقتل أو السرقة أو الحريق أو الاغتصاب...الخ. فكل هذه أنماط سلوك قد تتنوع من بلد إلى آخر أو من زمن إلى آخر ، ولكن الذي يظل دون تبدل أو تنوع هو كون هذه الأنماط تمثل سلوكا إجرامياً ثابتاً مع تغير الأزمان والمجتمعات . الأمر الذي يمكن من جعله موضوعاً للدراسات العلمية واستخلاص نتائج ثابتة ومستقرة بشأنه ، مثله في ذلك مثل بقية الدراسات العملية المتصلة بأي ظاهرة كانت.

وهكذا يمكننا التأكيد على أن صفة العمومية التي تلحق بالظاهرة الإجرامية تضمن للدراسات المتصلة بهذه الأخيرة الصبغة العلمية. بمعنى آخر فإن الجريمة بحسبان أن مضمونها المطلق هو العدوان الموجه ضد مصالح المجتمع ، أو هي بالأحرى صراع بين سلوك المجرم ومصالح الجماعة التي ينتمي إليها ، يجعلها موضوعا ثابتاً صالحاً للدراسة العلمية ، إذ لا يختلف هذا المضمون باختلاف المكان والزمان .

لا يغير من تلك الحقائق كون أن الدراسات المتصلة بعلم الإجرام لم تتوصل إلى نتائج قاطعة في مجال تفسير بعض أنماط السلوك الإجرامي. مثال ذلك إجرام الشواذ ، إذ لا يزال يثور بشأنهم تساؤلات حول نمط المسئولية الواجب وشكل رد الفعل الاجتماعي حيالهم وما إذا كان يتضمن طابعاً عقابياً أم طابعاً علاجياً. من هنا يمكن وصف الدراسات بكونها ما تزال في شق منها مجرد فروض أو تساؤلات لم تجد تفسيراً حاسماً ، أو هي على حد قول البعض محاولات منهجية ليس لها مفهوم العلم إلا في حدود كونها محاولات تستخدم المنهج العلمي .

ولدينا أن هذا النقد يعيبه أنه ينظر إلى شق من الدراسات الإجرامية مازالت أبحاثها في مرحلة المهد والتكوين ، مما يجعل نتائجها مدعاة للشك والجدل ، وهي مرحلة مرت بها كافة الدراسات في فروع المعرفة المختلفة دون أن ينفي ذلك عن تلك الدراسات صبغة العلم ، وهي تلك المرحلة الموصوفة بالشك.

والحق - كما يقول أستاذنا الدكتور رؤوف عبيد - "أنه لابد أن يتعثر تقدم العلوم بالشكوك الضخمة النامية ، إذ أن الشك المطلق حق أولي لكل عقل ، لكن لابد للعقل من أن يبلغ غايته من اليقين نهاية المطاف" . وبلوغ نهاية المطاف بصدد الدراسات الإجرامية يعوزه وقت طويل من الزمن حتى تبلغ دراسات هذا العلم أشدها وتستقيم على عودها ، وحتى يزول حول نتائجها الغبار الكثيف من الشكوك والمخاوف. وتتماثل حقائق هذه الدراسات مع بقية العلوم ، فلما ننكر عليها وصف العلم ؟

وعلاوة على ذلك فإن نزع الصبغة العلمية عن الدراسات الإجرامية بحجة أنها لم تصل إلى نتائج قاطعة أمر يصيبه العوار ، إذ الاسترسال في هذا الاستخلاص ينكر صبغة العلم على كثير من الدراسات المعملية المتعارف على إدخالها في زمرة العلوم. فعلمية الدراسة لا ترتبط بقطعية نتائجها فضلا عن كفايتها وشمولها ، بل كل ما يتطلب في هذا الصدد هو كون دراسات هذا العلم تتضمن عدداً من المشاكل يمكن دراستها دراسة منهجية بغية الوصول إلى نتائج ، قد تمثل الحل المباشر للمشكلة أو قد توجب مزيد من الدراسة لعدم دقة ما تم الوصول إليه من نتائج ، أي بغض النظر عن قطعية أو عدم قطعية نتائج الدراسة .

فضلاً عن أن فكرة النتائج القطعية أمر يتنافى مع طبيعة الدراسات والعلوم الاجتماعية. فنتائج هذه الأخيرة هي دائماً نتائج تقريبية ، ولعل من التجني عندئذ نفي الصبغة العلمية عن الدراسات الإجرامية رغم أنها تتماثل مع بقية العلوم الاجتماعية ، التي لم يجادل أحد في انتمائها لطائفة العلوم ، سواءً في منهج البحث أو طبيعة الحقائق المستخلصة.

فالدراسات الإجرامية محكومة بقانون السببية السائد في مجال الدراسات الاجتماعية ، وهو السببية الديناميكية الاحتمالية غير الثابتة ، بعكس ما يسود العلوم الطبيعية من سببية حتمية ثابتة الأمر الذي يوصلها إلى نتائج دقيقة على سبيل الجزم واليقين. وعلى هذا فإنه يسود الدراسات الإجرامية ما يسود الدراسات الاجتماعية جميعها ولم يقل أحد بإنكار وصف العلم عن تلك الأخيرة لمجرد أنها تصل إلى نتائج تقريبية . فاليقين النسبي هو أقصى ما يأمله الباحث في مجال العلوم الإنسانية. إذ أن الموضوع الأكبر لكافة هذه العلوم هو ذلك المجهول المعروف باسم "الإنسان". لذا فمن العبث أن نحمل الدراسات الإجرامية قصوراً - إن أمكن أن نسميه قصوراً - تشاركه فيها بقية العلوم الإنسانية.

ولنعلم في النهاية أن إشكالية وصف الدراسة الإجرامية بالعلمية من عدمه إنما مرده الربط بين معيار ومقياس العلمية المعروف في العلوم الطبيعية كالفلك والكيمياء والجيولوجيا والرياضيات وبين مثيله في مجال العلوم الإنسانية. متناسين أن موضوع الدراسات الطبيعية دائما هو المادة الجامدة وما يتصل بوجودها وتطورها من ظواهر ، أما الدراسات الإنسانية فمحورها الإنسان بما يعتمل داخله من مخزون نفسي متراكم على مدار السنوات يصعب الكشف عن أغواره. لذا فلا عجب على حد قول البعض أن إنسان القرن العشرين يعرف أو يستطيع أن يعرف ما يوجد في جوف الأرض وقاع البحر وأعماق المحيط ولكنه لا يعرف إلا القليل والقليل جداً عن ذلك الذي يستتر في ضمير جاره .
ولدينا أن وصف الدراسات الإجرامية بالصبغة العلمية حق يؤيده كون هذه الدراسات تسعى إلى الوصول لحقائق الظاهرة الإجرامية عن طريق إتباع المنهج العلمي ، من خلال تسجيل الوقائع وإخضاعها للملاحظة والمقارنة والتحليل مع استخلاص واستنتاج قواعد لها صفة العمومية تصلح للتطبيق فيما بعد على وقائع مماثلة بفرض ثبات بقية الحقائق وانتظامها. مع إمكانية إخضاع تلك القواعد للاختبار المستمر المتجدد في ضوء ما يظهر من دراسات لاحقة أوجدتها دراسات إجرامية أو علوم معرفية أخرى ، في إطار من تكامل العلوم وتجانسها .

وإذا كانت يقينية النتائج المستخلصة من أي دراسة تساعد على تثبيت الصبغة العلمية لهذه الدراسة ، فإن هذا اليقين يمكن الوصول إليه في مجال الدراسات الإجرامية كلما أمكن الاهتمام والتعمق في دراسات علم الإجرام الخاص أو التطبيقي ، متمثلا في التركيز على الأنماط الإجرامية السائدة في المجتمع للكشف عن القوانين التي تحكم كل نمط على حدة . ذلك أن ما يصلح لتفسير نمط إجرامي معين قد لا يصلح لتفسير نمط آخر، الأمر الذي قد يغلف نتائج الدراسات الإجرامية – إذا ما استمر الاهتمام مركزاً على علم الإجرام العام (تفسير الظاهرة الإجرامية ككل) – بالكثير من الشك ، ويدعو دائماً إلى الجدل حول ثبوت الصفة العلمية لها.

المبحث الثاني
موضوع علم الإجرام

5- تقسيم :
أبانت لنا الصفحات السابقة عن أن علم الإجرام يمثل الفرع من العلوم الذى ينصرف إلى البحث عن أسباب وعوامل الجريمة بحسبانها ظاهرة فى حياة المجتمع وحياة الفرد. ولما كانت الظاهرة الإجرامية ليست سوى جريمة ومجرم فإن موضوع هذا العلم يتحدد بتلك الفكرتين التى نوليهما مزيد من التفصيل بهدف الوصول إلى المضمون الذى يحملانه فى إطار علم الإجرام.
المطلب الأول
مضمون الجريمة فى إطار علم الإجرام

6- تقسيم :
للجريمة فى محيط القانون الجنائى تعريفات متعددة ، قد تتعدد بقدر تعدد الفقهاء فى هذا الصدد ، على أنه يبقى للجريمة مفهومان أولهما المفهوم القانوني الذى يعول على النص القانونى فى خلق الجريمة ، وثانيهما المفهوم الأخلاقي والاجتماعي والذى يعول فى تحليل مضمون الجريمة على كونها مسلك واقعى له دلالاته ودوافعه قبل أن تصبح مخلوقاً قانونياً. وإلى الأول يميل بالطبع فقهاء القانون Les juristes ، أما الأخر فإليه يميل علماء الإجرام Les criminologistes من خارج الحقل القانوني. وبين هذا المفهوم أو ذاك يوجد البعض الذي يحاول أن يجمع بين المفهومين في إطار ما يسمى بالمضمون القانوني والاجتماعي للجريمة.

7- أولاً : المفهوم القانوني للجريمة :
لاشك أن تحديد مضمون الجريمة من الناحية القانونية أمر مازال يكتنفه العديد من الصعوبات. ويرجع ذلك إلى نسبية هذه الفكرة وعدم ثبات المعايير التشريعية والقضائية والعرفية المحيطة بها . فرغم أن هناك اتفاق على أن الجريمة تشكل نمطاً من العداء الاجتماعى والعدوان على القيم والمصالح محل اهتمام المجتمع إلا أن التساؤل ما يزال قائماً حول ما إذا كان للجريمة وجود موضوعى مجرد ، كما هو الحال بالنسبة لفكرة المرض كما هى معرفة فى علم الطب ، والذى يسبق وجوده القيام بتشخيصه .

ومما أزاد الأمر صعوبة أنه يندر أن يورد المشرع الجنائي تعريفا للجريمة ، ملقياً بتلك المهمة على عاتق الفقه من شراح القانون الجنائي. والسائد بين الفقهاء أن الجريمة وفقاً لمفهومها القانوني ما هى إلا إخلال بقاعدة قانونية ذات طابع جنائي تحظر سلوك معيناً ايجابياً أو سلبياً (عملاً أو امتناع عن عمل) وترتب لمن يقع منه الانتهاك إرادياً ومختاراً جزاءً جنائياً (عقوبة أم تدبيراً احترازياً) . وعلى هذا فإن الجريمة ليس لها تحديد فى ذاتها ، وإنما تستمد وجودها من النص القانونى ومن كون المشرع قد فرض جزاء على الإخلال بالقاعدة القانونية. فالمشرع هو الذى يسبغ على سلوك معين وصف الجريمة عملاً بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات Principe de la légalité des délits et des peines ، الدستور الذى يقوم عليه القانون الجنائي بالكلية . أى أن الجريمة فى المعنى القانوني تعرف بواقعة خارجة عن ماهيتها ألا وهى النص القانوني المنشئ وكذا الجزاء الجنائي المقرر ولا تعتمد على الخصائص الذاتية للفعل .

ويميل مؤيدي المفهوم القانوني إلى القول بأن فكرة الجريمة في علم الإجرام يتطابق مع مفهومها في القانون الجنائي. بمعنى آخر أن علم الإجرام في دراسته للجريمة يجب أن يأخذ في اعتباره فقط الانتهاكات التي أسبغ عليها المشرع وصف الجريمة وأن يصرف النظر عما عداها من سلوكيات مهما كان قدر تعارضها مع القيم الاجتماعية أو الأخلاق.

غير أن البعض قد وجه سهام النقد إلى قصر مفهوم الجريمة فى دائرة علم الإجرام على هذا المفهوم القانونى قائلين أنه مفهوم يقعد الدراسات المتصلة بالظاهرة الإجرامية عن بلوغ هدفها وهو تفسير هذه الأخيرة. ذلك أن الجريمة أشد أنماط السلوك المنحرف والمضاد للمجتمع ، ولا يمكن فهم الجريمة ذاتها إلا إذا عرجنا بالدراسة نحو الأنماط السلوكية المنحرفة ككل ، الأمر الذي يعجز عن توفيره الأخذ بالمفهوم القانوني وحده .

يضاف إلى ذلك أن المفهوم القانوني يتمسك بالشكلية ، ذلك أنه لن يكون الفعل وفقاً لهذا المفهوم جريمة إلا لكون أن المشرع اعتبره كذلك ، في حين أن المشرع لا يتدخل بالعقاب إلا لأن فعلا معيناً يعد في نظره جريمة ، فالوجود المادي للجريمة يسبق وجودها القانوني. وبالتالي فإن قصر المفهوم على الجانب القانوني نوع من الاستبداد ولا يستلهم المضمون الحقيقي للجريمة كواقعة مادية وإنسانية ، كما أننا بذلك لا نكون قد أوضحنا المعرف (الجريمة) ولا نعدو أن نكون قد كررناه .

كما قيل أن الأخذ بالمفهوم القانوني في دراسة الظاهرة الإجرامية يترتب عليه قلق موضوع علم الإجرام وعدم ثباته ويجرد أبحاثة من صفة العمومية والثبات. ويعود ذلك إلى أن الجريمة في ظل هذا المفهوم تتغير في الزمان والمكان وفقاً لإرادة المشرع حسب قيم ومصالح كل دولة ومجتمع ، بل وداخل المجتمع الواحد من زمان إلى آخر. الأمر الذي يتعذر معه على الباحثين في علم الإجرام أن يعكفوا على دراستها وملاحقتها كي يسخلصوا النتائج والقوانين العامة المجردة التى تحكم الظاهرة الإجرامية أياً ما كان زمان أو مكان وقوعها .

8- ثانياً : المفهوم القانوني الاجتماعي للجريمة :
اتجه البعض إلى القول بأن المفهوم القانوني للجريمة وحده لا يعبر عن مضمونها المادي والإنساني وكونها مخلوقاً اجتماعياً قبل أن تصبح خلقاً قانونياً. ومن ثم يتعين بسط مفهوم الجريمة في علم الإجرام إلى مضمون أكثر رحابة يعبر عن الجريمة ككائن وكحقيقة اجتماعية. وعلى ذلك فإنه يجب أن يمتد البحث في إطار علم الإجرام إلى أنماط السلوك المضادة اجتماعياً والمتعارضة مع الشعور العام للجماعة ، فضلاً عما يعتبره المشرع جريمة (وفقاً للمفهوم القانوني) ولو لم يتعارض مع الضمير العام للجماعة. فهذا أجدى في معرفة مكنون السلوك الإجرامي الذي تحركه جملة من العوامل الداخلية والخارجية .

ولقد نما الرأي الذي يوسع من مفهوم الجريمة ليشمل إلى جانب مضمونها القانوني مضموناً اجتماعياً يعلو على الاختلافات التشريعية من مجتمع إلى آخر وفي المجتمع الواحد من زمان إلى زمان آخر لدى فقهاء المدرسة الوضعية ممن يقولون بضرورة توافر ما يسمى بعدم المشروعية المادية أو الموضوعية لقيام الجريمة فوق توافر عدم المشروعية النصية أو الجنائية. أي أن الجريمة لا تتواجد فقط لمجرد وجود تعارض بين السلوك أو العدوان وبين النص أو القاعدة القانونية ، وإنما مبعث تواجد الجريمة هو تعارض الفعل مع مشاعر الرحمة والإيثار والأمانة التي تفرضها الأخلاق الإنسانية لدى كافة الأمم. هذا التعارض يتوحد بين كل المجتمعات أياً كان الاختلاف التشريعي بينها زماناً ومكاناً .

ولقد كان قطب المدرسة الوضعية جاروفالو Garofalo هو صاحب تلك الدعوة للأخذ بهذا المفهوم للجريمة وذلك عندما قام بتقسيم الجرائم إلى جرائم طبيعية Délits naturels وأخرى مصطنعة Délits artificiels أو اتفاقية Délits conventionnels، قاصداً بالأولى تلك الانتهاكات التي تعارفت كافة المجتمعات المتمدينة على تجريمها وتقرير جزاء جنائي لها مهما تبدل الزمان والمكان. أما الأخرى فهى جرائم خلقها المشرع ذاته استجابة لاعتبارات تتعلق بتنظيم المجتمع وتطوره ، الأمر الذي يجعلها متنوعة من بلد إلى آخر وفي البلد الواحد من زمان إلى آخر ، ومنها الكثير من الجرائم الاقتصادية كالجرائم الجمركية والضريبية وجرائم النقد ومنها أيضاً جرائم المرور...الخ .

والجريمة الطبيعية تتميز بالتالي بالثبات لكونها تمثل فعلاً ضاراً في كل زمان ومكان وبين كل المجتمعات. فالإنسانية حينما تجاوزت مرحلة البدائية تواضعت على قدر موحد من المشاعر الإنسانية قوامها "الشعور بالغيرية أو بالتعاطف نحو الآخرين" وذلك كنتيجة طبيعية للقبول بالعيش في مجتمع موحد.

والشعور بالغيرية قد يتمثل في الشعور بالشفقة الذي يفرض على كل شخص الامتناع على عن ارتكاب أي فعل قد يسبب آلاماً بدنية أو نفسية ، كالقتل أو الضرب أو الجرح. وقد تتمثل الغيرية في الشعور بالعدالة أو الأمانة والذي ينهى كل فرد عن الاعتداء على ملكية الآخرين. ومن أبرز الانتهاكات التي تعارفت المجتمعات على تجريمه لكونه يمس بالشعور بالعدالة أفعال السرقة والنصب وخيانة الأمانة .

وداخل التيار القانوني الاجتماعي هناك من رأى الشق الاجتماعي في تحديد الجريمة متمثلاً في كل فعل يتعارض مع القيم والمصالح الجوهرية للمجتمع. وقد مال إلى هذا الاتجاه الفقيه الإيطالي جرسبيني Grispigni الذي قسم الجرائم إلى طبيعية وفيها يخالف السلوك قاعدة جنائية إلى جانب قاعدة أخلاقية ، وإلى جرائم غير طبيعية – أو كما سماها بمجرد الخلق السياسي Mera creazione politica - وفيها تقتصر مخالفة السلوك على القاعدة الجنائية فقط . ولدية أن الجريمة – طبيعية كانت أو غير طبيعية – ما هى إلا فعلاً أو امتناعاً يتعارض مع قواعد العيش المشترك والتعاون بين أفراد المجتمع. ويدفع هذا التعارض الشعور العام للجماعة – ممثلاً في سلطتها التشريعية – لتجريم هذا الفعل أو الامتناع وتقرير الجزاء المناسب له بحسبانه يمس بأحد المصالح الجوهرية للمجتمع وفقاً لما يحددها الضمير الاجتماعي العام في لحظة معينة ولوجود "عدم وفاق" بين هذا أو ذاك وبين قواعد العيش المشترك .

ويجيب جرسبيني على التساؤل الخاص بمعيار التعارض مع قواعد العيش الذي في ضوئه تخلع الجماعة وصف التحريم على فعل ما بقوله أن هذا لا يتقرر إلا بصدد الأفعال التي تتسم بخصيصتين ، الأولى هى الخصيصة السببية للجريمة ومؤداها أن تصبح الجريمة سبباً لوقوع ضرر (كضرر القتل بالنسبة للمجني عليه) أو خطر مباشر (كالشروع في القتل بالنسبة للمجني عليه) وضرر اجتماعي غير مباشر (كالقتل الذي يمس بمصلحة المجتمع في صيانة حياة المواطنين ويمس كذلك بهيبة الدولة) وخطر اجتماعي غير مباشر (كالشروع في القتل الذي يعبر عن احتمالية وقوع جرائم مستقبلية من ذات الجاني تمس بالمجتمع). أما الخصيصة الثانية فهي الخصيصة الكشفية للجريمة ومؤداها أن الجريمة قد كشفت عن وجود نفسية إجرامية أو لديها خلل يحتمل معه وقوع جريمة في المستقبل ، كما أنها قد كشفت عن أن التشريع لم يعد ملائماً ولا يمكن المجتمع من تحقيق غاياته (لعدم كفاية العقوبة مثلاً أو لعدم فاعليتها في تقويم المجرم أو لخطأ في تطبيقها أو تنفيذها) .

ويبين لنا وفق هذا التحليل أن جرسبيني قد أعطى للجريمة مضموناً اجتماعياً مع وضعه في قالب قانوني يتمثل في التقيد بالتشريع القائم لتحديد أي الأفعال والأمتناعات قد أسبغ عليها المشرع وصف الجريمة مقرراً لها جزاءً ، وهذا ما يسمى بالمفهوم القانوني الاجتماعي للجريمة. وعلى ذلك فإنه إذا كان هناك فعل يتعارض مع مصالح الجماعة الجوهرية دون أن يكون محلاً لحظر قانوني فإنه يظل مباحاً ، وبالمثل فإن الفعل يصبح جريمة إذا خضع لحظر تشريعي ولو لم يكن متعارضاً مع الضمير العام للمجتمع أو مصالحه وقيمه الجوهرية .

والواقع أن الاتجاه القانوني الاجتماعي في تعريف الجريمة بدوره لا يسلم من النقد . فالجريمة الطبيعية وفقاً لما يراه جاروفالو تتناقض مع الواقع الاجتماعي ذاته ذلك أن هناك من الأفعال ما يعد جريمة في ظروف معينة ولا تعد كذلك في ظروف أخرى دون أن يصاحب ذلك تغييراً في أخلاقيات وضمير المجتمع العام. فضلاً عن أنه لم يثبت تاريخياً أن هناك أفعالاً قد ثبت واستقر تجريمها على مر العصور ولدى كافة الشرائع ، ومن ذلك الثأر مثلاً الذي اعتبر من الأفعال المباحة في فترة القرون الوسطى إذا تم من خلال المبارزة بل وكانت الجماعة تحث عليه ، وهو ما لا يقره القانون حالياً إذ القتل يظل قتل سواء تم مبارزةً أو غيلة ، من أجل الثأر أو لأي باعث آخر. كما أن بعض قبائل الزنوج في استراليا قد أباحت قتل الوليد من قبل رب الأسرة. وثبت أن السرقة قد أبيحت في بعض فترات التاريخ الفرعوني .

يضاف إلى ذلك إلى أن فكرة الجريمة الطبيعية كما قال بها جاروفالو تتسم بالقصور حيث قصرها هذا الفقيه على ما يمس مشاعر الشفقة والأمانة ، في حين أن هناك من الجرائم الموجودة بين دفتي قانون العقوبات ما يخرج عن هذا الإطار ، ومن ذلك الجرائم الماسة بأمن الدولة أو الجرائم السياسية وجرائم الرأي والجرائم الماسة بالشرف والاعتبار.

وأخيراً لو صدق تحليل جاروفالو في القول بأن التجريم يقوم على أساس العدوان الواقع على مشاعر الشفقة والأمانة لوجبت إدانة المتهم في الأنظمة التي تأخذ بنظام المحلفين حال ثبوت ارتكابه فعلاً لجريمة تمس بتلك المشاعر وهو ما لا يحدث لبعض الجناة نظراً لاختلاف المحلفين حول الظروف الخاصة بالجريمة والمجرم. وهو ما يحدث بصدد الجرائم الماسة بالحياء والتي يختلف بشأنها الشعور من الحضر إلى الريف .
وبالمثل فإن تحليل الفقيه جرسبيني يعيبه أنه لا يضع تعريفاً للجريمة بقدر ما أنه يحدد ما يجب أن تكون عليه. علاوة على أن هناك من الأفعال ما يتوافر فيها الخصائص التي قال بها لتجريم أي فعل وبالرغم ذلك تظل في دائرة الإباحة. ومن ذلك امتناع فرد غير تاجر عن رد قرض اقترضه. ففي هذا الفعل ضرر مباشر للدائن وضرر غير مباشر على المجتمع لمساسه بالثقة في المعاملات وسلامة الائتمان. كما أن الخصيصة الكشفية لجريمة قد لا تتوافر في بعض الأفعال وبالرغم من ذلك يعتبرها المشرع جريمة ومن ذلك الكثير من المخالفات والجنح التافهة أو لمن يتجاوز الدفاع الشرعي بحس نية ، فكل هذا لا يعبر بحال عن نفسية إجرامية كما أنها لا تعبر عن عدم كفاءة تشريعية .

9- ثالثاً : المفهوم الاجتماعي للجريمة :
مال البعض من علماء الإجرام إلى ضرورة التنازل عن أي مضمون قانوني في تعريف الجريمة آخذين فحسب بمفهوم اجتماعي لها بحسبان أن المجتمع هو وحده الذي يحدد أنماط السلوك التي تتعارض مع قيمه ومصالحه ومن ثم يسبغ عليها وصف الجريمة ، وما تدخل المشرع من بعد ذلك إلا أمر كاشف عن هذا المخلوق.

على أن أنصار هذا الاتجاه قد تباينوا في التعبير عن المضمون الاجتماعي للجريمة ، فمنهم من رأى الجريمة تشمل كل سلوك يعبر عن نقص شعور التضامن الاجتماعي لدى الجاني ويكشف عن التعارض مع القدر المشترك من المشاعر الإنسانية المتعارف عليه في المجتمع ، ومنهم من جعلها تشمل كل سلوك يضر بالقيم والمصالح الاجتماعية السائدة أو الذي يهدد بقاء المجتمع واستقراره. ومنهم من اعتبرها ذلك السلوك الذي يراه المجتمع ماساً بأحد الشروط الأساسية لكيانه أو ظرف مكمل لهذا الشرط ، أو هو ذلك السلوك الذي يمثل عدواناً على مصلحة يؤسس المجتمع في زمن معين بقاءه واستقراره وبها يسير نحو رقيه وكماله ، كل هذا ولو لم يتطابق ذلك مع نظرة المشرع ، أي ولو لم يمثل هذا السلوك جريمة في نظر المشرع الجنائي.

ويتجه البعض – ومنهم الفقيه الإيطالي فلوريان Florian - إلى القول بأن الجريمة فعل تحركه البواعث الشخصية الأنانية وتدفعه البواعث غير الاجتماعية من شأنه أن يسبب اضطراباً لشروط الحياة ومقتضيات الجماعة . بل أن البعض قد حاول الربط بين الجريمة والأخلاق معتبراً كذلك كل فعل يمثل مساساً بالناموس الطبيعي للقيم الأخلاقية التي يحرص المجتمع على صيانتها.

والواقع أنه أياً ما كان التعريف الذي تناقلته أقلام القائلين بالمفهوم الاجتماعي للجريمة فإنه من السهل أن نتبين قصور هذا الاتجاه وحجتنا في ذلك أن هذا الاتجاه يتسم بالغموض. فما قيل من معايير لتحديد المفهوم الاجتماعي – التعارض مع شعور التضامن الاجتماعي ، المساس بالقدر المشترك من المشاعر الإنسانية ، الإضرار بالقيم والمصالح الاجتماعية ، المساس بأحد الشروط الأساسية لكيان أو بقاء المجتمع واستقراره ، المساس بشروط الحياة ومقتضيات الجماعة ، التعارض مع الناموس الطبيعي للقيم الأخلاقية – تتسم بعدم الثبات وتجعل من الجريمة فكرة قلقة. فالمصالح والقيم الاجتماعية وما يعد شرطاً لبقاء المجتمع واستقراره وكذا آداب المجتمع وثقافته وقيمه العامة ، أفكار في تطور وتغيير مستمر ، الأمر الذي لو ترك معياراً لتحديد أي الأفعال يصبح جريمة فإنه سيؤدي إلى تصعيب وعرقلة مهمة الباحث في مجال علم الإجرام الذي سوف يتعذر عليه أن يقرر أياً من المصالح الاجتماعية السائدة الذي لو تعارض الفعل معه لأصبح جريمة يقيم عليها دراساته.

كما أن الارتكان إلى فكرة الناموس الطبيعي للأخلاق – والتي تجسد الفلسفة المثالية في مجال القانون وترتكن إليها مدرسة القانون الطبيعي – تعد أمراً غير كافي. ففضلاً عن غموض تلك الفكرة فإنه من المؤكد أنه لا يوجد تطابق بين القانون والأخلاق كي يمكن اعتبار الجريمة عدوانا على القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع . حقاً أن هناك دائرة يتلاقى فيها القانون والأخلاق ، فالأخلاق تنهى عن ارتكاب الفعل الفاضح والزنا وهتك العرض والاغتصاب ، والقانون كذلك ( الباب الرابع من الكتاب الثالث من قانون العقوبات المصري) ، والأخلاق تنهى عن السرقة ، والقانون كذلك ( م. 318 عقوبات مصري).

بيد أن هناك أفعالاً تتعارض مع القيم الأخلاقية دون أن تجد لها من التجريم القانوني نصيب ، ومن ذلك الكذب (إلا إذا اتخذ صور تزوير أو شهادة زور أو نصب أو بلاغ كاذب أو قذف) ، والزنا في بعض المجتمعات. كما أن هناك أفعالاً لا تتعارض مع القيم الأخلاقية ومع ذلك امتدت يد المشرع لها بالتجريم ومنها جرائم المرور وجرائم النقد والجرائم الضريبية والجمركية . فالأخلاق نسبية وبالتالي لا يعول عليها في استخلاص مفهوم مجرد وموحد للجريمة.

وبالمثل فإنه لا يوجد تطابق بين ما هو جريمة وبين فكرة المساس بالمصالح التي يؤسس المجتمع عليها بقائه واستقراره أو المساس بشرط من شروط كيان المجتمع ووجوده التي قال بها البعض ، فهناك من الأفعال ما لا ينطبق عليها هذا الوصف ومع ذلك أسبغ عليها المشرع وصف التجريم ومن قبيل ذلك المخالفات والجنح التافهة. فيكاد هذا المعيار لا يتحقق إلا بصدد الجرائم الخطيرة .

ولدينا أخيراً أن هذا المفهوم الاجتماعي للجريمة لو اتخذ أساساً لعلم الإجرام لأعطى هذا الأخير ميداناً ونطاقاً فضفاضاً ورحباً يتعدى إلى كافة أوجه الانحراف Déviance التي قد لا ترقى في نظر المشرع إلى مرتبة الجرائم من الناحية القانونية. وفي هذا ما يبعد الباحث في مجال علم الإجرام عن وظيفته وغايته الأساسية التي توجب عليه ألا ينشغل إلا بأنماط العدوان التي تهم المجتمع وفق ما حددها المشرع ، باعتباره المرآة التي ينعكس عليها ضمير الجماعة والمصالح الجوهرية لهذه الأخيرة.

10- رابعاً : المفهوم المختار للجريمة :
أياً ما كانت سلامة الحجج التي قال بها أنصار كل اتجاه عرضنا له سالفاً فإننا نميل مع هذا إلى الأخذ بالمفهوم القانوني وحده في تحديد الجريمة موضوع علم الإجرام. فتحديد مضمون هذا الكائن يجب أن يظل أمر من صميم عمل المشرع الذي يعبر عن ضمير ووجدان المجتمع ، ولا ينبغي أن يترك للباحث في علم الإجرام ليحدده كيفما يراه. ولا يقدح في ذلك ما قيل سابقاً من نقد في حق المضمون القانوني للجريمة.

فحقاً هناك تمايز بين فكرة الإجرام وفكرة الانحراف ، وأن فهم فكرة الإجرام يتطلب مبدئياً فهم ظاهرة الانحراف ذاتها. غير أن ذلك لا يوجب على الباحث في علم الإجرام أن يمد نطاق دراساته إلى كافة أنماط الانحراف المجتمعي. فكل ما يجب عليه هو أن يتلمس نتائج البحوث الخاصة بالانحراف وكذا جوانب المعرفة الإنسانية التي تقدمها علوم الأنثروبولوجيا والاجتماع الجنائي وعلم النفس الجنائي من أجل تفسير الظاهرة الإجرامية بحسبانها صورة خاصة من صور الانحراف . والحق أن القول بأن علم الإجرام يشمل دراسة كافة أنماط السلوك المنحرف وغير الاجتماعي يجعله علماً للانحراف الاجتماعي وليس علماً للإجرام ، فضلاً عن أنه أمر يتنافى مع الطبيعة العلمية لهذا النوع من الدراسات والتي تتطلب أن يكون موضوع دراسة العلم محدداً .

فكلمة المشرع وحدها هي الكفيلة لأن تعطي لسلوك منحرف وصف الجريمة ، وبدونها يظل هذا الفعل بعيد عن دائرة التجريم ، وما هذا البعد إلا لكون هذا الفعل قد رآه المجتمع – ممثلاً في مشرعه – لا يهدد مصالحه وقيمه التي يحرص على حمايتها ، ومن العبث أن ينشغل الباحث في علم الإجرام بأمر لا يرى المجتمع فيه خطورة ولا يتصف بعدم المشروعية الجنائية.
كما أنه لا يعيب علم الإجرام تمسكه بالشكلية ، بمعنى قصر دراساته على ما اعتبره المشرع نفسه جريمة دون بقية حالات الانحراف الأخرى. إذ في ذلك صيانة لحريات وحقوق الأفراد ، رغم إيماننا أن علم الإجرام علماً تفسيرياً وليس قاعدياً كقانون العقوبات بحيث لا يخشى على الحريات إن هو امتد إلى بحث حالات الانحراف المجتمعي ولو لم يشكل جريمة في نظر المشرع .

كما يمكننا القول أن الأخذ في مجال دراسات الظاهرة الإجرامية بالمفهوم القانوني للجريمة وحده لا ينكر الحقيقة المادية والإنسانية للجريمة قبل أن تكون كائن قانوني ، ذلك أن هذا المفهوم يشتمل أيضاً على المفهوم الأخلاقي والاجتماعي لها ، على نحو ما سنذكره لاحقاً. فالمشرع لا يتدخل بالتجريم إلا بصدد الأفعال التي تتعارض وتمثل انتهاكاً لقيم ومصالح المجتمع أو الفرد الجوهرية ، بمعنى تلك التي يستظهر تعارضها مع القيم الاجتماعية والأخلاقية. وهذا لا يعبر عن استبداد بقدر ما يعبر عن إرادة الجماعة . فالجماعة ذاتها هي التي تقدر أي الأفعال يجب تجريمه وأيها يجب أن يظل على إباحته الجنائية ، متروكاً أحياناً لأفرع القانون الأخرى أن تغطي بأجزيتها ما تركه المشرع الجنائي دون تجريم.

علاوة على ذلك فإنه من المبالغة القول بأن الأخذ بالمفهوم القانوني للجريمة في مجال دراسات علم الإجرام يعدم نتائج وقوانين هذا العلم خصيصة الثبات ، ذلك أن الجرائم – وعلى ما يقول به جرسبيني - يمكن تقسيمها بحسب دوافعها إلى أقسام ثابتة أياً كان النظام القانوني السائد في المجتمع. فهناك الجرائم المتصلة بدافع العنف والعدوانية وهناك الجرائم المتصلة بالجشع والطمع وهناك أخيراً الجرائم المرتبطة بالشهوة والشبق. في ضوء ذلك أمكن تقسيم الجرائم عدة تقسيمات قانونية. فهناك الجرائم المتعلقة بالأشخاص كالقتل والضرب والجرح والعاهة المستديمة ، وجرائم المال ومنها السرقة والنصب وخيانة الأمانة ، والجرائم الماسة بالآداب ومثلها هتك العرض والزنا والاغتصاب والفعل الفاضح والدعارة ، وأخيراً الجرائم المضرة بالمصلحة العمومية كالرشوة والاختلاس والاستيلاء والتربح والغدر.

هذه التقسيمات الرئيسية تتوحد أطرها العامة لدى كل الجماعات وعلى مدى العصور. صحيح أنه قد يطرأ على تفاصيل تلك التقسيمات بعض الاختلافات أو التغيرات في الزمان أو في المكان أو فيهما معا حسب قيم كل مجتمع ، بيد أن هذه الاختلافات أو تلك التغييرات بحسبان أنها تمس التفاصيل فإنه لا يعول عليها في إنكار صفة الثبات عن الجريمة في مفهومها القانوني . فضلاً أن مضمون المفهوم القانوني للجريمة يتصل بالجريمة كنمط عام للعدوان دون أن يتحدد نمط العدوان ذاته. بمعنى أخر أن مفردات الجرائم ليست هى المعنية بالمفهوم القانونى وإنما الجريمة بحسبانها سلوك شائن عده المشرع عدواناً على قيم ومصالح مجتمعية جوهرية ، ولا تتمايز في ذلك المجتمعات إلا في التفاصيل الضئيلة بشأن كل تجريم بعينه.

11- خامساً : حدود المفهوم القانوني للجريمة :
إذا كنا خلصنا إلى الأخذ في مجال علم الإجرام بالمفهوم القانوني للجريمة ناظرين إليها بحسبانها كل فعل أو امتناع يجرمه المشرع ويقرر لمن يرتكبه جزاءً جنائياً ، فإن تساؤلات على الفور تطل برأسها تتعلق بحدود هذا المفهوم. فيثور التساؤل عما إذا كانت دراسات علم الإجرام تمتد إلى كافة الجرائم المطوية بين دفتي قانون العقوبات أم تقتصر على البعض منها. وكذا يطرح الفقه التساؤل حول ما إذا كان هذا المفهوم القانوني يأبى أن يضم تحت لوائه حالات الخطورة الإجرامية التي لم ترقى إلى مرتبة الجريمة بعد.

والواقع أنه في محاولة للإجابة على التساؤل الأول يتنازع الفقه جانبان ، أولهما يأخذ بالمفهوم القانوني في معناه الواسع ليشمل كل أنواع الجرائم الخطير منها والتافه ، الكاشف عن شخصية إجرامية أم لا. أما الجانب الثاني فيأخذ بالمفهوم القانوني ولكن يضيق فيه قاصراً إياه على الجرائم الخطيرة أو على الأفعال التي تنبئ عن تكوين إجرامي لدى فاعلها بحسبان أن الجرائم تتفاوت في دلالاتها.

في ضوء ذلك ذهب البعض إلى استبعاد الجرائم التافهة والبسيطة – وأغلبها من المخالفات – من نطاق البحث في علم الإجرام نظرا لأنها لا تكشف عن نفسية منحرفة أو شخصية إجرامية لدى مرتكبها. فالمسئولية الجنائية عن هذا النوع في الجرائم لا تستند في غالب الأحوال إلى "الخطيئة الجنائية أو الآثم الجنائي بقدر ارتكازها إلى المسئولية المادية أو فكرة تحمل المخاطر ، الأمر الذي يخلق صعوبة جدية أمام الباحث في علم الإجرام إذا ما حاول البحث عن تفسير السلوك الإجرامي في هذا النوع من الجرائم . وبالتالي يقتصر البحث في علم الإجرام على الجرائم التي تفصح عن إرادة جنائية آثمة – وأغلبها من الجرائم الطبيعية وفق المفهوم الذي سبق وأن أوضحناه – ويتكشف بشأنها رجحان عوامل الدفع للإجرام على عوامل المنع.

وفي ذات الاتجاه ولذات العلة يستبعد البعض الجرائم الموصوفة بأنها مصطنعة من نطاق البحث في علم الإجرام . فهذه الجرائم عبارة عن أفعال تحظى بالتجريم من جانب المشرع بالرغم من أنها لا تصطدم بالقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع نظراً لاتصالها بتنظيم هذا المجتمع. فجوهر تجريمها فكرة "النظام أو التنظيم" ، ومن ثم فإن الخروج عليها لا يجلب استنكاراً لدى أفراد المجتمع ولا تولد لديهم احتجاجاً ، ومثالها جرائم الصحة العامة وجرائم المرور وجرائم النقد وجرائم التهريب الضريبي والجمركي. ويرتكز استبعاد هذه الطائفة من الجرائم على أساس أنها لا تمس القيم الأخلاقية للمجتمع ولكونها لا تعبر عن مكنون إجرامى لدى فاعلها ، بل أنها قد تعبر لدى بعض الأوساط عن معنى البطولة والتحدي للسلطة. ويعلل الاستبعاد أيضاً بكون تلك الجرائم تتصف بعدم الثبات التشريعي فهي تخضع لتعديلات مستمرة تتوافق مع ما يبلغه المجتمع من تقدم ورقي حضاري.

واستناداً إلى ذات التحليل يري البعض من أنصار الاتجاه المضيق إخراج الجرائم التي تقع بالمخالفة "للقواعد الجنائية التي لا تعبر عن إرادة الأمة" من مجال الدراسات الإجرامية ، ومنها القواعد التي تصدر من سلطات الاحتلال ، أو ما يصدر من قوانين من السلطات الاستبدادية معبراً عن إرادتها وحدها دون إرادة الأمة ، أو ما يصدر من قوانين في غير الشكل الذي ارتضته الأمة للتعبير عنها . فخرق تلك القواعد لا يعبر بحال عن إرادة جنائية آثمة بقدر ما يعبر عن شكل من أشكال الاحتجاج ضد مظاهر الدكتاتورية.

وإذا كان الكشف عن إرادة خاطئة وآثمة من ثم أصبح لدى البعض من الفقه المعيار الذي يعول عليه في تحديد الأفعال التي تدخل في نطاق علم الإجرام فكان لزاماً لدى هذا البعض أن يخرج من نطاق هذا العلم سائر الجرائم التي تقوم فيها المسئولية الجنائية لفاعلها على افتراض الخطأ ، سواء كان الأمر تطبيقاً لقاعدة عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون Nul n’est censé ignore la loi ، أو تطبيقاً لنص قانوني يفترض بحق شخص معين توافر العلم بالفعل المجرم (ومن ذلك مسئولية رئيس التحرير المفترضة م. 195 عقوبات ومسئولية مدير المحل عما يقع فيه من جرائم تتعلق بغش البضائع). فهولاء وإن عدوا مخالفين للقانون إلا أنهم ليسوا مجرمين ، لفقدانهم الإرادة الواعية المدركة لحقيقة أفعالها ، والتي يكمن فيها العلم الحقيقي بالإذناب .

وبالمثل فقد أخرج البعض من نطاق علم الإجرام الجرائم الغير عمدية والتي يتمثل ركنها المعنوي في الخطأ دون التوقع أو دون التبصر بحجة افتقاد الشر وتخلف الإجرام في هذا النوع من الجرائم .

ولقد لاقى هذا التضييق من المفهوم القانوني معارضة من جانب من الفقه بحجة أنه لا يجب أن يستبعد الباحث في علم الإجرام من مجال دراساته أفعالاً ارتقت في نظر المشرع إلى مصاف الجرائم ، أياً كانت درجة خطورتها الاجتماعية ، وآياً كان نصيبها من الإرادة الإجرامية الخاطئة. بمعني آخر فإن كون الجريمة من الجرائم التافهة أو من الجرائم المصطنعة أو من الجرائم الغير عمدية لا يخرجها من مجال دراسات علم الإجرام لكونها في النهاية سلوك منحرف مضاد للمجتمع وماساً بمصالحه التي كشف عنها التجريم.
والواقع أننا نرى أن هذا الرأي المضيق للمفهوم القانوني أولى بالإتباع فذلك من شأنه أن يضفي على موضوعات علم الإجرام ثباتاً واستقراراً ، وعلى دراساته قدراً من الوضوح واليقين يمكنه بها أن يبلغ ويحقق رسالته .

على أننا لا نتفق مع الرأي المضيق في إخراج الجرائم التي تبنى المسئولية فيها على أساس افتراض الخطأ بموجب نص قانوني (افتراض مسئولية رئيس التحرير أو افتراض علم مدير المحل بغش البضاعة) ، ولا نرى كذلك وجهاً لإخراج الجرائم غير العمدية . وحجتنا في ذلك أن قرينة افتراض العلم في حالات المسئولية المفترضة المقررة بنص قانون لا تتعلق بالركن المعنوي للجريمة على نحو يمكننا من القول أن بهذه الأخيرة ركن مفترض ، إذ ليس لهذه القرينة من دور سوى نقل عبئ الإثبات من عاتق النيابة العامة إلى عاتق المتهم. ولهذا الأخير أن ينفي وجود القصد لديه بكافة طرق الإثبات ، وإن فشل تقوم مسئوليته على أساس حقيقي وواقعي وليس افتراضي.

وكذا فإن استبعاد الجرائم الغير العمدية أمر مبالغ فيه حيث أن عنصر الإذناب أو الخطأ متوافر دائماً لدى الفاعل في تلك النوعية من الجرائم ، كل ما هنالك أنه اتخذ صورة عدم التبصر أو عدم اتخاذ الاحتياطات الكافية ، الأمر الذي يكشف بدوره عن قدر من الخطورة الإجرامية التي يتعين الإلتفات إليها من قبل الباحثين في علم الإجرام.

وإذا كنا قد تبنينا سالفاً مفهوماً قانونياً للجريمة في نطاق علم الإجرام فإننا لا نرى مانعاً من أن يبسط هذا العلم مجال دراساته ليشمل حالات لم ترقى بعد إلى مرتبة الجريمة ولكنها ترشح من يوجد فيها لإجرام مستقبلي ، وهى ما اصطلح على تسميتها "بحالات الخطورة الإجرامية" ، كحالات السكر والتشرد والتسول وإدمان الخمور والمخدرات. ويعلل ذلك بأن تلك الحالات لا يخرج الأمر بالنسبة لها عن أحد أمرين : فهى إما أن تكون قد خضعت بالفعل لنص تجريم ، وهنا تدخل باعتبارها جرائم ينطبق بشأنها المفهوم القانوني الذي تبنيناه للجريمة في نطاق علم الإجرام ، وإما ألا يكون المشرع قد تناولها بالتجريم بعد ، ونرى أن الأصوب أن تشملها أيضاً دراسات علم الإجرام ، لأنها وإن لم تكن جرائم وفقاً للمفهوم القانوني إلا أنها تنبئ عن احتمال ارتكاب الفرد للجريمة مستقبلاً ، وبالتالي فإن دراستها سوف يمكن من إتباع سياسة وقائية لمكافحة الجريمة قبل وقوعها وهو أمر ولا شك أقص ما يأمل المشتغلين بعلوم الجريمة .

المطلب الثاني
مضمون المجرم في إطار علم الإجرام

12- تقسيم :
المجرم هو العماد الثاني الذي تقوم عليه الظاهرة الإجرامية واليه بدأت دراسات قانون العقوبات والدراسات الإجرامية تولي اهتمامها بعد أن كانت منصبة في السابق على الجريمة وحدها. غير أنه يثور التساؤل عن معنى المجرم في نطاق دراسات علم الإجرام. وعلة التساؤل تجد سببها في أنه عند وقوع الجريمة ، يقبض على من يشتبه في أنه مرتكب لها فاعلاً Auteur كان أم شريكاً Complice ، وتجرى السلطات المختصة معه التحقيق ثم تقرر إحالته إلى القضاء المختص بمحاكمته إذا ما كانت أدلة الإدانة تعلو على أدلة البراءة. ويظل الشخص طوال فترة القبض والتحقيق والمحاكمة متهماً "مظنوناً بإدانته" Accusé ou prévenu ou inculpé متمتعاً بقرينة البراءة Présomption d’innocence ، إلى أن يصدر حكماً بالإدانة حينها تسقط هذه القرينة ويصبح الحكم عنواناً للحقيقة مؤداه أن يصبح الشخص محكوما عليهCoupable ou condamné. فأي الصفتين يكون محلاً للاهتمام علماء الإجرام ؟ بمعنى آخر هل يهتم علم الإجرام في دراساته بالأشخاص المتهمين أم بالمحكوم عليهم أم بكليهما ؟

13- أولاً : غلبة المفهوم القانوني للمجرم :
ذهب البعض إلى ضرورة أن يتقيد الباحث في علم الإجرام بالمفهوم القانوني للمجرم ، بما مؤداه أن المجرم الذي ينبغي لعلم الإجرام أن يعنى به هو من أدانه القضاء بصفة نهائية في جريمة (باستثناء حالات الخطورة الإجرامية الكامنة في بعض الأشخاص والتي تنبئ عنها ظروفهم الشخصية والبيئية كما سلف القول) ، لأنه إذا كانت رسالة علم الإجرام هي البحث عن الأسباب والدوافع إلى ارتكاب الجريمة ، فيلزم أن يكون البحث عن هذه الأسباب وتلك الدوافع لدى من يكون قد ارتكبها حقاً ، والجزم بأن شخصاً ما قد ارتكب أو لم يرتكب الجريمة يدخل في الاختصاص الأصيل للقضاء دون سلطة التحقيق أو الاتهام. وفي هذا استقامة مع المبادئ المستقر عليها في الدساتير والتشريعات الجنائية ، التي تعتبر كل شخص متهماً بريئاً إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي بات في محاكمة عادلة تتوافر فيها ضمانات المحاكمة المنصفة .

على الناحية الأخرى ذهب نفر من الفقه إلى عدم التقيد بالتعريف القانوني الضيق للمجرم ، بحيث لا تقتصر الدراسة في علم الإجرام على المحكوم عليهم بصفة باتة ، بل تشمل علاوة على ذلك الأشخاص الذين لم يثبت إدانتهم بعد ، أي المتهمين المقبوض عليهم في مرحلة التحقيق وكذا في مرحلة المحاكمة. أي كل شخص يسند إليه أنه ارتكب جريمة ، دانه القضاء أم لم يدنه. ويعلل هذا الرأي موقفه بقوله أن عدم جواز وصف الشخص في مرحلة التحقيق والاتهام والمحاكمة بالمجرم يعود إلى المبدأ الأصولي الراسخ في الدساتير وقوانين الإجراءات الجنائية وهو مبدأ افتراض البراءة في المتهم حتى تثبت إدانته والمعبر عنه "بقرينة البراءة". فالمتهم يتمتع بتلك القرينة وما يترتب عليها من آثار موضوعية وإجرائية إلى أن تسقط نتاج حكم الإدانة البات. أما علم الإجرام فلا يرتب على وجود هذه القرينة أو على سقوطها أية آثار ، لذا رئي أن وقوع الجريمة وحده هو الذي يسمح للباحث في علم الإجرام بالتدخل بالدراسة لتحديد أسباب ودواعي السلوك الإجرامي لدى المتهم بارتكابه.

وعلاوة على ذلك فإنه إذا كانت الإحصاءات الجنائية تتناول بالإحصاء جميع الجرائم المبلغ عنها للشرطة وتلك التي مازالت في طي الكتمان ، فإن المنطق يستوجب كذلك أن تتناول الدراسات الإجرامية المتهمين في مرحلتي التحقيق والمحاكمة بل ويمكنه كذلك أن يتناول بالدراسة الحالات التي لم تصل يد العدالة فيها إلى المسئولين عنها وما زالت رقماً أسوداً لدى السلطات المعنية بأمر الجريمة.
وفي رأينا أن المنطق يقتضي أن نأخذ بالرأي الأول لاستقامته مع المفهوم الذي سبق وأخذنا به في تعريف الجريمة والمقصور على ما يعتبره المشرع جريمة. فإذا كان هناك تطابق بين مفهوم الجريمة في قانون العقوبات مع مفهومها في علم الإجرام فإننا نأخذ بذات التطابق بشأن المجرم في الفرعين السابقين. فيجب أن يقتصر البحث في علم الإجرام على المجرمين بالمعني القانوني الثابت في قانون العقوبات والإجراءات الجنائية ، أي من ثبتت إدانته بحكم بات ، فهذا يسبغ الصدق والدقة على نتائج الدراسات الإجرامية ، وهو كذلك أحصن للحريات الفردية ، التي تتأذى بإخضاع أشخاص للفحص من قبل علماء الإجرام ما زالوا محل اتهام فقط أو برأت ساحتهم .

على أننا نرى – وكما سبق وأن ذكرنا في مجال الجريمة – أنه يمكن للباحثين في مجال علم الإجرام أن يمدوا نطاق بحوثهم إلى من تتوافر بشأنهم حالات خطورة إجرامية ، أي ليسوا مجرمين وفق المفهوم القانوني سالف الذكر ، وإنما تنبئ ظروفهم المختلفة عن احتمال وقوعهم في براثن الجريمة في المستقبل. فتلك التوسعة ترفع من معدلات الوقاية من الإجرام La prévention de la délinquance. كما نرى وجوب امتداد نطاق البحث إلى طائفة الأشخاص الذين صدرت أحكاماً ببراءتهم متى استندت تلك الأخيرة إلى توافر مانع من موانع المسئولية وليس إلى عدم ثبوت الواقعة بحق المتهم. فالشخص الذي يبرئ لسبب عاهة في العقل أو جنون أو لصغر سن يظل مجرماً رغم براءته ، ويكفي أن هؤلاء يمكن إخضاعهم إلى شكل خاص من الجزاءات الجنائية وهو التدابير الاحترازية.

14- ثانياً : حدود المفهوم القانوني للمجرم :
قلنا سلفاً أن المجرم الذي يدخل في نطاق الدراسات الإجرامية هو من دانه القضاء بحكم بات. غير أن المجرمين ليسوا على درجة واحدة من الإدراك والتمييز ، ومن تلك الزاوية يجري عادة التمييز بين طائفتين هما المجرمين الأسوياء والمجرمين غير الأسوياء. والطائفة الأولى تتمتع بالأهلية الجنائية وبالقدرة على الإدراك ولديها حرية الاختيار ، أي لديهم عناصر الإسناد الجنائي كما يحددها الفقه ، ومن ثم أمكن إخضاعهم لمسئولية جنائية كاملة. أما أفراد الطائفة الثانية من المجرمين فلديهم نقص في عناصر الإسناد الجنائي بحيث لا يتمتعون بأهلية جنائية كاملة أو بقدرة كاملة على الإدراك والتمييز أو لا تتوفر لديهم حرية كاملة في الاختيار لأسباب ترجع إلى خلل عضوي أو فسيولوجي مما يؤثر على المسئولية الجنائية بشأنهم. فقد تنعدم هذه المسئولية كاملة في حالة المجرمين المجانين الذين تخلف لديهم ملكة الوعي والتمييز ، وقد تكون تلك المسئولية ناقصة ، وهو الحال فيما يتعلق بالمجرمين الشواذ وهم من يتوافر لديهم قدر من الإدراك والتميز وحرية الاختيار ولكن أقل مما يتوافر لدى المجرمين الأسوياء.

والسؤال الآن أي من هاتين الطائفتين يدخل في نطاق الدراسات الإجرامية. لقد توزع الفقه في هذا الصدد إلى اتجاهات ثلاثة :

فهناك من رأى وجوب قصر مفهوم المجرم في علم الإجرام على الأسوياء وحدهم قائلين بأن دراسة المجرم السوي وحدها هي التي تسمح بالوقوف على حقيقة الأسباب الدافعة إلى الإجرام واستخلاص القوانين والمبادئ العامة التي تخضع لها الظاهرة الإجرامية. أما المجرم غير السوي فجريمة عادة ما ترد إلى سبب معلوم مسبقاً ممثلاً في عاهة في العقل أو مرض في النفس ، وهي أمور يستقل ببحثها علوم أخرى كالطب العقلي والنفسي ولا دخل لعلم الإجرام بها.

يضاف إلى ذلك أن المريض بعاهة في العقل أو بخلل نفسي أو عضوي لا يرتكب جريمة وفق النموذج القانوني للجريمة متى ترتب على المرض نقص في عناصر الإسناد الجنائي أي فقد للإدراك أو انعدام لحرية الاختيار. فالمعلوم أن الجريمة ليست واقعة مادية فحسب بل أنها تتألف من ركنين ، أحدهما مادي يتمثل في إتيان الفعل أو الامتناع عنه وتحقق النتيجة الإجرامية على نحو ما نص عليه المشرع (إذا كانت الجريمة من جرائم الضرر أو الجرائم المادية) ، وآخر معنوي يتمثل في القصد الجنائي والخطأ الجنائي بالمعنى الضيق. والأرض التي يبنى عليها هذا الركن الأخير ترتبط بالقدرة على الإدراك وحرية الاختيار ويدور معهما وجوداً وعدماً ، مما مؤداه أن فقد الإدراك أو حرية الاختيار – لصغر سن أو إكراه أو لحالة ضرورة أو لعاهة في العقل أو لسكر اضطراري – يعدم قيام الجريمة وفق النموذج القانوني لها.
بينما يميل جانب ثان من الفقه إلى قصر مجال الدراسات الإجرامية (خاصة علم الأمراض العقلية الجنائي La psychiatrie criminelle) على دراسة المجرمين غير الأسوياء وحدهم ، وذلك تأسيساً على أن المجرم غير السوي وحده هو المجرم الذي تدفعه إلى ارتكاب الجريمة عوامل نفسية أو عضوية تتصل بتكوينه الداخلي ، وهو وحده الذي ينبغي أن يكون موضوعاً لدراسة علم الإجرام من أجل تقصي حقيقة أسباب وعوامل إجرامه. أما المجرم السوي فيكون محل دراسة علم الاجتماع الجنائي أو علم النفس الجنائي نظرا لأن عوامل إجرامه تتراوح بين أن تكون اجتماعية أو نفسية.

والواضح أن هذا الرأي يتناسى أن إجرام الأسوياء هو الأصل وهو الذي يكشف عن أسباب ودوافع السلوك الإجرامي أيا كانت. كما أنه يتناسى أيضاً أن ما يدخل في إطار دراسات علم الاجتماع الجنائي وعلم النفس الجنائي يدخل بحكم اللزوم في نطاق الدراسات الإجرامية ذلك لأن هذين العلمين يكونا بضعة من علم الإجرام بمفهومه الواسع .

ونحن نتفق مع الرأي الثالث القائل بوجوب شمول الدراسات الإجرامية لطائفتي المجرمين الأسوياء وغير الأسوياء. وحجتنا في ذلك تستند إلى أن التمييز بين المجرم السوي وغير السوي أمر بالغ الصعوبة والدقة ، فالنقص يعم البشر ، ويبقى الفارق بين الطائفتين كمي أي في كم النقائص ولا يعود لطبيعة النقائص ، وهذا الكم لا يسهل تحديده. فإذا ما قيل أن المجرم السوي هو من تتوافر لديه درجة كافية من الأهلية الجنائية والقدرة على الإدراك وحرية الاختيار لتعذر على الباحث تحديد تلك الدرجة على سبيل الجزم.

فضلاً عن ذلك فإن المجرمين من غير الأسوياء ممن لا تنعقد في حقهم المسئولية الجنائية لا يفلتون من كل جزاء جنائي عما اقترفوه من أفعال ، ذلك أنهم يخضعون لجملة من التدابير الاحترازية العلاجية تتناسب مع الحالة النفسية والعضوية لكل منهم. وتختلف هذه التدابير عن العقوبات في الأساس الذي تقوم عليه والهدف الذي ترمي إليه وكذا في شروط التطبيق وطرق التنفيذ . والواضح أن شمول الدراسات الإجرامية لهذه الطائفة من المجرمين يساعد على تحديد نوعية التدابير الاحترازية الملائمة.

كما أننا لا نتفق مع الجانب من الفقه القائل بأن المجنون فاقد الإدراك والاختيار لا يرتكب النموذج القانوني للجريمة وفق ما حدده المشرع وذلك لانهيار الركن المعنوي للجريمة ، ذلك أن العاهة العقلية والنفسية وكذا العضوية لا تؤثر على التكييف القانوني للفعل ، فالفعل الذي يرتكبه من لديه هذا القصور من الإدراك والاختيار يوصف قانوناً بأنه جريمة ، كل ما هنالك أنه يخضع لسبب من أسباب امتناع المسئولية.

وأخيراً فإن إطلاق القول بأن إجرام غير الأسوياء مردود إلى عاهة عقلية أو نفسية أمر لم يقم دليل على صحته. فلا توجد رابطة سببية حتمية بين المرض أياً كان نوعه وبين الجريمة ، ويدل على ذلك أن كثيرون من غير الأسوياء لا يجرمون ، مما يدل على أن أسباباً أخرى غير عاهة العقل أو مرض النفس لهي التي تقف وراء تردي غير السوي في براثن الإجرام ، يجب على الباحثين في علم الإجرام الكشف عنها.

المبحث الثالث
علم الإجرام وأفرع العلوم الجنائية الأخرى

15- تمهيد وتقسيم :
أبانت لنا الصفحات السابقة عن أن الشغل الشاغل لعلم الإجرام هو دراسة الظاهرة الإجرامية في جانبها الفردي وفي جانبها الاجتماعي بغية تفسيرها والوقوف على أسبابها ومعرفة العوامل الدافعة إليها حتى يتسنى اقتراح أفضل صور الجزاء التي تساهم في مكافحتها على مستوى المجتمع (الردع العام) ، وكذلك صور الجزاء المطبقة على الجاني للحيلولة دون عودته لطريق الإجرام (الردع الخاص).

ولا يمكن لنا أن نتصور أن ينجز علم الإجرام تلك المهمة في تحليل الظاهرة الإجرامية دون أن يتداخل في علاقات مع العديد من العلوم المتصلة بالجريمة والتي تشكل عقد ومنظومة العلوم الجنائية ، كعلم العقاب وكقانون العقوبات والإجراءات الجنائية والسياسية الجنائية وعلم الاجتماع الجنائي وعلم النفس الجنائي والأنثروبولوجيا الجنائية...الخ. ورغم وحدة المحل أو الموضوع محل الدراسة في كافة تلك العلوم ، أي الجريمة ، بما يقرب بينها ، إلا أن علم الإجرام لابد وأنه يتمايز عنها نتاج اختلاف الزاوية التي ينظر منها إلى الجريمة.

وإذا ما أردنا أن نبين تمايز علم الإجرام عن بقية العلوم المتصلة بالجريمة فإنه لزاماً علينا أن نحدد مسبقاً التقسيم المعتمد من جانبنا للعلوم الجنائية ، قبل أن ندخل في بيان صلة علم الإجرام وموضعه داخل تلك العلوم.

المطلب الأول
أقسام العلوم الجنائية

لقد تنوعت التقسيمات التي قيل بها من جانب الفقه في شأن العلوم الجنائية . وأول ما نصادف هو التقسيم الذي قال به الفقيه الأسباني جمينيز دي أسوا Gimenez de Asua والذي قسم العلوم المتصلة بالجريمة إلى فئات أربع ، الأولى هي العلوم التفسيرية السببية ، ومنها علم الإجرام. والفئة الثانية هي العلوم القانونية ، ومنها قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية والسياسة الجنائية. أما الفئة الثالثة فتضم علوم الاستقصاء ، ومنها علم البحث الجنائي. وتضم الفئة الرابعة العلوم الجنائية المساعدة. ولدى هذا الفقيه ينقسم علم الإجرام إلى فروع أربع وهى علم العقاب والأنثروبولوجيا الجنائية وعلم النفس الجنائي وعلم الاجتماع الجنائي.

ويمكننا الإشارة كذلك إلى تقسيم الفقيه الإيطالي كفالو Cavallo الذي يرى أن القانون الجنائي يمثل علماً مستقلاً تسانده طوائف ثلاثة. الطائفة الأولى هى طائفة العلوم المساعدة التي تزوده بالمعارف العملية والنظرية عن الجريمة والمجرم والعقوبة ، ومنها علم الأخلاق والسياسة الجنائية والفلسفة العقابية وعلم النفس الجنائي وعلم الأنثروبولوجيا الجنائية وعلم الاجتماع الجنائي وعلم الإجرام. أما الطائفة الثانية فتضم العلوم التكميلية التي تسهم دراساتها في تشكيا القاعدة الجنائية أو تفسيرها وتضم قانون العقوبات المقارن وتاريخ قانون العقوبات والطب الشرعي والنفسي. أما الطائفة الثالثة فتشمل العلوم التي تستهدف إثبات الجريمة أو تنفيذ العقوبة ، ومنها علم النفس القضائي وعلم البوليس الفني وعلم السجون.

وهناك التقسيم الذي قال به الفقيه الإيطالي مانتسيني Manzini ، المبني على تقسيم العلوم الجنائية إلى ثلاث طوائف : الأولى تضم العلوم التي تبحث في النظام القانوني ، ومنها قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية. أما الثانية فتشمل العلوم التي تبحث في ظاهرة الانحراف من الناحية الاجتماعية والنفسية ، ومنها علم النفس الجنائي وعلم الأنثروبولوجيا الجنائية وعلم الاجتماع الجنائي وعلم الإجرام. أما الطائفة الثالثة فتسمى بعلوم أو فنون ملائمة الوسيلة للهدف ، ومنها علم السياسة الجنائية .

ولعل أشهر محاولات تقسيم العلوم الجنائية يعود إلى الفقيه الإيطالي جرسبيني Grispigni ، الذي يعتمد تقسيما ثلاثياً للعلوم الجنائية. أما المجموعة الأولى فتمثل مجموعة العلوم القاعدية والتي يكون موضوعها دراسة القاعدة القانونية الجنائية ، ومنها قانون العقوبات والإجراءات الجنائية وعلم الاجتماع القانوني الجنائي وفلسفة القانون الجنائي وتاريخ القانون الجنائي وعلم السياسة الجنائية. أما الطائفة الثانية فتشمل مجموعة العلوم التفسيرية السببية ، وهي العلوم التي يكون موضوعها دراسة شخصية المجرم والسلوك الإجرامي ، ومنها علم الأنثروبولوجيا الجنائية والاجتماع الجنائي. وأخيراً تأتي الطائفة الثالثة والتي تضم مجموعة العلوم المساعدة والتي منها الطب الشرعي وعلم النفس الجنائي وعلم النفس القضائي وعلم الأمراض العقلية والنفسية والبوليس الفني.

والواضح من خلال هذا التقسيم أن صاحبه لا يعترف لعلم الإجرام بذاتية ولا حتى بتسمية مستقلة ، فلديه أن هذا العلم يدخل جزءً من علم السياسة الجنائية. كما يظهر أن هذا التقسيم يفصل بين الأنثروبولوجيا الجنائية وعلم الاجتماع الجنائي وبين علم الإجرام ، رغم أن الفقه يتواضع على اعتبارهما من مركبات هذا الأخير .

والحق – كما يذكر البعض من الفقه - أنه أياً كان التقسيم الذي المعتمد بشأن العلوم الجنائية فإن الجريمة كمحل وموضوع مشترك بين علوم شتى يمكن بحثها من زاويتين : الأولى من حيث كونها فكرة قانونية مجردة تنظمها القاعدة القانونية ، ويختص ببحثها من تلك الزاوية جملة علوم يمكن أن نطلق عليها العلوم الجنائية القاعدية Les sciences pénales normatives. أما الزاوية الثانية لدراسة الجريمة فتتعلق بكونها سلوكاً واقعياً وظاهرة اجتماعية ، وهي زاوية تهتم بها جملة علوم يمكن تسميتها بالعلوم الجنائية التجريبية Les sciences pénales expérimentales ou empiriques.

وفي الصفحات التالية سوف نعتمد هذا التقسيم الأخير لبيان صلة علم الإجرام بأفرع العلوم الجنائية المختلفة ، القاعدي منها والتجريبي.

المطلب الثاني
علم الإجرام وأفرع العلوم الجنائية القاعدية

16- تمهيد وتقسيم :
يكون العلم علماً جنائياً قاعدياً إذا ما كان يستهدف دراسة وتحليل الجريمة من خلال قاعدة وضعية Règle positive . بمعنى أن يستخدم منطق التحليل القانوني (كأدوات التفسير والقياس) لمعالجة الجريمة كفكرة قانونية مجردة وكبناء نظري بغض النظر عن خصائص السلوك الإجرامي ذاته ودلالاته الاجتماعية ، أو بمعنى أدق حينما لا يتوسل العلم حال دراسة الجريمة بأي من طرق البحث التجريبي كالإحصاء أوالمسح الاجتماعي أو الملاحظة أو المقابلة أو الفحص العضوي والنفسي.

ويمثل القانون الجنائي أوضح العلوم القاعدية مثالاً ، ذلك أن يبحث في مضمون القاعدة القانونية الوضعية التي يترتب على مخالفتها جزاء جنائي. ويتعهد الشق الموضوعي منه (قانون العقوبات) بدراسة العديد من النظريات كأركان الجريمة ونظرية الشروع والمساهمة الجنائية ، بينما يتولى الشق الإجرائي فيه (قانون الإجراءات الجنائية) دراسة طرق البحث عن الجناة من أعمال استدلال وتحقيق ومحاكمة وكذلك نظريات الطعن في الأحكام . ومن قبيل تلك العلوم القاعدية أيضاً علم العقاب وعلم السياسة الجنائية. والسؤال الآن هو بأي شيئ تتمايز تلك العلوم عن علم الإجرام ؟

17- أولاً : علم الإجرام وقانون العقوبات :
لإيضاح الصلة بين كل من علم الإجرام وقانون العقوبات يتوجب علينا أن نبين أوجه الاختلاف وأوجه الإفادة المتبادلة التي تقارب بين العلمين.

18- أ : أوجه التباعد بين علم الإجرام وقانون العقوبات :
يضم قانون العقوبات القواعد القانونية الموضوعية التي تحدد أنماط السلوك الإجرامي المحظور والجزاء الجنائي حال وقوع انتهاك للقاعدة القانونية في صور العقوبة أو التدبير الاحترازي. ومن ثم فهو نظاماً قانونياً وليس علماً ، أو لنقل أنه علم قاعديScience normative ، يدرس الجريمة والجزاء من خلال قاعدة وضعية كي يحدد أركانها المادية والمعنوية وما يتصل بهذه الأركان من نظريات كالسببية والشروع والمساهمة الجنائية ونظرية الإباحة. بينما يتمثل علم الإجرام في مجمل الدراسات والأبحاث التي تعالج الجريمة ليس بحسبانها فكرة قانونية وإنما منظوراً إليها كسلوك إنساني وكظاهرة في حياة الفرد والجماعة ، وذلك بغية وصف ظاهرة الإجرام والكشف عن الأسباب الفردية والاجتماعية الدافعة إليه بهدف اقتراح التدابير المناسبة لمكافحة هذه الظاهرة. ويبدو الاستقلال بين العلمين جلياً إذا ما قلنا أن قانون العقوبات يدرس الجريمة بحسب ما يجب أن تكون عليه Ce qui doit être ، في حين أن علم الإجرام يتقيد في دراسته للجريمة بما هو كائن Ce qui est. وعلى ذلك فيختلف كلا العلمين من حيث موضوع البحث ومن حيث أسلوب ومنهج كل منهما ، مما أوجب أن يكون لكل واحد من العلمين جمعية دولية مختلفة (الجمعية الدولية لعلم الإجرام Association international e de criminologie والجمعية الدولية لقانون العقوباتAssociation internationale de droit pénal).

فمن ناحية لا يدخل في اهتمام قانون العقوبات إلا ما يعتبره المشرع جريمة في حين أن علم الإجرام وإن تقيد غالباً بالجريمة بمعناها القانوني إلا أنه قد يتجاوز أحياناً هذا المعنى ليشمل مظاهر الانحراف Déviance ولو لم يصدق عليها وصف الجريمة من الناحية القانونية ، ومثال ذلك ظاهرة التسرب من التعليم والكذب والعنف الطفولي غير المبرر وإجرام الأحداث المنظم وأفعال الشذوذ الجنسي وإدمان الكحول وغيرها. فمثل هذه الأنماط السلوكية المنحرفة وإن كانت لا تشكل جرائم بالمعنى القانوني الدقيق إلا أنها مظاهر انحراف يهتم بها علم الإجرام . ومن جانب آخر فإن المجرم في قانون العقوبات بمن يسبغ عليهم المشرع هذا الوصف من خلال ارتكابهم ما يعد جريمة من الناحية القانونية. أما علم الإجرام فيوسع أحياناً من هذا المفهوم ليشمل بالدراسة الحالات التي تنطوي فيها الشخصيته على خطورة إجرامية تنذر بارتكابه جريمة مستقبلا ، وكذا من لم تصدر ضدهم أحكام بالإدانة الجنائية لتوافر سبب من أسباب امتناع المسئولية الجنائية.

يظهر من ذلك أن قانون العقوبات يتقيد في تحديده لفكرتيي الجريمة والمجرم بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات دون أن يحيد عنه ، بما يستتبعه هذا المبدأ من إسناد أمر التجريم إلى المشرع ، فلا جريمة إلا بنص القانون ، ومنع الأثر الرجعي للنصوص التجريمية وحظر القياس في التجريم وضرورة إتباع التفسير الضيق للنصوص. أما علم الإجرام فلا يتقيد دائماً بذلك المبدأ وإنما قد تتسع دائرة دراساته إذا ما كان فهم بعض الجرائم القانونية يستوجب الإلمام ببعض مظاهر الإجرام والانحراف غير القانونية ، يستوي أن تكون صادرة عن أشخاص اكتسبوا وصف الجاني من الناحية القانونية بموجب حكم الإدانة البات أم كانت صادرة عن أشخاص من ذوي الخطورة الإجرامية أو لم يعاقبوا لامتناع مسئوليتهم الجنائية.

وعلاوة على ذلك فإن شارح قانون العقوبات يعتمد في بحثه على أسلوب قانوني في محاولة للاستنباط إرادة المشرع من خلال نصوص التشريع الوضعي ، أي أن أسلوبه في البحث أسلوباً استنباطياً فلسفياً يقوم على المنطق القانوني. أما الباحث في علم الإجرام ، وعلى ما سنرى لاحقاً ، يعتمد على أسلوب علمي مبني على الملاحظة والتجريب لدراسة العوامل الفردية والخارجية أو الاجتماعية للإجرام من أجل الوصول إلى قوانين عامة تحكم الظاهرة الإجرامية .

19- ب : أوجه التقارب بين علم الإجرام وقانون العقوبات :
إن الاستقلال الذي أوضحناه بين علم الإجرام وقانون العقوبات لا ينفي وجود صلات وشيجة بينهما ، بحيث يمكننا القول بأن هناك ثمة مظاهر تأثير متبادل فيما بينهما.

وعلى ذلك فقانون العقوبات يؤثر في علم الإجرام من حيث أنه يمد الدراسات الإجرامية بالإطار الذي ينبغي أن تدور فيه. بمعنى آخر فإن القانون الجنائي هو الذي يحدد نطاق دراسات علم الإجرام ويزوده "بالمادة الأولية الخام لدراساته". فمعظم أنماط السلوك الإجرامي التي تنصب عليها دراسات علم الإجرام هي أفعال نالت حظها ابتداء من التجريم التشريعي في مدونة العقوبات. كما أن فكرة المجرم في علم الإجرام تتحدد بمعناها القانوني الذي يرسمه في الأصل قانون العقوبات.

كما أن علم الإجرام قد ينشغل ببعض الظواهر التي يتحدد مفهومها بالمعنى الذي يسبغه عليها قانون العقوبات. ولنضرب مثالاً لذلك من خلال فكرة العود La récidive التي هي بحسب الأصل فكرة قانونية من أفكار قانون العقوبات يتلقفها علم الإجرام بذات مفهومها القانوني ليدخل في دائرة أبحاثه طائفة خاصة من المجرمين الذين سبق ارتكابهم لجرائم وسبق الحكم عليهم جنائياً مما يكشف عن خطورته شخصيتهم الإجرامية واحتمالية اقترافهم جرائم أخرى في المستقبل من الوصول إلى التدابير الكفيلة بالحيلولة بينهم وبين معاودة الإجرام من جديد.

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن علم الإجرام بدوره يؤثر في قانون العقوبات وأن دراسات هذا العلم هي الملهم الأساسي للكثير من النظم القانونية في قانون العقوبات . فالغاية النهائية هي مكافحة الإجرام من خلال نصوص تشريعية فعالة ، غير أن هذا النمط من النصوص ما لها أن توجد وتحقق غايتها إلا إذا أمكن التعرف على أسباب وعوامل وطرق الوقاية من الإجرام وهو ما تقوم على تحديده دراسات علم الإجرام.
كما أن دراسات علم الإجرام هي التي كشفت ضرورة تدخل قانون العقوبات بالتجريم لحالات من الخطورة الاجتماعية والإجرامية التي تنبئ عن احتمال وقوع الجريمة في المستقبل ، ومن ذلك تجريم حالات التشرد والتسول وإدمان الخمور والمخدرات.

على أن الفضل الأكبر الذي يدين به قانون العقوبات إلى علم الإجرام هو النتائج التي وصلت إليها أبحاث هذا الأخير فيما يتعلق بسياسات تفريد الجزاء الجنائي Individualisation de la sanction pénale التي تهدف إلى تخير أفضل صور الجزاء الجنائي في ضوء مختلف جوانب الخطورة الشخصية للجانى وجسامه الجريمة. ويمكننا أن نشير إلى مستويات ثلاثة من التفريد :

20- التفريد التشريعي L’individualisation législative :
أوضحت دراسات علم الإجرام العديد من الواجبات التي تقع على عاتق المشرع حال تحديده لشق الجزاء الجنائي من القاعدة الجنائية ، وأهم تلك الواجبات ضرورة أن يراعي المشرع فى إنشاءه للجزاء تدرجه بحسب ظروف كل جاني ، فيفرض تطبيق نص معين عقوبته أشد أو أخف من العقوبة العادية المقررة لنفس الفعل إذا وقع فى ظروف معينة أو من جناه محددين. ومثال ذلك وجوب تشديد العقوبة إذا اتصل السلوك الإجرامي بواقعة إكراه مادى أو معنوى (م. 268 عقوبات مصري) أو إذا اقترن أو ارتبط بجريمة أخرى (كاقتران القتل بجناية أو ارتباطه بجنحة م. 234 عقوبات) ، أو إذا وقع هذا السلوك من طائفة معينة (كالإجهاض الواقع من طيب أو صيدلي أو جراح أو قابلة (م. 263 عقوبات مصري). ومثال ذلك تقرير الإعفاء من العقاب فى حاله إخبار أحد الجناة عن بقية شركاءه متى أوصل هذا الإخبار السلطات إلى القبض على بقية الجناة ، وهو الأمر المقرر حال إخبار السلطات بوجود اتفاق جنائي بينه وبين غيره (م. 48 عقوبات قبل الحكم بعدم دستوريتها) ، وكذا في جرائم الإرهاب وجرائم العدوان على المال العام (م88 مكرر هـ و م. 101 و م. 118 مكرر ب عقوبات مصري) ، أو إعفاء الخاطف من العقوبة إذا تزوج بمن خطفها (م. 291 عقوبات قبل إلغائها). أو أن يقرر التخفيف إذا اتصل فعل الجاني بظرف أو عذر معين كتخفيف عقوبة القتل العمد على الزوج الذي يفاجئ زوجته متلبسة بالزنا (م. 237 عقوبات) ، أو تخفيف العقوبة عمن تجاوز حق الدفاع الشرعي بحس نية (م. 251 عقوبات).

وكذلك صار علم الإجرام أحد مصادر قانون العقوبات حينما أوضح هذا الأخير للمشرع ضرورة إفراد معاملة عقابية خاصة لطائفة من المجرمين نتيجة أحوالهم وظروفهم الخاصة. ومن ذلك الأخذ بعدد من التدابير الاحترازية Mesures de sûreté المناسبة إذا تعلق الأمر بإجرام الأحداث أو المجرمين غير الأسوياء من المرضى عضوياً أو نفسياً وذلك من أجل إصلاح شخصية المجرم وإعادة تكييفه مع المجتمع من جديد .

21- التفريد القضائى L’individualisation judiciaire :
أبانت البحوث في مجال علم الإجرام وجوب أن يكون هناك نوع من التفريد القضائي في مجال تطبيق الجزاء الجنائي الذي يتم عن طريق الإنابة من قبل المشرع. فقد يضع هذا الأخيرالعقوبة بين حد أدنى وأخر أقصى ثم يترك للقاضي إعمال سلطته التقديرية بين هذين الحدين حسب ظروف الجريمة والمجرم. وقد يترك المشرع للقاضي الخيرة بين عقوبتين من نوعين أو درجتين مختلفتين ، كالخيرة بين الإعدام والسجن المؤبد فى الجنايات أو بين الحبس والغرامة فى الجنح. أو إمكانية النزول بالعقاب درجة أو درجتين وفقا لما تقتضيه ظروف الجريمة (م. 17 عقوبات). وصورة ذلك أيضاً الحكم بالعقوبة مع إيقاف تنفيذها أو بإبدال تنفيذها بالإيداع في مصحة علاجية (فقرة 2 من المادة 36 من القانون 182 لسنة 1960في شأن مكافحة المخدرات معدلة بالقانون 122 لسنة 1989) أو إحدى مؤسسات العمل (تجيز المادة 52 عقوبات بدلاً من الحكم بالعقوبة المشددة الحكم بإيداع المجرم العائد في إحدى مؤسسات العمل)

كل هذه الصور توجب من أجل إعمالها الإلمام من قبل القاضي الجنائي بنتائج الدراسات الإجرامية الخاصة بكيفية قياس الخطورة الإجرامية الكامنة في الشخص ومدى صلاحية وكفاية الجزاء المزمع تطبيقه لتقويم المجرم وتأهيله.

22- التفريد التنفيذي L’individualisation exécutoire :
قد تستفيد الإدارة العقابية من النتائج التي توصلت إليها الدراسات الإجرامية فيما يتعلق بشخصية المحكوم عليه وما يطرأ عليها من تغير بفعل الجزاء الجنائي حال قيامها بتنفيذ الجزاء الجنائي المقضي به في حق الجاني. فقد يتاح للقائمين على التنفيذ العقابي بالتعديل من طبيعة العقوبة أو من مدتها أو من طريقة تنفيذها حسب ما يطرأ على شخصية المجرم ومدى استجابته للتأهيل والإصلاح. بل وتفيد هذه الدراسات ابتداءً في تصنيف المجرمين تمهيداً لتحديد برامج المعاملة العقابية الملائمة.

ومن بين صور التفريد التنفيذي ما يسمح به لجهة التنفيذ من نقل المحكوم عليه بعد فترة إلى أحد السجون العمومية إذا رأت أن التطور الايجابى الذى طرأ على شخصيته لم يعد يناسب ظروف الليمانات. ومثال هذا النوع من التفريد أيضاً إمكانية إسقاط الجزء المتبقى من العقوبة بعد فترة من البدء فى تنفيذها وفقا لنظام الإفراج الشرطى أو العفو عن العقوبة كلها أو بعضها أو إبدالها بأخف منها ، متى كان سلوك المحكوم عليه ينبئ عن عدم العودة إلى طريق الجريمة في المستقبل .

وكذلك أوضحت الدراسات في مجال علم الإجرام ضرورة الأخذ بما يعرف بقاضي تطبيق العقوبات الذي يوكل إليه أمر تحديد أفضل الطرق في تنفيذ الجزاء الجنائي وفقاً لما يطرأ على شخصية المحكوم عليه. كما أبانت تلك الأبحاث ضرورة تخصيص مؤسسات عقابية للطوائف الخاصة من المجرمين ، ومن ذلك تعيين سجون أو أقسام خاصة للمجرمين من النساء والمجرمين السياسيين ومجرمي الرأي. ومثال ذلك أيضاً الأخذ بنظم المؤسسات المفتوحة Etablissements ouverts ، ومنها ما يعرف بالسجون المدرسية Prison-école والتي تخصص للمجرمين الذين يتراوح سنهم بين ثمانية عشر وثمان وعشرين عاماً (م. 718 إجراءات فرنسي) .

23- ثانياً : علم الإجرام وقانون الإجراءات الجنائية :
إذا أردنا أن نبحث عن فرع قانوني يضع نصب عينه شخصية المجرم فلا شك أنه سيكون قانون الإجراءات الجنائية ، ذلك الفرع الذي يضم كافة القواعد القانونية المنظمة للخصومة الجنائية ابتداء من لحظة وقوع الجريمة حتى صدور حكم نهائي بالإدانة ، بما يستتبعه ذلك من تحديد أساليب وطرق ملاحقة المتهم بدءً بمرحلة جمع الاستدلالات ومروراً بمرحلة التحقيق وانتهاءً بمرحلة المحاكمة ، وكذا تعيين السلطات الموكول إليها تنفيذ تلك المراحل.

ويتكشف لنا هكذا أن قانون الإجراءات الجنائية ذو طبيعة شكلية يهدف إلى وضع نصوص قانون العقوبات موضع التنفيذ. ولعل هذا ما يؤكد على الخصيصة القاعدية Caractère normatif لقانون الإجراءات الجنائية ، بحسبان أن لهذا الفرع صفة تبعية بالنظر إلى أنه يفترض مسبقاً وجود قواعد موضوعية تحدد أنماط السلوك الخاضعة للتجريم وتنص على جزاء جناتها .

وعلى الرغم من ذلك فإنه لا تنتفي كل صلة تربط بين الفرعين لما لدراسات علم الإجرام من دور مؤثر في مجال الدعوى الجنائية. فعلى هدي من نتائج الدراسات الإجرامية – وتأثير مدارس الدفاع الاجتماعي - التي كشفت عن العديد من جوانب شخصية المجرم وأسباب وعوامل الظاهرة الإجرامية ، ذهبت الاتجاهات الحديثة في مجال الإجراءات الجنائية إلى ضرورة فحص شخصية المتهم قبل وأثناء المحاكمة. فعن طريق الاهتمام بتلك الشخصية وتدعيم الدراسات المتصلة بها يمكن تحديد أنسب طرق المعاملة العقابية ، ويمكن للقاضى تبعا لظروف كل مجرم أن يتخير الجزاء المناسب (عقوبة أو تدبير) ، بما يعين المجرم على الاندماج والتأهيل الاجتماعي مرة أخرى فى الوسط البيئي المحيط.

وفي ضوء هذا الاهتمام بالشخصية الإجرامية دعى أنصار الدفاع الاجتماعى الجديد إلى إعداد ما يعرف بملف الشخصية Dossier de personnalité ، الذي يتولى إعداده جمع من الخبراء المتخصصين بدراسة السلوك الإنسانى ، كالأطباء وعلماء الاجتماع وعلماء النفس والإجرام ، مشتملاً على كل ما يتصل بالجوانب الشخصية للمجرم ، ومنها تاريخ المتهم الشخصي وسوابقه وتكوينه البيولوجي وردود فعله النفسية وحالته وبيئتة الاجتماعية والظروف الخارجية للفعل الإجرامي…الخ. كل ذلك كى يكون تحت يد السلطات الجنائية فى كافة مراحل الدعوى .

وهذا التوجه الإجرائي الجديد هو ما أخذ به المشرع الفرنسى فى قانون الإجراءات الجنائية عندما عدل المادة 81/6 بالقانون رقم 466-83 الصادر فى 10 يونيه 1983 ملزما قاضى التحقيق Juge d’instruction فى الجنايات ببحث الظروف الشخصية للمتهم من حيث مركزه المادى والأسرى والاجتماعى ، والترخيص له بذلك فى مواد الجنح. والإجازة له فى كافة المواد بإجراء فحص طبى ونفسى لشخصية المتهم (م81/7) .

كما كان لهذه الفكرة "ملف الشخصية" أثرها الإجرائي عند بعض الفقهاء عندما اقترحوا تقسيم مراحل المحاكمة إلى مرحلتين : الأولى هي مرحلة الإدانة الفعلية التي يتم فيها بحث الجوانب القانونية ومدى اعتبار المتهم هو الجاني الحقيقي ، ثم مرحلة الحكم والتي يتم فيها الاستعانة بالعديد من الخبراء والأخصائيين من أجل فحص طبيعة شخصية المجرم وظروفه تمهيداً لاقتراح أفضل الأجزية التي يمكن تطبيقها على الجاني بهدف إصلاحه وإعادة تكييفه مع المجتمع.

هذا الاقتراح هو ما كرسه قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي بالقانون رقم 624-75 الصادر فى 11 يوليو 1975 (م 469/3 و539/1) عندما أجاز للمحكمة بعد أن تقرر الإدانة أن تحكم بتأجيل النطق بالعقوبة L’ajournement ، عندما تتأكد من أن الضرر الناجم عن الجريمة قد زال أو على وشك الزوال وأن الجانى فى طريقه إلى الاندماج الاجتماعى من جديد .

ومن بين مظاهر التأثير والتأثر بين كلا الفرعين ما تقرره قوانين الإجراءات الجنائية عامة من ضرورة تخصيص محاكم لمحاكمة الأحداث يتوفر فيها للقاضي فهم شخصية المجرم والوقوف على أسباب إجرامه وكيفية معاملته. وهو ما مال إليه قانون الأحداث المصري رقم 31 لسنة 1974 في المادة 35 حين أوجبت على المحكمة في حالات التعرض للانحراف وفي مواد الجنايات والجنح وقبل الفصل في أمر الحدث أن تستمع إلى أقوال المراقب الاجتماعي بعد تقديمه تقريراً اجتماعياً يوضح فيه العوامل التي دفعت إلى انحراف الحدث أو ينبئ عن انحرافه مستقبلاً ، وللمحكمة في ذلك أن تستعين بأهل الخبرة.

ويبقى نظام تعليق تنفيذ الأحكام علي شرط أو ما يسمى عملاً بإيقاف التنفيذ Le sursis شاهداَ على مدى تأثر قانون الإجراءات الجنائية بالنتائج التي أبرزتها الدراسات الإجرامية. إذ يجوز للقاضي أن يصدر حكمه بالعقوبة مع تضمين هذا الحكم أمراً بإيقاف تنفيذها وذلك لمده معينة إذا توافرت شروط معينة. فإذا ما أنقضت المدة الموقوف تنفيذ الحكم خلالها دون أن يلغي إيقاف التنفيذ سقط الحكم بالعقوبة وأعتبر كأن لم يكن , وإلا نفذت العقوبة الموقوف تنفيذها مع العقوبة الجديدة. فكأن إيقاف التنفيذ هو تعليق العقوبة المحكوم بها على شرط واقف خلال مدة معينة يحددها القانون.

وقد أخذ بهذا النظام قانون العقوبات المصري (م55 وما بعدها) إذ أجاز للمحكمة في مواد الجنايات والجنح أن تأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة متى كانت صادرة بالغرامة أو الحبس الذي لا يزيد علي سنه ، ومتى تبين من أخلاق المحكوم عليه وطباعه وماضيه أو سنه أو كافه ظروف الجريمة ما يبعث علي الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مقارفة الجريمة مرة أخرى .

ويجد تأثير علم الإجرام مجاله الإجرائي أخيراً في فكرة قاضي تطبيق العقوبات Juge d’application des peines وهو قاض متخصص في مرحلة التنفيذ العقابي اللاحقة لصدور الحكم بالإدانة . وهي مرحلة ذات أهمية بالغة حيث يمكن فيها متابعة بل وتعديل الجزاءات المحكوم بها – سواء في طبيعتها أو في مدتها - بما يتوافق مع تطور شخصية المحكوم عليه أثناء تنفيذه للعقوبة. فلهذا القاضي أن يقرر الإفراج عن المحكوم عليه قبل انقضاء مدة العقوبة سواءً أكان إفراجاً نهائياً أم شرطياً Libération conditionnelle (المواد من 52 إلى 64 من قانون تنظيم السجون) . وقد جاء الأخذ بهذا الطريق على أثر التطور الذي شهدته العقوبة وغلبة دورها في التأهيل على وظيفتها في تحقيق العدالة والردع العام .

24- ثالثاً : علم الإجرام وعلم العقاب :
تعكف دراسات علم العقاب على البحث في أسس الحق في العقاب والقواعد الخاصة بتنظيم الجزاء الجنائي (رد الفعل العقابي). وسبل اقتضاء هذا الحق على نحو يحقق الجزاء الجنائي أغراضه. وعلى ذلك فعلم العقاب علم قاعدي يتناول بالعلاج ظاهرة الجريمة بعد وقوعها للحيلولة دون عودة المجرم لارتكابها مرة أخرى. وقاعدية علم العقاب تبدو هكذا من خلال أنه يخاطب المشرع ويقترح عليه أنسب صور الجزاء الجنائي في مكافحة الجريمة وأفضل الأساليب التي يتم بها تنفيذ هذا الجزاء. وبالتالي فهذا الفرع يظهر كأحد فروع علم السياسة الجنائية حيث يدرس وظائف العقوبات التي يلزم تحققها في المجتمعات الحديثة وكيفية ملاءمة العقوبة عملياً لتحقيق أغراضها وأهدافها.

وعلى الجانب الأخر نجد أن أبحاث علم الإجرام تهتم بدراسة الأسباب المختلفة للظاهرة الإجرامية قبل وقوع الجريمة ذاتها. أي أنه علم من العلوم السببية التفسيرية ، التي تعني بتفسير الظاهرة الإجرامية بهدف الوصول إلى قوانين عامة تحكم السلوك الإجرامي من حيث دوافعه وأسبابه الفردية والخارجية.

ولقد اتجه نفر من الفقه حتى أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا وإلى اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى الجمع بين علمي الإجرام والعقاب وعدم الفصل بينهما ، والقول بأن علم العقاب ما هو إلا فرعاً من فروع علم الإجرام أو بالأحرى القول بأنه "علم الإجرام التطبيقي" . وأن هذا الفرع – علم الإجرام - له شقين ، أحدهما شق سببي Etiologique يهدف إلى تحديد مجموعة الأسباب التي تقف وراء تفشي ظاهرة الإجرام ، والأخر شق محض عقابي Répressive يتمثل في تحديد أنسب الأجزية الجنائية الواجب الأخذ بها لمكافحة ظاهرة الجريمة. وترجع رؤية عدم الفصل بين العلمين إلى أنه لا يمكن اقتراح صور الجزاء المناسبة أو اختيار المعاملة العقابية الملاءمة للمجرم دون الوقوف على كافة جوانب شخصيته والتعرف مجمل الأسباب والعوامل التي تقف وراء سلوكه الإجرامي .
والحق أننا لا ننكر وجود صلة بين العلمين قد تصل إلى حد التصاهر والاندماج ، صلة تعود إلى وحدة المنهج في الدراسة القائم على الملاحظة والتجريب وأن كلا الفرعين يلتقيان عند هدف أكبر هو العمل على مكافحة الجريمة. يضاف إلى ذلك أن كلا الفرعين يعد منطلق للأخر ، فلا يمكن دراسة الجزاء الجنائي - كمحور اهتمام علم العقاب - إلا بعد التعرف على أسباب الإجرام ذاته. وبالتالي فإن علم الإجرام - أو علم أسباب الظاهرة الإجرامية - هو مقدمه أولية وضرورية لعلم العقاب ، الذي يرمى إلى إصلاح المجرم وإعادته إلى حظيرة المجتمع الشريف مرة أخرى. فبناء على ما تسفر عنه أبحاث علم الإجرام من نتائج حول أسباب الظاهرة الإجرامية والعوامل الدافعة إليها يمكن تحديد أفضل الأساليب في مجال المعاملة العقابية ، كي يؤتي الجزاء الجنائي ثماره ويحدث أثره في نفس الجاني (الردع الخاص) وبقية أفراد المجتمع (الردع العام) .

بيد أننا نعتقد أيضاً – وعلى ما يتجه إليه الفقهاء منذ بدايات القرن العشرين - في استقلال العلمين بحيث يظل لعلم الإجرام موضوعة الخاص المقصور على الدراسة الوصفية لظاهرة الجريمة والدراسة التفسيرية لعوامل الإجرام. في حين يدخل علم العقاب في طائفة العلوم القاعدية أو المعيارية متجاوزاً دراسة الظاهرة في ذاتها لينشغل بتحديد أنسب طرق مكافحتها من خلال اقتراح عدد من الأجزية والتدابير التي قد تفي بإعادة تأهيل المجرم واندماجه في المجتمع من جديد . بمعنى أن علم الإجرام يدرس ما هو كائن بينما يدرس علم العقاب ما يجب أن يكون ، أو بعبارة أخرى يدرس علم الإجرام الواقع في حين يدرس علم العقاب الواجب .

25- رابعاً: علم الإجرام والسياسة الجنائية :
السياسة الجنائية La politique criminelle هي العلم القاعدي الذي يبحث فيما يجب أن يكون عليه القانون الجنائي مستقبلاً في مجال مكافحة الظاهرة الإجرامية لا فيما هو كائن بالفعل . وهكذا فإن علم السياسية الجنائية يهدف إلى اقتراح الوسائل الفعالة لمحاربة الظاهرة الإجرامية من خلال إعطاء الإرشادات والتوجيهات إلى كل من المشرع في مرحلة صياغة النصوص العقابية ، وإلى القاضي حال تطبيق تلك النصوص ، وإلى الإدارة العقابية حال تطبيق ما قضى به القضاء في حكمه.

وعلى هذا فالمساحة البحثية للسياسية الجنائية أوسع تهدف إلى القيام بدور "استشرافي" في مجال القانون الجنائي. فهذا العلم يبحث في الأفعال التي ينبغي أن تخرج من دائرة التجريم والأفعال التي قد يكون من الملائم تجريمها قي المستقبل. كما أنها تبحث في القاعدة القانونية في مرحلة اختيار الجزاء الجنائي فتنظر في مدى ملائمة الجزاءات القائمة وما هي صور العقوبات والتدابير المقترح الأخذ بها في مجال مكافحة الجريمة. وهكذا يمكن القول أن السياسة الجنائية ليست مجرد تصور فكري أو خيالي بل أنها التقييم الإيجابي للقواعد الجنائية الوضعية في مجال التجريم والعقاب .

ولدى البعض من الفقه فإن السياسة الجنائية تعد فرعاً من علم الإجرام ، إذ لديهم أن هذا الأخير لا يقتصر على دراسة أسباب الجريمة بل تمتد مهمته إلى اقتراح الوسائل اللازمة لتقويم المجرمين . ولا شك في خطأ هذا الرأي إذ تختلف السياسة الجنائية عن علم الإجرام من حيث طبيعة كل منهما. فبينما تعد السياسة الجنائية علماً قاعدياً يبحث في دراسة فن التشريع ومدى ملائمة التشريع القائم مع مقتضيات النظام الاجتماعي وما قد يستتبع ذلك من المطالبة بإلغاء قواعد قائمة أو اقتراح قواعد قانونية جنائية جديدة ، فإن علم الإجرام يعد من بين العلوم التفسيرية السببية المنصبة على البحث في تفسير ظاهرة الجريمة بحثاً واقعياً بعيداً عن إطار المفاهيم القانونية ، وذلك بدراسة الفعل الإجرامي كواقعة إنسانية ، وبدراسة شخصية الفاعل من مختلف جوانبه العضوية والنفسية والاجتماعية من أجل الوقوف على الأسباب والعوامل التي تقف وراء هذا الفعل.

غير أنه لا تنعدم الصلة كلياً بين علم الإجرام والسياسة الجنائية. ذلك أن السياسة الجنائية الفاعلة تعتمد في تقييمها للقواعد الجنائية المطبقة على النتائج التي وصلت إليها الدراسات في مجال علم الإجرام ، فتبلور تلك النتائج وتتولى صياغتها في صورة اقتراحات – ذات طبيعة قاعدية – تتوجه بها إلى القائمين على أمر التشريع وتطبيق القاعدة الجنائية وكذا القائمين على تنفيذ الجزاء الجنائي . فبناءً على ما وصلت إليه الدراسات الإجرامية من نتائج تتعلق بتنوع الشخصية الإجرامية وظروف وأسباب الإجرام فردياً واجتماعياً أمكن مثلاً تعميق اقتراحات السياسة الجنائية في مجال التفريد العقابي في مرحلة التطبيق وكذا في مرحلة التنفيذ.

غير أن أخذ علم السياسة الجنائية بما وصلت إليه الدراسات الإجرامية يظل مقيداً بالظروف والأعراف الاجتماعية والسياسية السائدة. فرغم أن بعض بحوث الجريمة أثبتت مثلاً أن بعض أسباب الانحراف تعود إلى التفكك الأسري أو أن إنشاء التجمعات الحضرية يعد من عوامل الإجرام ، فإنه لا يمكن للسياسة الجنائية أن تقترح إلغاء الحق في الطلاق أو اقتراح عدم إنشاء التجمعات الصناعية بحجة مكافحة الظاهرة الإجرامية .

26- خامساً : علم الإجرام وعلم الاجتماع القانوني الجنائي :
علم الاجتماع القانوني الجنائي La sociologie juridico-pénale هو أحد العلوم ذات الطبيعة القاعدية والذي يستهدف بالدراسة القواعد القانونية الجنائية لبيان وظيفتها ومدى أثرها على المجتمع وتأثرها به . ويتمايز هذا الفرع عن علم الاجتماع الجنائي criminelle La sociologie – أحد أفرع علم الإجرام - والذي يتناول بالدراسة الصلة التي تربط بين ظاهرة الجريمة وجملة العوامل الاجتماعية الطبيعية والسياسية والثقافية والبيئية وغيرها.

ويبدو التباعد قائماً بين كلا الفرعين ، من حيث أن علم الإجرام يسعى إلى تفسير ظاهرة الجريمة تفسيراً يتصل بشخصية المجرم وجوانبها الداخلية والظروف الاجتماعية المحيطة به ، بهدف الوصول إلى القوانين العامة التي تحكم هذه الظاهرة. أما علم الاجتماع القانوني الجنائي فيدرس النظام الجنائي القائم وكذلك تطبيقاته الموضوعية المختلفة كظاهرة اجتماعية. فإذا كان علم الإجرام يدرس الجريمة من الوجهة الاجتماعية بغية اكتشاف أثر العوامل الاجتماعية على الظاهرة الإجرامية ، فإن علم الاجتماع القانوني الجنائي إنما يدرس الشروط الموضوعية للقواعد القانونية ، ومن هنا يتصف هذا الفرع بأنه علماً قاعدياً .

ويكاد لا يلتقي علم الإجرام مع علم الاجتماع القانوني الجنائي إلا حيث يوجه هذا الخير نظر الباحث في علم الإجرام إلى مختلف العوامل التي تفاعلت لتشكيل القاعدة القانونية الجنائية ، وإبراز مدى توافق القاعدة القانونية أو تنافرها مع قيم المجتمع الاجتماعية .





المطلب الثالث
علم الإجرام وأفرع العلوم الجنائية التجريبية

27- تمهيد :
يرتبط علم الإجرام بطائفة أخرى من العلوم تسمى بالعلوم التجريبية أو العلوم السببية التفسيرية. فهي لا تتناول بالدراسة القواعد القانونية وإنما تتخذ من الفرد من حيث هو مرتكب الجريمة ومن السلوك الإجرامي باعتباره سلوكا إنسانياً موضوعاً لدراستها مرتكنة في تحليلها للجريمة والمجرم إلى منهج علمي يقوم على الملاحظة والتجربة.

28- أولاً : علم الإجرام وعلم الاجتماع الجنائي :
على نحو أشرنا إليه من قبل يهدف علم الاجتماع الجنائي Sociologie criminelle إلى الدراسة الوضعية التفسيرية للعوامل الاجتماعية أو الخارجية للجريمة ، سواء أكانت عوامل طبيعية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو بيئية. ويرجع إلى العالم الإيطالي أنريكو فيري فضل تأسيس هذا العلم ، بمثل ما يعود إلى دور كايم وجرسبيني فيما بعد في بلورة وضبط دور علم الاجتماع الجنائي في تفسير الظاهرة الإجرامية .

ووفقاً لما يرى الفقيه الإيطالي جرسبيني فإن موضوع علم الاجتماع الجنائي هو دراسة الظاهرة الاجتماعية للإجرام أي الوقوف على دراسة الجريمة بحسبانها ظاهرة اجتماعية Phénomène social مرتبطة بالمجتمع بأسره وليس بوصفها واقعة في حياة الفرد. على أن يؤخذ في الاعتبار الخصائص الكمية والنوعية للإجرام وتفاوتها من مجتمع إلى آخر وارتباط هذه الظاهرة بالظواهر الاجتماعية الأخرى .

ويعتمد علم الاجتماع الجنائي في استخلاص نتائجه على المنهج الإحصائي ، فضلاً عن الدراسة التاريخية للجريمة كماً ونوعاً في مختلف الأزمان. ويضم هذا العلم اليوم نوعين متخصصين من علم الاجتماع هما علم الاجتماع القانوني الجنائي La sociologie juridico-pénale ، وعلم اجتماع الانحراف La sociologie de la déviance ويمثلان معاً المعين الذي يستمد منه علم السياسة الجنائية الكثير من المعلومات في مجال اقتراح وسائل مكافحة الظاهرة الإجرامية .

وينظر البعض من الفقه إلى علم الاجتماع الجنائي بعين الشك ، وذلك بحجة أن إجرام الجماعة ما هو إلا حاصل جمع إجرام الأفراد ، وأن التعرف على أسباب الإجرام الفردي – من خلال علم الأنثروبولوجيا الجنائية - يؤدي وبالضرورة إلى معرفة أسباب الإجرام الجماعي ، دونما حاجة إلى تخصيص علم مستقل للبحث في العوامل الاجتماعية للجريمة. كما أنه من خلال علم الأنثروبولوجيا الجنائية لا يقتصر دوره على الإلمام بالعوامل الفردية للجريمة وإنما يمتد إلى محاولة تقصي كافة العوامل الاجتماعية أو الخارجية التي تقف وراء الإجرام ، مما يجعل وجود علم الاجتماع الجنائي تزيداً لا مبرر له .

والواقع أن هذا الرأي محل نظر ذلك أن الجريمة ما هي إلا ظاهرة شاذة واحتمالية في حياة الفرد في حين أنها ظاهرة ثابتة وحتمية في حياة الجماعة ، الأمر الذي يعلي من شأن الجريمة كظاهرة اجتماعية خليقة بتخصيص فرع لدراستها من هذا الجانب. كما أنه لا يغني وجود علم الأنثروبولوجيا الجنائية – الباحث في العوامل العضوية والنفسية للجريمة - عن اللجوء لعلم الاجتماع الجنائي ، بحسبان أن ما يسري من قوانين أكدتها الدراسات الإحصائية على جرائم المجموع لا يسري بالضرورة على جرائم الأفراد ، وأن التفسير المتكامل للجريمة لا يتأتى إلا من خلال هذين العلمين مجتمعين .

ويظهر لنا هكذا أن علم الاجتماع الجنائي ، كعلم تفسيري تجريبي ، هو شطر من علم الإجرام في مفهومه الواسع ، إذ هو يبحث – من بين كافة العوامل التي قيل بها في محاولة لتفسير الظاهرة الإجرامية – في دور العوامل الاجتماعية مع مراعاة الفوارق الكمية والنوعية بشأن الجريمة من مجتمع إلى آخر ، بل وفي المجتمع الواحد من آن إلى آخر .
29- ثانياً : علم الإجرام وعلم الأنثروبولوجيا الجنائية :
يرجع إلى لومبروزو فضل إرساء الدعائم الأولى لعلم الأنثروبولوجيا الجنائية أو علم طبائع المجرم Anthropologie criminelle ، عندما أصدر في عام 1871 الطبعة الأولى من مؤلفه "الإنسان المجرم" . ويهدف هذا الفرع إلى الكشف عن العوامل الفردية للإجرام ، وذلك من خلال دراسة الصفات العضوية والنفسية للإنسان المجرم. وهكذا فيبحث في أثر التركيب الخارجي والداخلي وافرازات الغدد والطباع الغريزية والوراثية ومدى تأثير ذلك كله على المجرم.

وبالتالي فإن هذا العلم يتفرع إلى قسمين كبيرين : أحدهما هو علم البيولوجيا الجنائية أو ما يسمى بعلم الإجرام البيولوجي أو العضوي Biologie criminelle ou criminologie biologique ، الذي يتركز على بيان أثر الجوانب العضوية والأبعاد الوراثية في شخصية المجرم. والأخر يعكف على بيان أثر الصفات والاستعدادات النفسية للمجرم ، ويضطلع بها علم النفس الجنائي أو ما يسمى بعلم الإجرام النفسي Psychologie criminelle ou criminologie psychologique ، ذلك أن الإنسان جسد وروح وكلاهما يؤثر في الأخر ، وأن التكوين العضوي الخارجي والداخلي لا شك له أثره على الاستعداد النفسي للشخص .

والواقع أن علم الأنثروبولوجيا الجنائية هو الأخر بضعة من علم الإجرام. ويكفينا دليلاً على تلاحم العلمين معاً الإشارة إلى أن التحليل الوصفي للظاهرة الإجرامية قد اعتمد لحقب طويلة على التفسير العضوي والنفسي لشخصية المجرم وفقاً لما أثبتته الدراسات الأنثروبولوجية.
30- ثالثاً : علم الإجرام وعلم الطب العقلي الجنائي :
يعكف علم الطب العقلي الجنائي La psychiatrie criminelle على دراسة مختلف الأمراض العقلية من حيث تأثيرها على توجهات الفرد الإجرامية. فتفسير السلوك المنحرف وكذا السلوك الإجرامي ، باعتبارهما من بين أنماط السلوك الإنساني ، يتوقف في كثير من الأحيان على النتائج التي يقدمها هذا العلم. ومن تلك الزاوية يرتبط هذا الفرع بتطبيق القانون الجنائي. ولعل القانون الجنائي يدين في بعض نظرياته – وأهما نظرية المسئولية وموانعها – إلي العديد من الأفكار التي طرحها هذا العلم .

وهكذا يمكننا أن نصنف علم الطب العقلي الجنائي ضمن طائفة العلوم المسماة بالعلوم الجنائية المساعدة Les sciences criminalistiques وهي علوم غير قاعدية لا تدرس القاعدة القانونية ، ولكنها تدرس بعض الظواهر ذات الصلة بالجريمة ، ومن هنا تظهر الصلة غير المباشرة لهذا العلم بعلم الإجرام .

31- رابعاً : علم الإجرام والطب الشرعي :
الطب الشرعي La médicine légale فرع من العلوم التي تستند إلى جملة من القواعد الطبية والبيولوجية اللازمة في تجميع الأدلة الجنائية وكافة أوجه التطبيق العملي الجنائي من أجل حسم بعض المشاكل القانونية والقضائية ، كتشخيص الإصابات وتحديد أسبابها ، وكتشريح الجثة لمعرفة السبب الحقيقي للوفاة ، وكذلك التحليل الكيميائي لبيان طبيعة وخواص المادة السامة في جرائم القتل بالتسميم ومضاهاة الخطوط وتحليلها لتحديد شخصية المتهم في مجال جرائم التزوير . وقد أسدى هذا العلم خدمات جليلة لعلم الإجرام ، خاصة في الفترات التي كانت تسود فيها نزعة الربط بين السمات التكوينية للشخص وبين نمط معين من فصائل الإجرام ، إذ كان جل القائلين بتلك النزعة من بين علماء الطب الشرعي.

32- خامساً : علم الإجرام وعلم التحقيق الجنائي :
يهدف علم التحقيق الجنائي إلى دراسة طرق إثبات الجريمة والبحث عن مرتكبيها كمطابقة البصمات وتعين وفحص الأدوات المستخدمة في ارتكاب الجريمة وأجهزة التصوير وأجهزة كشف الكذب . وليست لهذا الفرع من صلة مباشرة في علم الإجرام إلا بقدر ما يبين من ربط بين نمط إجرامي معين وبين الطرق المستخدمة في ارتكابه.

33- سادساً : علم الإجرام وعلم النفس الجنائي :
علم النفس الجنائي أحد العلوم الجنائية المساعدة وكذا أحد فروع علم النفس التطبيقي الذي يختص بدراسة الظواهر النفسية لمختلف المساهمين في سير الدعوى الجنائية ، بدءً بالمتهمين مروراً بالمحامين وقضاة التحقيق وأعضاء النيابة والشهود والخبراء على اختلافهم وانتهاءً بالقضاة .

وربما لا توجد صلة مباشرة لعلم الإجرام بعلم النفس الجنائي إلا بالقدر الذي ترتبط فيه الجريمة بمظاهر نفسية معينة ، يساهم الكشف عنها في جلي ما خفي حول الجريمة ، كأن يعود الجاني للإجرام بدافع الثأر من الظلم القضائي الذي وقع عليه ، سواء أكان هذا ظلماً بالفعل تشكل في صورة انحراف قضائي ، أو كان الجاني يتوهم أنه ظلم . كما يرتبط هذا العلم بعلم الإجرام لدى من يدخلون في اهتمامات علم الإجرام جانب الوقاية من الجريمة ، ذلك أن الوقوف على الجوانب النفسية للمتهم من قبل المحققين والقضاة يمكن من اختيار الجزاء الجنائي المناسب والذي يصل بالمتهم إلى التأهيل الاجتماعي في أسرع وقت ممكن.

المبحث الرابع
منهج وأساليب البحث في الظاهرة الإجرامية

34- تمهيد وتقسيم :
أمكن لنا مما سبق ذكره الكشف عن غاية علم الإجرام - باعتباره علماً تفسيرياً سببياً وليس فلسفةً - ألا وهي تفسير الظاهرة الإجرامية وتحديد عواملها ، سواء المتصلة بالفرد أو بالمجتمع ، تمهيداً للوصول إلى القوانين العامة التي تحكم تلك الظاهرة. ولما كانت هذه الأخيرة ليست إلا حدث عارض في حياة الفرد ، في حين أنها ظاهرة حتمية وثابتة في حياة الجماعة ، فكان لابد لطرق البحث في هذه الظاهرة أن تتنوع بين أساليب بحث فردية ، تتصل بشخص المجرم ، وأخرى اجتماعية ، تتصل بالجريمة ذاتها.

ويجب أن نشير قبل الولوج في تلك النقطة إلى أن منهج البحث في هذا النمط من الدراسات يتبع في الغالب من الأحيان منهجاً علمياً استقرائياً يعتمد على الملاحظة Observation والتجربة Expérimentation بغية التوصل للقواعد والقوانين العامة التي تحكم الظاهرة الإجرامية . غير أن هذا المنهج يواجه مشاكل كثيرة تنبع من كونه يتصل عموماً بالشخصية الإنسانية ، تلك التي تتأثر بجملة من العوامل المتغيرة ، الأمر الذي يعطي للتجربة وللملاحظة في نطاق الدراسات الإجرامية مدلولاً مغايراً عنها في العلوم الطبيعية . فالجريمة والمجرم مثلاً لا يمكن أن يخضعا للتجربة ، وكل ما يمكن تجربته هو تطبيق نظام عقابي معين ودراسة نتائجه. بل وحتى في هذا النطاق الضيق لا يمكن القول بأن في الأمر تجربة. ذلك أنه لا يمكن المقارنة بين نتائج هذا النظام ونتائج نظام آخر على ذات المجرم .

وحتى لو أمكن إجراء التجربة من الناحية النظرية فيمكن أن يشكل الأمر مساس بالحرية الشخصية. فلو جئ بتوءمين ووضعا في بيئتين مختلفتين إحداهما صالحة والأخرى فاسدة من أجل معرفة أثر العوامل الاجتماعية على سلوكهما الإجرامي لكان ذلك عدوان على آدمية من وضع في بيئة فاسدة ، حيث صار مجرماً رغم إرادته .

كما أن الملاحظة – بمعنى الإدراك الحسي المباشر Perception directe – أمر نادر الحدوث ولا يمكن الوصول إليه إلا بمحض الصدفة (كما في سرقات البنوك والمحلات الكبرى التي تستخدم الكاميرات في مراقبتها) ، أو في حالة تطبيق النظم الحديثة في المعاملة العقابية التي تسمح بترك المجرم في الوسط الحر مع رقابته بوسائل مختلفة ، بعضها قد يكون الكترونياً. فكل ما يمكن ملاحظته في الواقع هو أدلة الجريمة والآثار التي تخلفت عنه (كيفية فتح خزينة أو الوسائل الاحتيالية ، أوراق النقد المزيفة...الخ) .

كل هذا أوجب الارتكان إلى طرق أخرى – فضلاً عن الملاحظة والتجربة - من أجل تحديد الأسباب والعوامل التي تقف وراء الظاهرة الإجرامية ، وكلها أساليب تتفق مع طبيعة العلوم الإنسانية ، ولعلماء الاجتماع الفضل الأكبر في استخلاصها.

وآياً ما كانت الوسيلة المتبعة في البحث فإن هناك عدة قواعد يتعين على الباحث في علم الإجرام الالتزام بها حتى تصدق النتائج المستخلصة .

أول هذه القواعد تتصل بوجوب تعدد مستويات التفسير Niveaux d’interprétation ، ففحص الجريمة كظاهرة لا بد أن يختلف عند بحثها كحالة فردية ، ويختلف الأمر في الحالتين عن فحص المجرم ذاته. فكل من هذه المستويات الثلاث – الظاهرة الإجرامية ، الجريمة ، المجرم – طرق وأساليب بحث مختلفة.

كما أن على الباحث أن يحرص على الوصف الكامل والدقيق للوقائع محل البحث ، وهذا ما يعرف بمبدأ سيادة الوصف Principe de primauté de la description. وما كل ذلك إلا لأن الدراسات الإجرامية في عمومها دراسات وصفية. ويقترن بذلك مباشرة وجوب الحرص على المعالجة الفارقية Approche différentielle ، أي الحرص على الوقوف على الفروق الدقيقة التي تميز المجرمين عن غيرهم من غير المجرمين ، أو الوقوف على الفرق بين مجرم وآخر داخل الطائفة الواحدة من المجرمين.

ويجب على الباحث في مجال الدراسات الإجرامية أن يستبعد من دائرة اهتمامه الأنماط المحددة من المجرمين المرضي وفقاً للأعراض الوصفية المقررة من قبل طب الأمراض العقلية L’élimination des types psychiatriquement définis ، فهذه الأنماط تدخل في نطاق الدراسات الطبية دون الإجرامية.

المطلب الأول
أساليب البحث الفردية

35- تقسيم :
وسائل البحث الفردية Etude individuelle du cas جملة من الوسائل على تنوعها تهدف إلى دراسة مختلف جوانب شخصية المجرم بغية تقصي الأسباب التي دفعته إلى الجريمة. ويمكن أن نذكر من بين تلك الوسائل الفحص العضوى والنفسي للمجرم ، ودراسة تاريخ المجرم عن طريق الملاحظة والاستبيان والمقابلة وأخيراً دراسة الحالة.

36- أولاً : الفحصL’examen :
يقصد بهذه الوسيلة الفحص البيولوجي أو الجسماني للمجرم ، وكذا فحصه النفساني والعقلي بهدف الربط بين سماته العضوية والنفسانية من جهة وبين سلوكه الإجرامي من جهة أخرى ، بهدف الخروج من هذا الفحص الفردي بقاعدة يمكن تعميمها على الحالات الأخرى . وعلى ذلك يمكننا أن نميز بين نوعين من الفحص ، أحدهما بيولوجي والآخر نفسي وعقلي.

37- أ : الفحص البيولوجي :
قد يتصل الفحص البيولوجي بأعضاء الجسم الظاهرية فيسمى فحصاً خارجياً ، وقد يكون داخليا إذا ما اتصل بوظائف أجهزة الجسم.


38- الفحص البيولوجي الخارجي :
يهدف هذا النوع من الفحص إلى محاولة الربط بين بعض السمات الخلقية للفرد وبين سلوكه الإجرامي . ويعتبر العالم الإيطالي لومبروزو هو أول من أثار الانتباه للفحص العضوي للمجرم وما يترتب على هذا الفحص لأعضاء الجسم الظاهرية من نتائج خاصة بالنزعات الإجرامية. وتبع لومبروزو عدد آخر من العلماء ممن حاولوا إيجاد صلة بين الإجرام والعيوب الخلقية. فوجود عاهة عضوية خارجية كانعدام السمع أو البصر أو النطق أو فقدان ذراع أو ساق قد تترك أثرها على نزعات وسلوكيات الفرد الإجرامية.

كما أن انعدام التناسب بين أطراف الجسم بعضها البعض قد يكشف عن خلل في الناحية النفسية أو الخلقية للمجرم. فصغر الدماغ أو كبره ، وجحوظ العينين أو شذوذ الأنف أو بروز الجبهة أو شكل الأذنين أو الأسنان قد يكون دلالة على ميل إجرامي معين.

ولا ينصب الفحص البيولوجي الخارجي على أعضاء الجسم الخارجية فقط ولكن قد يمتد إلى الجلد. فيشمل مثلاً آثار الجروح التي تظهر في أعلى الرأس من أمام أو من الخلف من حيث دلالتها على ميل إلى ارتكاب الجرائم ضد الأشخاص وجرائم الدم خاصة. كما أن آثار الجروح من أيمن أو من أيسر قد تعطي دلالة على سقوط الشخص فجأة على أثر تشنجات عصبية. فضلاً عن أن فحص الوشمات على الجلد قد يكشف لدى البعض عن انعدام أو قلة الإحساس بالألم أو قد يكشف عن وجود رغبات غريزية دفينة .

والواقع أنه يصعب تعميم نتائج الفحص البيولوجي الخارجي على كافة الأفراد في تفسير نزعاتهم ومسلكهم الإجرامي ، خاصة وأن التفسير البيولوجي للجريمة قد تم تجاوزه بتفسيرات أخرى أكثر انضباطاً من الناحية العلمية.



39- الفحص البيولوجي الداخلي :
يلي مرحلة الفحص الخارجي مرحلة الكشف عن الخلل الذي قد يظهر في وظائف الأعضاء الداخلية للمجرم. ويشمل هذا النوع من الفحص الأجهزة الداخلية للجسم كالجهاز التناسلي والجهاز البولي والجهاز العصبي والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي. فما من شك أن اختلال عمل هذه الأجهزة قد يؤثر على الناحية السلوكية للفرد ، وكذا ميله ناحية الإجرام. ولنا أن نذكر على سبيل المثال أن الخلل الحاصل في الجهاز التناسلي قد يوجه الفرد ناحية ارتكاب جرائم الفعل الفاضح أو جرائم العرض. كما قد يكون لاضطراب الجهاز العصبي ارتباط بالأفعال العنيفة الصادرة عن الأشخاص ، لا سيما ارتكابهم للجرائم العاطفية وجرائم الدم. فقد لوحظ وجود حركات شاذة في الجفون واللسان والرقبة واليدين لدى بعض المجرمين نتيجة وجود خلل في سير الجهاز العصبي .

ولدراسة وفحص وظائف الغدد نصيب كبير من الاهتمام لما أمكن ملاحظته من صلة بين الإفراط في افرازات الغدة الدرقية وبين الميل إلى جرائم العنف كالقتل والضرب والجرح. وقد يعود الخلل الغددي إلى وجود اضطراب في الجهاز العصبي للفرد ناشئ أحياناً عن إدمان بعض أنواع المخدرات أو الخمور.

كما قد يشمل هذا الفحص دراسة مدى استجابة المجرم للمحيط الخارجي ، إذ تبين أن بعض الأفراد يزيد لديهم الإحساس بتقلبات الجو ، مما يؤدى إلى اضطرابهم وتغير أمزجتهم ، بما يدفعهم أحياناً إلى سلوك بعض المسالك العدوانية.

40- ب : الفحص النفسي والعقلي :
ينصب الفحص النفسي والعقلي على دراسة المكنون الداخلي من عواطف وغرائز تعتمل بالفرد بهدف الوقوف على مختلف الاضطرابات النفسية والعقلية ومعرفة مدى صلتها بنزعات الفرد الإجرامية.

ونظراً لتأثير الحياة النفسية للفرد على مسلكه العدواني فقد نشأ علم مستقل عن علم الإجرام هو علم النفس الجنائي ، شاملاً بدراساته مختلف الجوانب النفسية من نزعات وميول وردود أفعال خاصة بالمجرم. ويقوم على هذا الفرع جانب من الباحثين المتخصصين Psychanalystes يأملون في التعرف على الجانب المستتر في الشعور والعقل الباطن لدى المجرم بهدف الوقوف على تشخيص الاضطراب النفسي الذي أودى به إلى طريق الجريمة. وعادة ما يتم هذا الفحص عن طريق استجواب المجرم وملاحظة تصرفاته وانفعالاته حال ذلك .

ولنا أن نذكر هنا نوعين من الاختبارات التي أمكن اللجوء إليها في مجال الفحص النفسي للمجرم ، الأول يسمى اختبار رورشاخ Rorschach ، والأخر يسمى اختبار موري Mory. فأما الأول فيتمثل في عرض عشر بقع حبر أياً كان لونها على المجرم محل الفحص ، دون أن يكون لهذه البقع شكل معينForme indéterminée أو معنى واضح. ويطلب إلى الفرد بيان ما تفصح عنه تلك البقع من أشياء ودلالات ، وأوجه الشبه بينها وبين أشياء ووقائع أخرى. ويتم بعد ذلك تسجيل انطباعات هذا الفرد وردود فعله المختلفة على أن يؤخذ في الاعتبار الوقت الذي استغرقه في إبداء ملاحظاته. وعقب الانتهاء من تسجيل ملاحظات الفرد يتم سؤاله عن مكان وسبب ووسيلة رؤيته لتلك الأشياء أو الوقائع التي ذكرها ، وعن طريق تحليل البيانات التي أدلى بها يمكن الكشف عن الاضطرابات النفسية التي يعاني منها المجرم .

أما اختبار موري ، أو ما يسمى اختبار فهم الموضوع ، فيتمثل في عرض ثلاثين صورة مهتزة Images floues على الفرد محل الفحص مختارة بطريقة عفوية من الحياة العامة قد تنصب على أشخاص أو أحداث أو أشياء. ويطلب من الشخص أن يروي للطبيب رواية قصة عما يراه في كل صورة من الصور الثلاثين. ويتم تسجيل روايات الفرد محل الفحص وانفعالاته ، ثم يتولى الطبيب المحلل من خلالها الكشف عن ما قد يعتمل بداخل المجرم من خلل نفسي .
وعادة ما يعود الخلل النفسي إلى اضطراب في الشعور لدى المجرم بشقيه الغريزي والعاطفي ينعكس بالضرورة على ميوله ودوافعه . وقد ينشأ السلوك الإجرامي كنتيجة لخلل كمي في هذه الغرائز ، زيادةً أو نقصاً ، أو لشذوذ كيفي في صورة إشباع الغريزة بطريقة غير عادية. فقد يؤدي الخلل الكمي في غريزة الاقتناء إلى ارتكاب جرائم الأموال كالسرقة والنصب وخيانة الأمانة. وقد تؤدي مظاهر الخلل الكمي في الغريزة الجنسية إلى ارتكاب جرائم الاغتصاب والفعل الفاضح وهتك العرض. كما أن الشذوذ الكيفي لنفس الغريزة (الغريزة الجنسية) قد يقف وراء ارتكاب جرائم هتك عرض الصغار أو اللواط والمساحقة (العلاقات الجنسية بين بني الجنس الواحد). كما أن الإفراط في غريزة البقاء قد تدفع صاحبها إلى ارتكاب جرائم العنف كالقتل والجرح. كما أن ضعف تلك الغريزة قد يدفع الفرد إلى الانتحار ، زهداً أو كرهاً في الدنيا .

ولا يقتصر البحث على الجانب النفسي فقط بل يمتد إلى بحث الجوانب العقلية ، الأمر الذي يمكن من فهم بعض المظاهر السلوكية الصادرة عن الشخص المجرم. فقد لوحظ أن الملكات الذهنية لدى المجرمين تقل عن المتوسط الذي يتوافر لدى الرجل العادي. فقد يصاب الخيال أو التصور - كأحد الملكات العقلية - بخلل لدى المجرم يؤدي به إلى المبالغة في بعض الأمور الواقعية (الشعور الزائد بالكيان الذاتي) أو بالإنشاء الخيالي لأمور لا وجود لها (كاعتقاد المرء خطأ بأنه مضطهد). الأمر الذي قد يدفع من يصاب بمثل هذا الخلل إلى الوقوع في بؤرة الإجرام ، الذي عادة ما يتصل باستخدام وسائل احتيالية كجرائم النصب .

41- ثانياً : دراسة تاريخ المجرم :
عادة لا يفي الفحص البيولوجي والنفس في الكشف عن ما يقف وراء الجريمة من دوافع وعوامل ، لذا كثيراً ما يلجأ إلى دراسة تاريخ حياة المجرم منذ بدء تكوينه وميلاده إلى اللحظة التي ارتكب فيها الجريمة ، بهدف الإلمام بكافة الظروف الاجتماعية التي أحاطت به في محيط الأسرة والمدرسة والعمل والخبرات التي اكتسبها والعادات التي ألفها ، وكذا الأمراض التي ظهرت لدية أو لدي أقرانه...الخ. فماضي المجرم بكل ما فيه لا شك يقف وراء جريمته التي أخضعته للدراسة.

والواقع أن الكشف عن الماضي الذي يغلف حياة المجرم عادة ما يتم بأساليب الملاحظة والاستبيان والمقابلة ودراسة الحالة. وسوف نوالي بيان تلك الطرق على التوالي.

42- أ : الملاحظة L’observation :
تمثل الملاحظة أولى مراحل المنهج العلمي ، وهي أحد أدوات المنهج الاستقرائي ، كما أنها تسبق التجربة. وهي في مجملها تقوم على رصد ومراقبة ظاهرة من الظواهر بهدف استخلاص القاعدة العامة التي تحكمها ، ويمكن أن تحكم باقي الظواهر المشابهة لها.

وتجري الملاحظة في مجال الدراسات الإجرامية عن طريق الدراسة الميدانيةField Research ، أي المراقبة المباشرة للمجرم ودراسته المجرم في الوسط الحر ، سواء أكان مجرماً بالغاً أو حدثاً صغيراً ، عاقلاً أو مجنوناً ، مريضاً أو معافى ، بهدف استخلاص القوانين العامة التي تحكم تفسير السلوك الإجرامي. وقد استخدم العالم شلدون جلوك Sheldon Glueck أسلوب الملاحظة التجريبية في التحقق من مدى ارتفاع معدل إجرام الأحداث في ضواحي مدينة بوسطن Boston على أثر إعادة تخطيطها. ولقد اختار لذلك عدد 500 شاب جانح وعدد أخر مساوي من غير الجانحين ممن تتماثل ظروفهم في السن ومستوى الذكاء والمستوى الاجتماعي .

وللملاحظة ضمانات يجب توافرها حتى تؤتي ثمارها ولاعتمادها طريق بحث في مجال الدراسات الإجرامية ، أهما خبرة وموضوعية القائم بالملاحظة. فبدون الخبرة لا تضمن سلامة التقدير والاستنتاج ، وبدون الموضوعية قد يحتكم الباحث إلى نزعاته الشخصية ويعتمد في استخلاص نتائجه على الأحكام والانطباعات المسبقة بشأن المجرم محل الملاحظة.

وللملاحظة نوعين : أحدهما ملاحظة بسيطة ، والأخرى مركبة . وتكون الملاحظة بسيطة إذا ما اقتصرت على مشاهدة المجرم أو الاستماع إليه فقط. ويتم ذلك دون اللجوء إلى أية طرق فنية أخرى للتأكد من صدق المعلومات التي يتوصل إليها الباحث. فهي إذن تعتمد على قدرة هذا الأخير الذاتية على الرصد والتسجيل.

وقد تتم الملاحظة البسيطة بطريق المشاركة Avec participation أو بدون مشاركة Sans participation . وتستوجب الملاحظة بالمشاركة من القائم بالدراسة النزول إلى الميدان مخفياً شخصيته بهدف الاندماج وسط الجماعة الإجرامية موضوع الدراسة حتى ليبدو وكأنه فرد منهم. ولاشك أن هذا الأسلوب قد ينطوي عدم الموضوعية نتيجة تأثر الباحث بالوسط الذي اندمج فيه ومشاركته لعواطف وانفعال أفراده. ورغم ذلك فقد يمكن هذا النوع من الملاحظة من التحقق من صدق أو زيف الإقرارات الصادرة عن أفراد الجماعة محل الملاحظة.

وعلي العكس من ذلك تجري الملاحظة بدون مشاركة ، إذ يكشف الباحث عن حقيقة مهمته ويكون اندماجه بينهم قائماً على رضائهم ، وعادة ما يتم هذا الاندماج بصورة جزئية. ولا يخفى ما يكتنف هذا الأسلوب من صعوبات تنشأ غالباً نتيجة عزوف الأفراد عن التعاون مع القائم بالملاحظة خوفاً من افتضاح أمرهم ، خاصة إذا ما تعلق الأمر بدراسة نشاط العصابات الإجرامية المنظمة.

وتكون الملاحظة مركبة أو منظمة إذا ما استعان الباحث ببعض الأدوات التي تسهل له عملية جمع المعلومات مثل الاستمارات أو الاختبارات أو أجهزة قياس الملامح وأجهزة التسجيل والتصوير. ولا شك أن الاستعانة بهذه الأدوات يضفي الدقة على المعلومات التي يتحصل عليها القائم بالملاحظة. كما أنها تضمن حياد الباحث وابتعاده عن التأثر بأحكامه المسبقة على الأفراد محل الدراسة والتخلص حال الملاحظة من نزعاته الذاتية وانطباعاته الخاصة .
43- ب : الاستبيان Questionnaire :
الاستبيان طريق من طرق دراسة الجانب الاجتماعي لحياة المجرم ، يستهدف جمع البيانات اللازمة لقياس عوامل تكوين الظاهرة الإجرامية . ويتم الاستبيان في شكل استمارة تتضمن عدد من الأسئلة ، توجه إلى الأفراد محل البحث ويطلب إليهم تسجيل إجابتهم في غير حضور الباحث الذي تولى صياغة الأسئلة. وتنصب هذه الأسئلة غالباً على أسباب ارتكاب الجريمة. وهي تدور حول سبعة أسئلة صاغها عالم الدراسات الإجرامية "سيلج Seelig" في شكل أدوات الاستفهام : من وماذا وأين وبماذا ولماذا وكيف ومتى. وتتصل تلك الأدوات بالمجني عليه والمحل والمكان والوسيلة والباعث وظروف ووقت ارتكاب الجريمة .

ولا شك أن للاستبيان كأحد أساليب دراسة الفرد المجرم - إذا ما أحسن صياغة أسئلته – دور هام في الحصول على بيانات من الفرد موضوع البحث مباشرة حول الظاهرة الإجرامية ، دون تدخل من جانب الباحث بما قد يؤثر عليه حال الإجابة. ومن المؤكد أن عدم حضور الباحث عملية الإجابة عن الأسئلة المقدمة في استمارة الاستبيان ما يشجع الفرد محل البحث على الإجابة عن كافة أنواع الأسئلة دون حرج ، خاصة إذا ما اتصلت الأسئلة بنوعية الجرائم ذات الطابع الجنسي .

ورغم تلك المزايا فإن الاستبيان لا يخلو من بعض المساوئ. لعل أهمها قصره على من يعرف القراءة والكتابة مما يجعل عينة البحث غير ممثلة تمثيلاً صحيحاً. وبالتالي لا يعطي هذا الأسلوب نتائج دقيقة حول السلوك الإجرامي للأفراد في المجتمعات التي تزيد فيها نسبة الأمية ، وهو الحال بالنسبة للمجتمع المصري الذي تبلغ نسبة الأمية فيه أكثر من خمسين بالمئة من مجموع السكان. وعلاوة على ذلك فإن الإجابات المقدمة من الأفراد موضوع البحث قد تكون خادعة ، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن بعض الأسئلة قد تتصف بالعمومية بما لا يمكن من الوقوف على بعض التفصيلات المتصلة بالجريمة ، وأن بعض الأفراد قد يمتنعون عن الإجابة عن بعض الأسئلة لعدم اهتمامهم بالموضوع ، ومنهم من يفهم السؤال على غير المدلول المباشر له ، أو يعطي إجابات مبالغ فيها أو غير صحيحة.

44- ج : المقابلة Interview:
إذا ما كان الاستبيان وسيلة بحث تجري في غياب الباحث ، فإن المقابلة تتميز بأنها وسيلة مباشرة تمكن من الاتصال بين الباحث والفرد محل الدراسة. ففيها يتقابل الباحث وجها لوجه مع الفرد ويقوم بنوع من الاستجواب يمكنه من تجميع كافة المعلومات والبيانات حول وقائع معينة وعن الحالة النفسية والاجتماعية للمجرم . وعادة ما تستخدم هذه الوسيلة في النطاق الذي لا تصل إليه أيدي السلطات ، كمقابلة أصحاب المحلات للوقوف على حجم السرقات ، أو مديري المستشفيات للكشف عن حالات الإجهاض غير المشروع .

وللمقابلة مزايا متعددة ، جعلت منها أكثر سبل البحث في علم الإجرام استخداماً. فتلك الوسيلة تشمل كافة المستويات الطبقية من الأفراد وآياً كان حظهم من التعليم. كما أن حضور الباحث يساعده على الحصول على معلومات أكثر دقة بعيداً عن الإجابات أو الانفعالات المزيفة. وقد توحي المقابلة وإجابات الأفراد للباحث بطرح أسئلة إضافية لم تكن في ذهنه من قبل. بل إن في حضور هذا الأخير ما يمكنه من إقامة علاقة ثقة وتفاهم مع المجرم محل البحث ، وهو ما يساعده على فهم دوافعه والوقوف على حقيقة العوامل التي دفعته إلى ارتكاب الجريمة.

45- د : دراسة الحالة Etude du cas :
يقصد بدراسة الحالة في مجال الدراسات الإجرامية تلك الوسيلة العلمية لجمع البيانات الخاصة بوحدة اجتماعية بأكملها سواء أكانت مجرم واحد أو بمجموعة من المجرمين (عصبة مثلاً) ، بهدف تحليل نفسيتهم وفحص حالتهم العضوية والكشف عن ظروفهم الاجتماعية. ويشمل ذلك البحث ماضي الفرد وحاضره والتعرف على مختلف الجوانب المتعلقة بشخصيته. ومن ذلك رصد مختلف الظروف الاجتماعية التي مرت بالمجرم والحوادث التي صادفته والخبرات التي اكتسبها ، وطرق تنشئته الاجتماعية وعاداته وتقاليده وعلاقاته مع الآخرين .

ويعود إلى العالم الأمريكي وليام هيلي Healy فضل استخدام هذا الأسلوب في مجال دراسات جناح الأحداث منذ عام 1915 ، حينما أجرى دراسات مستفيضة حول النواحي النفسية والعضوية والاجتماعية التي قد تدفع الحدث للانحراف .

بيد أن لدراسة الحالة كأسلوب بحث في نطاق الدراسات الإجرامية تطبيقات أخرى متعددة ، منها ما قام به سير سيرل بيرت حينما أجرى بحثاً للكشف عن عوامل جنوح الأحداث في لندن. واختار لذلك عينة تجريبية تضم مائتي حالة ما بين حدث جانح من الذكور والإناث ، ومجموعة ضابطة أخرى مكونة من مائتي حدث غير جانح ، مع مراعاة التماثل بين المجموعتين من حيث السن والحالة الاجتماعية والقدرات الذهنية. وقد توصل الباحث في نهاية دراسته إلى تعدد العوامل المسببة للجنوح ، وإن كانت أغلب العوامل قد تمثلت في اضطراب الظروف الأسرية والخل في محيط الأصدقاء ، وكذا الخلل العقلي والنفسي.

ويمكننا أن نذكر مثالاً أيضاً الدراسة التي قام بها العالم شلدون جلوك وزوجته إليانور Sheldon Glueck and Eleanor عن جنوح النساء. خلالها اختار هذان الباحثان عينة تجريبية تضم خمسمائة امرأة جانحة ومجموعة أخرى ضابطة تشمل خمسمائة امرأة ممن يتمتعن بحس السير والانضباط القانوني. وقاما بتجميع بيانات عن الحالة العقلية والنفسية والاجتماعية والتاريخ الأسري والشخصي لنساء المجموعتين. وعلى أثر ذلك نجح الباحثان في وضع جداول تفسر السلوك الإجرامي لكل امرأة وتحدد درجة خطورتها الإجرامية وتتنبأ بمستقبلها الإجرامي. وفي ضوء ذلك قسم الباحثان النساء محل الدراسة إلى مجموعتين : الأولى تضم النساء غير الخطرات ممن يمكن الإفراج عنهن قبل انتهاء مدة العقوبة وفقاً لنظام العفو أو الإفراج تحت شرط. والثانية تشمل النساء الخطرات ممن اعتدن الجريمة ، وأودعن من قبل احدى المؤسسات العقابية ، ويحتجن لنظام عقابي أكثر فاعلية .

ويتصف أسلوب دراسة الحالة في مجال دراسة المجرم بصفة الشمول ، لكونه لا يعتمد على طريقة معينة في تجميع المعلومات ، بل يقوم على الجمع بين طرق مختلفة كالملاحظة أو المقابلة أو الاستبيان. وقد يشمل فضلاً عن الشخص المجرم مجموعة من الأشخاص المحيطين منه كالأقارب والأصدقاء. كل ذلك يساعد على التوغل في تفسير السلوك الإجرامي لدى فرد معين أو طائفة من الأفراد.

غير أنه يعيب هذا الأسلوب أنه قد يحمل شائبة تأثر الباحث بأفكاره الخاصة وقناعاته المسبقة عن الظاهرة الإجرامية ، مما قد يجرد البحث والباحث من صفات الموضوعية والحياد والتعميم ، ويصم نتائجه بالشك ، يصعب معه أن تمتد إلى ظواهر أخرى مماثلة. ولا شك أن ذلك يكون أكثر انطباقاً إذا كان الباحث من بين الأشخاص المكلفين من جهات رسمية بالقيام بتلك الدراسات ، حيث يكون الباحث عادة أسير متطلبات وظيفته ، ووجهات نظر رؤساءه ، الأمر الذي يباعد بين هذا النوع من الدراسات وبين وصف الدراسة العلمية .

المطلب الثاني
أساليب البحث الاجتماعية

46- تقسيم :
تهدف أساليب البحث الاجتماعية Etude sociologique du cas إلى تقصي حقائق الظاهرة الإجرامية بحسبانها ظاهرة حتمية وثابتة في حياة المجتمع. وتكاد تنحصر هذه الأساليب في طريقين هما أسلوب الدراسة الإحصائية وأسلوب المسح الاجتماعي.

47- أولاً : الدراسة الإحصائية Etude statistique:
48- تقسيم :
يستوجب منا العرض لأسلوب الدراسة الإحصائية في مجال الدراسات الإجرامية الكشف عن مضمون هذه الوسيلة ، ومصادر الإحصاءات الجنائية في جمهورية مصر العربية ، ثم بيان نظم الإحصاءات الجنائية المتصلة بالجريمة والمجرمين ، وأخيراً تقديرنا لهذه الوسيلة من وسائل البحث.

49- أ : مضمون الأسلوب الإحصائي :
للإحصاء معنى عام يتحصل في كونه أحد الأساليب العلمية التي تتضمن جمع مادة عن ظاهرة معينة. وله أيضاً معنى خاص يقصد به مجموعة من الوقائع العددية حول ظاهرة من الظواهر. أي التعبير عن ظاهرة معينة بالأرقام. وهذا المعنى الأخير هو الذي يؤخذ به في مجال الدراسات الإجرامية . ومثال ذلك بيان عدد الجرائم التي وقعت في سنة معينة أو في إقليم معين ، أو عدد الأحكام الصادرة في هذه الجرائم ، أو عدد المحكوم عليهم المودعين في سجن معين. ويكشف هذا الأسلوب عن مدى ارتباط عدد معين من الجرائم ووجود ظروف معينة كالفقر والجنس والمهنة والطقس والحالة الأسرية والدين والظرف الاقتصادية والسياسية والثقافية.

وقد ظهرت الإحصاءات الجنائية Statistiques criminelles لأول مرة في فرنسا في النصف الأول من القرن التاسع عشر عندما أصدرت وزارة العدل أول إحصاء عن الجرائم في عام 1826 ، وتبعتها بلجيكا في عام 1840. وكان العالم البلجيكي أدولف كتيليه Qutelet أول من استخدم الإحصاء كوسيلة بحث في مجال الدراسات الإجرامية - ومن ثم صار مؤسس علم الإحصاء الجنائي – خاصة عندما ألف كتابه عن الفيزياء الاجتماعية في عام 1835. وقد تبعه العالم الفرنسي أندريه جيري Guerry الذي بدء في عام 1833 بتحليل الإحصاءات الجنائية الفرنسية وفي عام 1864 أجرى مقارنة بين الإحصاءات الجنائية الفرنسية ومثيلتها الإنجليزية .

ولا شك أن لهذا الأسلوب الإحصائي مزايا متعددة في مجال تفسير الظاهرة الإجرامية بحسبانه مرآة الجريمة. أهم تلك المزايا يعود إلى دورها في توجيه السياسة الجنائية في مواجهة الظاهرة الإجرامية. فعلى ضوء التحديد الذي يقدمه للظاهرة الإجرامية كماً أو نوعاً يمكن إجراء المقارنات بين حجم الجرائم في إقليم وحجمها في إقليم آخر ، أو بين زيادة عدد المجرمين في فترة معينة وانخفاض عددهم في فترة أخرى. ومما لا شك فيه أن هذه البيانات الإحصائية تفيد كثيراً في تفسير الجريمة بحسب المكان أو الزمان ، واقتراح وسائل المعاملة الأمنية معها من قبل رجال الأمن .

والواقع أنه يلزم حتى تكتسب المادة الإحصائية والنتائج التي تسفر عنها قيمة علمية وتنجح في تفسير الكثير من جوانب السلوك الإجرامي ، أن تكون العينة محل البحث ممثلة تمثيلاً جيداً ، وأن يكون عددها كافياً . ويقصد بالتمثيل الجيد للعينة محل البحث أن تكون هذه العينة ممثلة إحصائياً لجميع الأفراد الذين يلزم دراستهم. وهو ما يسمح بتعميم النتائج المستخلصة على أفراد المجتمع كافة أو على الطائفة التي تمثلها العينة ، رغم كون العينة محل البحث قاصرة على عدد محدود من الحالات.

ويرتبط التمثيل الجيد للعينة بطريقة اختيارها. فقد يتم هذا الاختيار بطريقة عشوائية ، بحيث يكون لكل فرد في المجتمع أو في القطاع محل الدراسة ذات الفرصة في الاختيار ، فلا يراعي الباحث أسساً أو قواعد معينة عند تحديد أفراد هذه العينة. وقد يكون الاختيار على أساس تقسيم المجموعة محل الدراسة إلى طبقات وفقاً لمعايير معينة ، ثم يختار من كل طبقة عدد من الأفراد يتناسب مع عدد المنتمين إلى تلك الطبقة.

وآياً ما كان الأمر فإن التمثيل الجيد للعينة يستوجب الاستعانة بما يسمى "بالمجموعة الضابطة" Groupe de contrôle ، أي جملة من غير المجرمين ممن تتماثل ظرفهم مع ذات العدد من المجرمين الخاضع للدراسة. والحق أنه يصعب اختيار هذه المجموعة الضابطة في مجال علم الإجرام إما لعدم الرغبة في تعاون المجموعة مع الباحث ، وإما أنه من المتعذر التأكد من أن البعض من المجرمين لم يندس بين أولئك الذين صنفوا من بين غير المجرمين .

وفيما يتعلق بالشرط الثاني الخاص بملاءمة عدد أفراد العينة فمؤداه أن يكون هذا العدد كافياً ، على ألا يكون مبالغا فيه. وتحديد ملاءمة عدد العينة إنما يتم في ضوء طبيعة البيانات المراد تجميعها ، فإذا كانت هذه البيانات متجانسة فإن عدد أفراد العينة يعد كافياً حتى ولو كان قليلا. أما إذا كانت البيانات غير متجانسة – وهو الحال في مجال الدراسات الإجرامية - فإن عدد أفراد العينة لابد وأن يكون كبيراً ، الأمر الذي يخلق صعوبة في تواجد عدد من المجرمين تتماثل ظرفهم البيولوجية والنفسية والبيئية من أجل إخضاعهم للبحث.

50- ب : مصادر الإحصائيات الجنائية في مصر :
تتعدد الأجهزة التي تضطلع بمهمة الإحصاء الجنائي في جمهورية مصر العربية ، ويمكننا أن نشير بصفة خاصة إلى خمسة أجهزة تقوم بتلك المهمة التي تتناول الظاهرة الإجرامية في المجتمع سواء في جانبها الكمي أو في جانبها النوعي :

- جهاز الإحصاء بوزارة العدل :
يقوم بالإحصاءات القضائية Statistiques judiciaires في مصر جهاز الإحصاء بوزارة العدل وهو من أقدم أجهزة الإحصاء في العالم إذ أنشئ عام 1883 بغية إعطاء صورة واقعية عن سير الدعاوى المختلفة أمام القضاء. ويستجمع هذا الجهاز بياناته عن طريق إرسال نماذج مطبوعة إلى النيابات والمحاكم المختلفة ، تتولى هذه الأخيرة بدورها ملأها وإرسالها شهريا إلى الجهاز للقيام بعملية الحصر.

وتعد وزارة العدل ثلاثة أنواع من الإحصاءات :

- إحصاءات جنائية :
تتعلق الإحصاءات الجنائية المعدة من قبل وزارة العدل بمجمل البيانات الخاصة بقضايا الجنح والجنح المستأنفة وقضايا الجنايات ، مع بيان توزيع تلك القضايا على مختلف أنحاء الجمهورية ، وكذلك طبيعة الأحكام التي صدرت فيها. كما تشمل هذه الإحصاءات أيضا الأوامر الجنائية وحالات الطعن في الأحكام والجهة المطعون أمامها ، وكذا بيانات عن التبليغات والشكاوى وأوامر الحفظ والأوامر بأن لا وجه لإقامة الدعوى.


- إحصاءات الأحوال الشخصية :
وتشمل البيانات المتعلقة بقضايا الأحوال الشخصية من حيث عددها ونوعها والتوزيع الجغرافي لها والأحكام الصادرة فيها والجهات المطعون أمامها في تلك الأحكام. وتشمل أيضا بيانات عن أحوال القصر ومن في حكمهم وما يتعلق بإدارة شئونهم خاصة من قبل المجالس الحسبية.

- إحصاءات مدنية :
وتتضمن البيانات الخاصة بالقضايا المدنية من حيث نوع هذه القضايا وتوزيعها على مختلف أنحاء الجمهورية وكيفية الفصل فيها وأوامر استيفاء الديون الثابتة بالكتابة.

- جهاز الإحصاء بوزارة الداخلية :
يقوم جهاز الإحصاء بوزارة الداخلية بإعداد إحصاءات شرطية Statistiques policières في صورة كتب ونشرات دورية ، تشمل كافة البيانات الجنائية التي تعدها إدارات المعلومات بوحدات البحث الجنائي بمديريات الأمن المختلفة على مستوى الجمهورية بصفة يومية وشهرية وسنوية. وتتضمن هذه البيانات معلومات عن نوع الجرائم المرتكبة أحوال المتهمين ووسائل ارتكاب الجرائم وتصرفات النيابة العامة في القضايا.

- جهاز الإحصاء بمحافظة القاهرة :
يتبع هذا الجهاز إدارة المباحث الجنائية بمدرية أمن القاهرة ، فهو نوع من الإحصاءات الشرطية. ويتولى تجميع البيانات المتعلقة بالجنح والجنايات على مستوى االجمهورية بعد أن يخضعها يصنفها يبوبها ويتولى تحليلها. ويتولى هذا الجهاز أيضا إعداد إحصاءات يومية عن التبليغات والشكاوى الجنائية المختلفة وبالذات ما تعلق منها بجرائم الدم والسرقة والنصب. وتصدر بيانات هذا الجهاز يومية ونصف شهرية وشهرية وفصلية.

- جهاز الإحصاء بمصلحة السجون :
أنشئ هذا الجهاز عام 1958 ملحقاً بإدارة السجلات والإحصاء بمصلحة السجون. ويتولى هذا الجهاز إعداد الإحصاءات العقابية Statistiques pénitentiaires ، وذلك في صورة تقرير سنوي يتضمن تقسيمات مختلفة للمسجونين والجرائم التي ارتكبوها والأحكام الصادرة ضدهم مع بيان سوابقهم. ويتم تجميع البيانات الواردة في هذا التقرير من قبل وحدات فرعية لهذا الجهاز بمختلف السجون على مستوى الجمهورية الخاصة ، تتولى عمل كروت معلومات لكل سجين تحتوي على بيانات عن الجريمة والحالة الاجتماعية والنفسية للمحكوم عليه والحكم الذي صدر ضده وتاريخ استحقاق الإفراج الشرطي وتاريخ الإفراج النهائي ، إلى جانب ما تشمله من بيانات شخصية عن المحكوم عليه خاصة ما يتعلق بسوابقه الإجرامية.

- جهاز الإحصاء بإدارة مكافحة المخدرات :
هذا الجهاز الإحصائي هو أحد أجهزة مكافحة المخدرات التابعة لمصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية. وهو جهاز متخصص يقوم على تجميع البيانات عن جرائم المخدرات دون غيرها من الجرائم. ويتولى تحرير كشوف أسبوعية وأخرى شهرية عن جرائم المخدرات التي ضبطت على مستوى الجمهورية مع بيان تاريخ ضبط الواقعة وظروف المتهم ونوع المادة المخدرة وكيفية التصرف في الدعوى وكذا الأحكام الصادرة فيها. ثم يصدر من واقع تلك الإحصاءات تقرير سنوي لنشاطه ، علاوة على نشاط مصلحة السواحل والمصايد وحرس الجمارك وسلاح حرس الحدود.

51- ج : نظم الإحصاءات الجنائية :
يمكننا أن نقسم أنظمة الإحصاءات الجنائية إلى نوعين متميزين من الإحصاءات : فإما أن تكون إحصاءات خاصة بالجرائم ، وإما أن تنصب فقط على المجرمين.

- الإحصاءات الجنائية المتصلة بالجرائم :
تهدف الإحصاءات المتعلقة بالجرائم إلى جمع المادة العددية وتصنيفها بقصد بيان عوامل الارتباط بين عدد من قبض عليهم أو حكم عليهم من جهة ، وبين بعض المتغيرات الخاصة الفردية أو الاجتماعية. ومنها تلك الإحصاءات التي أجريت لبيان الرابطة بين الظاهرة الإجرامية وبين مختلف التقلبات الاقتصادية والسياسية ، أو الصلة بين الإجرام وظاهرة البطالة أو مستوى التعليم أو المهنة...الخ.

وتتبع الدراسات الإحصائية في بيان الصلة بين الإجرام وبعض العوامل الفردية أو الاجتماعية أحد أسلوبين : إما أن يكون الأسلوب كمياً وإما أن يكون نوعياً. والأسلوب الكمي في مجال دراسات علم الإجرام يتولى رصد كافة الجرائم دونما تمييز بينها من حيث النوع. أما أسلوب الإحصاء النوعي فينصب على رصد طائفة معينة من الجرائم ، كجرائم الدم أو الجرائم المتعلقة بالأموال أو الجرائم المتصلة بأمن الدولة وما إلى ذلك.

أما في سبيل إجراء الدراسة الإحصائية ذاتها للجرائم فقد يتبع ما يعرف بالإحصاء الثابت Statique أو المكاني (الإستاتيكي) ، وقد يتبع ما يسمى بالإحصاء المتحرك Dynamique أو الزماني (الديناميكي) . وينصب الأول على دراسة الجريمة في فترة زمنية معينة في عدة دول أو في مناطق متعددة داخل الدولة الواحدة. ويعلق الثاني بدراسة الجريمة في منطقة جغرافية واحدة (إما دولة بعينها أو مدينة بعينها في دولة ما) وإنما خلال فترة زمنية محددة ، لبيان تحرك الظاهرة الإجرامية في تلك المنطقة خلال فترة ما وبيان الصلة بين ارتفاع أو انخفاض عدد الجرائم وبين المتغيرات التي طرأت على المنطقة خلال تلك الفترة (أزمة اقتصادية – حرب – ثورة). ومن ذلك أيضاً الربط الإحصائي بين معدلات الجريمة في منطقة ما خلال شهور معينة في السنة (كارتفاع معدلات جرائم الأشخاص خلال شهور الصيف).

- الإحصاءات الجنائية المتصلة بالمجرمين :
تعتمد الإحصاءات الجنائية الخاصة بالمجرمين على جمع المادة العددية بغية بيان الصلة بين حركة الإجرام وبين بعض الظروف اللصيقة بشخص المجرم كالسن ، والجنس ، والمهنة ، ومستوى التعليم ، ومحيط الأسرة والأصدقاء وبيئة العمل. كما يهدف هذا النوع من الإحصاء إلى تقصي انتشار خصائص فردية أو اجتماعية معينة بين المجرمين ومقارنة نسبها لدي غيرهم من الأفراد. ومثال ذلك الربط بين الإجرام وتفشى مشاكل الفقر والبطالة والتفكك الأسري الراجع للطلاق أو وفاة أحد الأبوين أو كليهما أو سفرهما للعمل بالخارج ، ومقارنة نسب الإجرام لدي الأسر التي تعاني مما سبق بغيرها من الأسر التي لا تعاني من ذات الظروف .

52- د : تقدير أسلوب الدراسة الإحصائية :
على الرغم مما قيل سابقاً من لهذا مزايا تتعلق بالأسلوب الإحصائي ودوره في تفسير الظاهرة الإجرامية ودوره في توجيه السياسة الجنائية في مواجهة الظاهرة الإجرامية ، إلا أن البعض من علماء الإجرام قد وجهوا لدوره عدة انتقادات ، تنال من قيمته العلمية وقيمة ما يسفر عنه من نتائج .
- فقد قيل أن الإحصاءات الجنائية على تنوعها أسلوب بحث غير مجدي في مجال الدراسات الإجرامية. فمن ناحية يتسم هذا الأسلوب بقدر من السطحية ، إذ لم ينجح في تحديد حجم الإجرام ولكنها على العكس نجحت في قياس نشاط أجهزة الشرطة والعدالة ورد فعلهم في مواجهة حركة الإجرام. ومن ناحية أخرى فإن الإحصاء يقتصر دوره على ترجمة الظاهرة الإجرامية إلى بيانات وأرقام ، الأمر الذي يعبر فحسب عن شكل الظاهرة كماَ أو كيفاً دون أن يعطي تفسيراً لها. فعلى سبيل المثال إذا كان من الممكن حصر عدد المجرمين الذين ينتمون مثلا إلى أسر مفككة فإن هذا لا يعني بالضرورة أن السبب في إجرام هؤلاء هو تفكك الأسرة ذلك لأنه يمكن إعطاء بيانات عن عدد مماثل من الأشخاص أحيطوا بنفس الظروف ومع ذلك لم يقعوا في الجريمة ، أو ربما وقعوا فيها ولكن لعوامل أو لأسباب أخرى.
- ولدى البعض أن الإحصاءات الجنائية ليست فقط غير مجدية ، ولكنها أيضاً ضارة بما تخلفه لدى الأفراد من إحساس قوي بعدم الأمان ، وأحياناً لتحولها كإحدى أدوات الصراع السياسي داخل الدولة. ويظهر هذا الأمر جلياً في تركيز الصحف الحزبية - بهدف التدليل على فشل سياسة الحزب الحاكم في إدارة دفة الأمور - على ارتفاع معدلات الجريمة ، مرتكنة لأرقام إحصائية كشفت عنها بعض البحوث الخاصة ، في الوقت الذي تؤكد فيه الصحف القومية وأجهزة الدولة الرسمية انخفاض هذه المعدلات.
- وقد قيل أن تنوع أجهزة الإحصاء قد يوقع الباحث في حيرة وتردد فيما يتصل بأي الإحصاءات يأخذ. ولا شك أن الاعتماد على إحصاء واحد أمر يصم نتائج البحث بالقصور. فالإحصاءات الشرطية قد يعيبها أنها قد لا تتضمن كافة الجرائم ، نظراً لعدم التبليغ عنها أو لتفاهتها أو لثبوت كيدية ما قدم من تبليغات بشأنها. كما أن الإحصاءات القضائية يعيبها أنها لا تشمل كل الجرائم ، نظراً لعدم رفع الدعوى أمام القضاء ، إما لاستعمال النيابة لسلطتها في حفظ الأوراق أو لصدور أمر بألا وجه لإقامة الدعوى. كما أن بعض الدعاوى قد يحكم فيها بالبراءة رغم ارتكاب الجريمة ، لخطأ في الإجراءات المتخذة حيال المتهم أو لعدم كفاية أدلة الإدانة ضده. وذات الأمر بشأن الإحصاءات العقابية ، إذ لا تشمل إلا عدد المحكوم عليهم ممن أودعوا السجون أو المقبوض عليهم قبل إطلاق سراحهم. وبالتالي يتسرب من هذه الإحصاءات سائر أعداد المجرمين ممن لم تطولهم يد العدالة أو اقتصرت أحكام إدانتهم على عقوبات مالية.
- ومن بين ما وجه أيضاً من نقد إلى هذا الأسلوب هو غياب أو نقص المجموعة الضابطةGroupe de contrôle ou groupe témoin في الإحصاءات الجنائية ، بحسبانها أحد الشروط الهامة والضرورية لصحة نتائج الدراسات الإحصائية عامةً ، والجنائية خاصةً. فصدق نتائج الدراسة الإحصائية يتوقف على شمولها لأفراد لم يسبق لهم مخالفة القانون يشتركون في صفاتهم وظروفهم مع عدد الأفراد المجرمين محل الدراسة. وهذا الشرط يتعذر تحققه عملا. الأمر الذي يسبب وقوع الكثير من الباحثين في الخطأ بسبب الاعتماد على نتائج الأبحاث التي يجرونها على فئة محددة من المجرمين ثم يحاولون تعميم نتائج دراستهم دون بيان نسبة أفراد العينة إلى أفراد المجتمع عامة. ومن هنا لا يمكننا الاعتماد على نتائج الدراسات الإحصائية التي كشفت عن ارتفاع نسبة المصابين بالأمراض العقلية بين المجرمين ، طالما لم تتثبت تلك الدراسات من نسبة انتشار الأمراض العقلية بين أفراد المجتمع غير المخالفين للقانون.
- ولقد ذكر أيضاً أن الإحصاءات الجنائية تفتقد للموضوعية ، الأمر الذي يعود إلى غموض وعدم تحديد بعض المفاهيم والخصائص وظروف التي تعتد بها الإحصاءات الجنائية. فعلى سبيل المثال مفاهيم النقص التكويني أو العضوي والتوتر النفسي والسبب الإجرامي والتفكك الأسري وعدم القابلية للاندماج...الخ ، كلها مسميات يعوزها التحديد والضبط بين العلماء في مجال الدراسات الإجرامية. ولا شك أن تباين العلماء في تحديد مضامين هذه المسميات سوف ينعكس بالضرورة على موضوعية وصدق النتائج المستخلصة من الإحصاءات الجنائية. فعدم وضوح المفاهيم هو ولا شك – على حد قول البعض - أحد الصعوبات المنهجية في البحوث الإجرامية.
- ولعل أكثر أوجه النقد قوة وجه لأسلوب الإحصاء الجنائي هو ما ارتبط بظاهرة الرقم الأسود أو المظلم Dark Figure Chiffre noir ، أو الفارق بين الإجرام الحقيقي والإجرام المعلن. وتنشأ تلك الظاهرة السلبية نتيجة تسرب عدد من الجرائم من الحصر الذي يجريه القائمين على الإحصاءات الجنائية. فقد يتعلق الأمر بعدد من الجرائم التي وقعت بالفعل ولكن لم تصل إلى علم رجال الشرطة لعدم التبليغ عنها. ويعود ذلك إما لخشية الافتضاح ، كما في جرائم الزنا والإجهاض والاغتصاب ، أو نتيجة الوضع الوظيفي للجاني أو مركزه السياسي والاجتماعي ، كما في جرائم رجال الأعمال من غش ورشوة واختلاس. وقد يتعلق الأمر بجرائم بلغ عنها ولكن لم يعثر على مرتكبها لإهمال السلطات المختصة أو لضعف مكناتها ، أو عثر عليه ولكن عجزت العدالة عن إدانته لغياب الأدلة الكافية أو لخطأ في الإجراءات. كل هذا يؤدي إلى أن يظهر عدد الجرائم الثابت إحصائيا أقل بكثير من عدد الجرائم المرتكبة فعلاً. كما قد يتعلق الأمر بجرائم غير حقيقية نتيجة التبليغات الكيدية ، بما قد يظهر الرقم الإحصائي أكثر مما هو في الحقيقة.

ومما لا شك فيه أن الرقم المظلم كما قد يختلف بحسب نوع الجرائم (إذ يزيد في حالة الجرائم الماسة بالآداب العامة أو تلك المتعلقة بجرائم ذوي الياقات البيضاء) فإنه يختلف أيضاً تبعاً لاختلاف مكانها وزمانها. فيزيد هذا الرقم في الريف عن مثيله في المدن ، وليس ذلك إلا لأن نشاط الشرطة في تعقب المجرمين أقل في الريف منه في المدن. كذلك يلاحظ اختلاف هذا الرقم باختلاف الزمان. فقد لوحظ زيادة هذا الرقم إبان فترات الاضطرابات السياسية عنه في فترات الاستقرار ، وما ذلك إلا لانشغال رجال الشرطة بحفظ الأمن السياسي على حساب الأمن العام .

ومن جماع ما تقدم تنكشف صعوبة تعميم النتائج المتحصلة من الإحصاءات الجنائية. لذا فقد قيل بحق أنه يتعين على الباحث في مجال الدراسات الإجرامية أن يقنع من الإحصاءات الجنائية بمعرفة الأرقام الواردة فيها ، أما ما يتعلق باستخلاص القواعد والقوانين التي تقف وراء تلك الأرقام فأمر يحتاج لبحوث علمية أخرى وإلى وسائل من الاستقراء والاستنباط والتحليل العلمي .

53- ثانياً : المسح الاجتماعي Social Survey:
54- تقسم :
للكشف عن أسلوب المسح الاجتماعي كأحد الأساليب التي تتبعها الدراسات في مجال علم الإجرام سوف نعرض لمضمون هذه الوسيلة ، وكذا الطرق التي يجري بها لإعداد المسوح الاجتماعية.

55- أ : مضمون المسح الاجتماعي :
المسح الاجتماعي أحد طرق البحث الاجتماعي تستهدف تجميع الحقائق عن ظاهرة اجتماعية معينة سواء أكانت متعلقة بالوقائع أو الأفراد. ويتم ذلك عن طريق استخدام بعض الأدوات البحثية الأخرى كالمقابلة أو الاستبيان أو دراسة الحالة .

ويقتصر المسح الاجتماعي في مجال الدراسات الإجرامية على قطاع معين في المجتمع وهو قطاع الإجرام. فهو بالتالي ليس مسحاً اجتماعياً عاماً ، إذ لا يتناول المجتمع بأسره بل يقتصر على طائفة معينة ، فتشمل الأفراد الذين خالفوا القانون. وقد يكون المسح شاملا لقطاع من الأفراد بأكمله ، مثال ذلك فئة المدمنين أو المشردين من المجرمين ، أو فئة مرتكبي جرائم السرقة من الأحداث خلال فترة زمنية معينة. وقد يكون شاملا لعينة فقط من هذه الفئة. وقد ينصب المسح على إجرام بيئة معينة ، كحي شعبى أو قرية من القرى.

والهدف من المسح الاجتماعي في علم الإجرام هو تغطية الظاهرة الإجرامية من جميع جوانبها وذلك بالكشف عن عوامل تكوين تلك الظاهرة ، شخصية كانت أو اجتماعية ، وصياغتها في قواعد عامة. ويوجب لك جمع أكبر عدد من البيانات المتعلقة بشخصية المجرمين ، كبيانات السن والمهنة والتعليم والديانة ، أو المتعلقة بالصفات النفسية والبيئية لهم.

56- ب : أساليب المسح الاجتماعي :
يتبع بصفة عامه في إجراء المسح الاجتماعي للظاهرة الإجرامية أحد أسلوبين : إما أسلوب المسح الاجتماعي الاستجوابي ، وإما أسلوب المسح الاجتماعي البيئي أو الايكولوجي Ecological Survey.

- المسح الاجتماعي الاستجوابي :
يعتمد هذا الأسلوب من أساليب المسح على نماذج أسئلة معدة سلفاً تتضمن أسئلة حول مجمل الظروف التي تحيط بالفرد ، سواء أكانت ظروف شخصية ، كالحالة النفسية والمالية والصحية ، أو اجتماعية. وتوزع هذه النماذج على أفراد منطقة معينة تتميز بطابع إجرامي معين. ومن جماع الإجابات يمكن استخلاص القواعد التي تربط بين أنواع الإجرام في تلك المنطقة وبين الظروف التي تحيط بمجموع سكانها.

ويعاب على هذا الأسلوب كونه لا يتضمن نتائج مؤكده ، فقد تتصف إجابات أهالي المنطقة بالكذب حول ظروفهم أو المبالغة في تصويرها. وربما تعد النماذج وفقاً لتصور شخصي سابق يفقد الباحث الموضوعية والتجرد العلمي.

- المسح الاجتماعي البيئي :
تعد دراسة البيئة أحد الأساليب الخاصة للمسح الاجتماعي. ويتلخص في قيام الباحث القائم بالمسح على تقسيم إقليم محدود إلى بعض المجتمعات الصغيرة تقسيماً جغرافياً تتماثل وتتجانس ظروف أفرادها من الناحية الحضارية والاجتماعية والاقتصادية. ثم يتولى الباحث بعد ذلك رصد حركة الإجرام في كل منطقة ومقارنتها بالمنطقة الأخرى ، بهدف استخلاص الرابط بين السلوك الإجرامي في منطقة وبين الظروف التي تسودها ، والتأكد مما إذا كان معيار التقسيم (المستوى الحضاري أو الاقتصادي أو الاجتماعي...الخ) هو الذي يقف وراء اختلاف نسبة الإجرام من منطقة إلى أخري .

ومن بين النماذج الشهيرة للمسح الاجتماعي البيئي في مجال الدراسات الإجرامية ما قام به العالم الأمريكي الإيطالي دي توليو لدراسة السلوك الإجرامي في المناطق المتخلفة في إيطاليا واستظهاره ارتفاع نسبة الإجرام في تلك المناطق. ومن ذلك أيضاً ما قام به العالم الأمريكي كليفورد شو من دراسة إجرام الأحداث في مدينة شيكاغو حينما قسمها إلى مناطق مختلفة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد توصل هذا العالم إلى ارتفاع نسبة الإجرام في المناطق التي تزيد فيها الكثافة السكانية وكذا المجاورة للمناطق الصناعية والتجارية. كما أن تلك النسبة ثبت ارتفاعها في المناطق المتخلفة ثقافياً والمهملة من ناحية الرعاية الاجتماعية ، والتي صارت مأوى للكثير من العصابات الإجرامية.

وإذا أردنا أن نقيم هذا الأسلوب من أساليب البحث فإننا لا شك ندرك مدى فائدته في مجال تجميع المعلومات عن الظاهرة الإجرامية ومحاولة رد بيانات هذه الظاهرة إلى جملة من الأسباب ترتبط بواقع الحياة الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية.

بيد أنه يعيب هذا الأسلوب اتشاحه أحياناً بعدم الموضوعية ، ومن ثم عدم دقة النتائج التي يتم التوصل إليها. ويعود ذلك ولا شك إلى تعدد الباحثين القائمين بالمسح وامكان تأثر كل منهم بأفكاره الخاصة بما ينعكس على الأسئلة المطروحة والملاحظات التي يدونها كل منهم عن الحالة محل الدراسة ، وبما يؤدي أحياناً إلى تضارب النتائج التي يتوصل إليها كل باحث على حده .







































57- تمهيد وتقسيم :
بدا لنا مما سبق أن علم الإجرام يضطلع بمهام عدة يأتى على رأسها محاولة التوصل إلى تفسير موحد للظاهرة الإجرامية. والحق أنه كان ولا يزال تفسير الظاهرة الإجرامية الشغل الشاغل للمشتغلين بهذا السلوك الموغل فى القدم والمسمى بالسلوك الإجرامى.

ولنا أن نقرر أن البحث في محركات الجريمة ومنشأ الظاهرة الإجرامية أمر لا يخلو وما زال من الفائدة ، على الرغم من قول البعض عن أن استفاضة العلماء في البحث عن سببية الجريمة كان سبب نكسة علم الإجرام وتأخره كعلم إنساني جديد بحسبان أن العلماء شغلوا أنفسهم بنقد واستكشاف أسباب أخرى غير ما قيل من أسباب دافعة للجريمة. وظهر في هذا العدو شكل من أشكال حمى السببية وحلقات من الجدل ، يحسبوه غير مجد مع تباين المناهج العلمية الأمر الذي دفع البعض في النهاية للقول بتكامل الأسباب وتعددها في تشكيل الظاهرة الإجرامية.

والواقع أن هذا القول يجانبه الصواب ، ذلك أن تكشف النظريات التي قيلت بشأن تفسير الظاهرة الإجرامية ومحاولة التعرف على أسبابها هو شكل من أشكال التبحر في تاريخ العلم ، ولا يمكننا التعمق في الدراسات المتعلقة بالظاهرة الإجرامية دون التعرف على المحاولات السابقة التي قيلت في هذا الصدد ، خاصة وأن العلم حلقات ، لا يمكن لآخر حلقاته أن تكشف عما أنجزته وما حققته من تطور دون الإقرار بفضل الأسبقين والذين مهدوا لهذا التطور.

ويكفينا دليلا على أهمية البحث السببي للظاهرة الإجرامية ، هو ما تكشف عنه الاتجاهات الحديثة في مجال القضاء الجنائي ونظم المحاكمات من أن القاضي بحاجة إلى الإلمام ببعض ما يتعلق بحالة المجرم وظروفه الشخصية والبيئية وذلك من أجل تحديد العقوبة وجعلها أكثر عدالة. وهو ما يوجب إلمام القاضي ببعض مبادئ علم الإجرام من أجل تفهم طبيعة السلوك الإجرامي. هذا فضلا عن أن الكثير من نظم العاملة العقابية تستلزم مثل هذا الإلمام ومنها نظام تصنيف المحكوم عليهم وإيقاف التنفيذ ونظام الإفراج الشرطي ونظام الوضع تحت الاختبار...الخ. هذا فضلا عن أن الكشف عن سببية الجريمة أمر لازم قبل الانتقال بالظاهرة الإجرامية إلى مرحلة الوقاية والتي تتصل بعموم علم السياسة الجنائية على أقسامها المختلفة تشريعيا وقضائيا وعقابيا. فالتشخيص يسبق العلاج ولا يمكننا أن نحدد الوسائل التقويمية في مجال الجريمة – عقابية كانت أم علاجية- قبل أن نحدد سبب الظاهرة الإجرامية ذاتها.

ومن جماع ما قلناه في مقدمة هذا المؤلف يمكننا أن نستخلص أن تفسير الظاهرة الإجرامية لا يمكن أن ينسب إلى سبب محدد ، فعلى مرور السنوات ارتفعت ألوية العديد من المدارس ، بعضها مال إلى القول بوجود نموذج بشري إجرامي ، وقالوا بأن الجريمة إرث يحمل وجوباً على كاهل البعض من البشر ، ومال آخرون إلى البحث في العقل واضطراباته كذا البحث في المكنون النفسي واللاشعور كأحد أسباب الجريمة. ووجه آخرون نظرهم صوب المجتمع يستكشفون بداخله بواعث وأسباب الانحراف. وقد يقول البعض ، وهو بالفعل الحادث الآن ، إلى القول بتكامل كل هذه الأسباب ، وأن وحدة السبب أمر يتنافى مع تنوع أنماط الجريمة والمجرم.

وعلى ذلك يتكشف لنا أن هناك اتجاهات ثلاث تنازعت فيما بينها من أجل إعطاء تفسير علمي لهذا المجهول الذي يسمى "الظاهرة الإجرامية". أول هذه الاتجاهات هو الاتجاه التكويني Approche constitutionnelle ، والذي يرجع الجريمة لأسباب بيولوجية ونفسية ، ويسود هذا الاتجاه بين علماء الإجرام في أوربا. وثاني تلك الاتجاهات هو الاتجاه الاجتماعي Approche sociologique ، والذي يرجع الجريمة لجملة من الظروف البيئية التي تحيط بالفرد فتدفعه في تيار الإجرام ، وهو منطق يجد قبولاً لدى علماء الإجرام الأمريكان. وآخر هذه الاتجاهات فهو الاتجاه التكاملي Approche co-causes ، والذي يسند الجريمة إلى تداخل جملة من الأسباب بعضها عضوي ، وبعضها نفسي ، وبعضها الأخر اجتماعي.

وسوف نوالي في الصفحات التالية عرض النظريات المختلفة التي قيلت داخل كل اتجاه ، مخصصين لكل اتجاه فصلاً مستقلاً.

الفصل الأول
التفسير التكويني للظاهرة الإجرامية
L’analyse constitutionnelle du phénomène criminel

58- تقسيم :
رغم توجه أصحاب هذا الاتجاه نحو الاهتمام بدراسة الشخصية الإجرامية من حيث تكوينها البيولوجي والنفسي ، إلا أنهم قد تباينوا في تحديد مدي غلبة عامل شخصي أو فردي على آخر. لذا فقد ظهرت نظريات متعددة داخل هذا الاتجاه ، ويمكننا في هذا الصدد جمع هذه النظريات في رافدين : أولهما الرافد الذي يضم النظريات البيولوجية ، وثانيهما الرافد الذي يجمع النظريات النفسية. وسوف نخصص لكل رافد مبحثاً مستقلاً.

المبحث الأول
النــــظــــريــات البــيــولــوجــية
Théories biologiques
59- تقسيم :
تتنوع النظريات التي يمكن إدراجها ضمن رافد الاتجاه البيولوجي. وإذا أردنا أن نتخير أهما من أجل تلك الدراسة فإننا يمكن أن نشير بصفة خاصة لكل من نظرية لومبروزو ، ونظرية هوتون.

المطلب الأول
نــظــريــة لــومــبــروزو

60- أولاً : مضمون نظرية لومبروزو :
مما لا شك فيه أن علم الإجرام الحديث يدين بالفضل للماركيز الإيطالي سيزار لومبروزو César Lombroso (1836-1909) ، الذي وضع أسس الحركة العلمية في مجال الدراسات الإجرامية ، والذي تمثل نظريته حجر الزاوية لكافة المذاهب البيولوجية والتكوينية التي قيلت من بعده حول تفسير السلوك الإجرامي ، كما أن أفكاره تمثل عصب الفلسفة الوضعية La philosophie positive في الفكر العقابي والسياسة الجنائية .
ولد لومبروزو في فيرونا Vérone في نوفمبر من عام 1835 ، من أبوين يهوديين ودرس الطب في عدد من الجامعات الإيطالية. وبعد تخرجه عمل أستاذاً للطب الشرعي والعقلي بجامعتي بافيا Pavia وتورينو Torino الإيطاليتين ، كما كان طبيباً للأمراض العقلية في سجون إيطاليا. وقد أتاح له عمله عدة سنوات في الجيش الإيطالي ملاحظة العديد من النماذج المختلفة من الجنود والقادة العسكريين. وقد لاحظ أن بعضهم يتصف بسمات يغلب عليها طابع القسوة والتمرد على النظام ، بينما يتسم البعض الآخر منهم بالطاعة والانضباط. كما أن الجنود الأشرار كان لديهم شذوذاً عضوياً وكانت لديهم وشمات ورسوم قبيحة ، ليست موجود لدى أقرانهم من بقية العسكريين. ولاحظ على أكثرهم استعمال اليد اليسرى بدلاً من اليمنى.

كما أجرى لومبروزو بحوثاً على نحو 383 جمجمة لمجرمين متوفيين من مرتكبي جرائم العنف ، فقد اكتشف تجويف في مؤخرة الدماغ مثل التي توجد عند بعض الثدييات الدنيا. واسترعى انتباهه شذوذ في تكوين الأسنان وشكل الجبهة وحجم الجمجمة ، يشبه الحال الذي كان عليه حال الإنسان الأول. وتأكدت وجهة نظره هذه بتطبيقه للمقاييس الأنثروبولوجية وبالفحص العضوي لعدد 5907 من المجرمين الأحياء.

وقد سجل لومبروزو أسس الحركة العلمية في مجال علم الإجرام ونتائج أبحاثه تلك في كتابه الشهير "الإنسان المجرم" L’homme criminel ، الذي ظهرت طبعته الأولى عام 1876. ثم تبعه بمؤلف آخر في عام 1901 أسماه "الجريمة أسبابها وعلاجها" Crime : ses causes et remèdes. واختتمها بمؤلف عن المرأة المجرمة والدعارة La femme criminelle et la prostituée في عام 1906.

وتقوم نظرية لومبروزو على أساس أن هناك أشخاصاً يتميزون بخصائص جسدية وملامح عضوية خاصة وسمات نفسية معينة ، وأن هؤلاء الأشخاص ينقادون إلى الجريمة بتأثير العوامل الوراثية ويندفعون إلى الإجرام بحكم تكوينهم البيولوجي ، اندفاعاً حتمياً. لا يكون حياله من سبيل للعلاج سوى استئصاله من المجتمع. ولا يخفى تأثر لومبروزو في ذلك بأفكار داروين عن التطور والارتقاء التي عرض لها في كتابه الأشهر "أصل الأنواع" عام 1859 ، والذي يؤكد فيه أن الإنسان هو استمرار لسلفه الحيواني ، أو أن الإنسان هو أخر حلقة من حلقات تطور الخلية الحية الأولى.

وهكذا فلدى لومبروزو أن الإنسان المجرم هو الذي يحتفظ عن طريق الوراثة بالخصائص الأنثروبولوجية والبيولوجية المماثلة للإنسان البدائي ، فتدفعه دفعاً إلى سلوك سبيل الجريمة ، أي أن المجرم مجبر على ارتكاب الجريمة ، فهو مجرم بالميلاد Criminel né أو بالطبع. أي أن السلوك الإجرامي يقوم لديه على فكرة الحتمية البيولوجيةDéterminisme biologique ، التي تعود إلى انحطاط في الأصل Dégénérescence ، أي توافر صفات تشريحية وعقلية ونفسية وعلامات ارتدادية Atavisme في شخص المجرم تطابق ما كان عليه الإنسان في العقود السحيقة ، تؤدي إذا ما توافرت في شخص معين إلى دفعه – بلا اختيار – إلى السقوط في هوة الجريمة.

ولقد كانت نقطة البدء لدى لومبروزو عندما شرع في تشريح جثة قاطع طريق في جنوب إيطاليا يدعى فيليلا Vilella ، إذا اكتشف وجود تجويف في مؤخرة جمجمته Facette Occipitale شبيه بالتجويف الذي يوجد لدى بعض الحيوانات المتوحشة والقردة ولدى بعض الثدييات الدنيا Mammifères inférieurs. وقد استنتج من ذلك أن المجرم يتمتع بشذوذ جسماني يرتد به إلى صفات وخصائص الإنسان الأول وأن هذا الشذوذ هو الذي يفسر إجرامه ، بل ويجعله منقاداً على نحو حتمي إلى سلوك سبيل الجريمة.

ومن بعد تناول لومبروزو بالفحص حالة مجرم خطير يدعى فيرسيني Verseni اتهم بقتل نحو عشرين من النساء بطريقة وحشية ، حيث كان من عادته أن يمثل بجثثهم بعد قتلهم ، ويشرب من دمائهم ثم يقوم بدفنهم في أماكن خصصها لذلك. وقد لاحظ عليه لومبروزو وجود علامات خاصة مثل التي كانت توجد لدى الإنسان البدائي والحيوانات الدنيا والمتوحشة.

61- ثانياً : سمات الارتداد لدى لومبروزو :
خلص لومبروزو من دراسته لتلك الحالات إلى أن للمجرم الصفات التشريحية والنفسية ومظاهر قسوة التي كانت توجد لدى الإنسان البدائي والحيوانات المتوحشة ، تدفعه إلى الجريمة على نحو حتمي وبحكم تكوينه البيولوجي والعضوي. فالمجرم هو نوع من البشر يتميز بمظاهر جسمانية شاذة وسمات نفسية معيبة يرتد بها إلى الأصول الأولى للإنسان في العصور الغابرة.

وقد عدد لومبروزو مظاهر هذا الارتداد أو الرجعة الإجرامية ، فذكر منها انحدار الجبهة ، وضيق تجويف عظام الرأس ، بروز عظام الوجنتين ، وغزارة في شعر الرأس والجسم ، وقلة شعر اللحية ، وطول مفرط في الذراعين والأصابع ، ضخامة الفكين ، والشذوذ في حجم الأذنين وفرطحتها ، والشذوذ في تركيب الأسنان ، وانعكاف الأنف وفرطحتها ، والبلوغ الجنسي المبكر. وقد اشترط لومبروزو وجود خمس علامات على الأقل من علامات الارتداد كي يصبح الإنسان مجرماً بالفطرة.

وقد وجه لومبروزو بعض أبحاثه محاولاً أن يجمع الصفات العضوية الخاصة التي توجد لدى طوائف المجرمين من السارقين والقتلة ومحترفي الدعارة ومغتصبي النساء.

ولا يقف الأمر لدى لومبروزو عند حد توافر سمات ارتدادية خاصة بالمجرم ، وإنما قرر من واقع بحوث لاحقة أن هناك علاقة وثيقة بين الإجرام وبين التشنجات العصبية أو الصرع. ولقد كان دليله في ذلك حالة الجندي ميسديا Misdea الذي كان مريضا بالصرع. فقد حدث في عام 1884 أن طارد هذا الجندي فجأة – بعد عدة سنوات قضاها في الجيش وكان مسلكه منضبطاً - ثمانية من رؤسائه وزملائه وقتلهم ، ثم سقط فاقد الوعي اثني عشر ساعة لمجرد أن أحدهم سخر من مقاطعة كلابريا التي ينتمي إليها. ولما أفاق من جريمته لم يتذكر شيئا مما حدث. وخلص لومبروزو من ذلك إلى أن هناك صلة بين الإجرام وبين التشنجات العصبية المصاحبة للصرع ، التي من شأنها أن تدفع المجرم إلى ارتكاب أفعال تتسم بالعنف ربما دون أن يدري عنها شيئاً.

بل أن لومبروزو قد كشف في الطبعة الثانية لمؤلفه الإنسان المجرم عام 1897 عن أن هناك عدد من الصفات النفسية والملامح السلوكية الخاصة التي تميز المجرم عن غيره من الأفراد. من تلك الصفات ضعف الإحساس بالألم - الذي كشف عنه كثرة وجود الوشم على أجسام المجرمين - الغرور ، انعدام الشعور بالشفقة ، سهولة الاستثارة والاندفاع ، الكسل واللامبالاة ، الشعور بعدم الاستقرار ، ضعف الوازع الأخلاقي ، عدم الشعور بالذنب.

62- ثالثاً : تصنيف المجرمين عند لومبروزو :
لقد تعرضت أفكار لومبروزو أبان ظهورها لنقد شديد خاصة فيما يتعلق بفكرة الارتداد ، وتمسكه بالمجرم بالميلاد أو بالفطرة كنمط إجرامي وحيد بين المجرمين ، إذ من الصعب جمع كافة المجرمين تحت نموذج واحد. وقد دفع هذا النقد لومبروزو إلي أن يطور من نظريته ، فقام باستبعاد المجرم بالميلاد وأضاف طوائف أخرى من المجرمين ، وانتهى إلى اعتماد تصنيف سداسي للمجرمين يضم الفئات الآتية :

- المجرم المجنون Criminel fou ou aliéné :
وهو الشخص الذي يرتكب الجريمة تحت تأثير المرض العقلي. وقد أدخل لومبروزو في هذه الطائفة المجرم الهستيري Criminel hystérique ومدمن الخمر والمخدرات.

- المجرم الصرعيCriminel épileptique :
هذا النمط يضم من يرتكب الجريمة تحت تأثير الصرع الوراثي ، الذي ينتقل عادة عند الولادة ، ويؤدي إلى ضمور في بعض العضلات ويؤثر على الأعصاب ويحد من الوظائف النفسية. وقد تتطور حالة المريض بالصرع فتؤثر على حالته العقلية بسبب استعداده الخاص للاضطرابات العقلية فينقلب إلى مجرم مجنون.

- المجرم السيكوباتي (المجنون خلقياً) Criminel psychopathique
وهو الشخص الذي ينعدم لديه القدرة على التكيف مع المجتمع ، فيبدأ بالتصادم معه في صورة خرق القوانين وارتكاب الجرائم.

- المجرم بالعاطفة Criminel par passion :
وهو مجرم يتصف بحدة المزاج وبالحساسية المفرطة وسرعة الانفعال وجموح العاطفة. يندفع إلى تيار الجريمة تحت تأثير حب شديد أو حقد أو غيرة أو استفزاز ...الخ. وغالبا ما تكون جرائمه من نوع الجرائم السياسية وجرائم الاعتداء على الأشخاص. وسرعان ما يندم عقب ارتكاب جريمته ، لذا غالباً ما يسارع إلى تعويض الضرر الناتج عن الجريمة ، أو تغيير محل إقامته كي يبتعد عن مكان الجريمة أو الاتصال بالمجني عليه. وقد يقدم على الانتحار عقب جريمته.

- المجرم المعتاد Criminel d’habitude :
وهو نمط من المجرمين يولد من دون أن تتوافر لديه علامات الارتداد أو صفات وخصائص المجرم المجنون أو بالميلاد ، إلا أنه يندفع إلى ارتكاب الجريمة تحت تأثير ظروف بيئية واجتماعية معينة ، كإدمان الخمر ، البطالة ، الفقر ، أواختلاطه بمحترفي الإجرام منذ الصغر. فهو مجرم بالاكتساب وليس بالميلاد. ويغلب أن تكون جرائمه بسيطة من نوع جرائم الاعتداء على الأموال ، وكثيراً ما ينجح السجن في تهذيبه وتقويمه ويدفعه إلى الإقلاع عنها.

- المجرم بالصدفة Criminel d’occasion :
وهو شخص لا يتوافر فيه الاستعداد الإجرامي وليس لديه صفات المجرم بالميلاد ، ولكنه غالباً ما يرتكب الجريمة تحت ضغط عدد من المؤثرات الخارجية الطارئة التي تؤثر في قدرته على ضبط النفس كإدمان الكحوليات ، أو الحاجة الملحة ، أو حب التقليد وحب الظهور ، أو تحت ضغط الإغراء الشديد. وكثيراً ما يرتكب هذا النمط من المجرمين طائفة الجرائم الشكلية المحضة التي يعتبرها القانون كذلك وإن تجرد سلوك الفاعل من الخطورة الإجرامية (المجرم حكماً أو أشباه المجرمين عند لومبروزو). وسركان ما يقلع المجرم من هذه الطائفة عن إجرامه شريطة ألا يتعرض لعقوبة قاسية قد تفسده وتصنع منه مجرماً بالعادة. لذا تنحى السياسة الجنائية حيال هذا النمط من المجرمين إلى إتباع بدائل عقابية تباعد بينه وبين الاختلاط بالمجرمين المحترفين في المؤسسات العقابية.

63- رابعاً : تقدير نظرية لومبروزو :
لاشك أنه يعود للعالم الإيطالي لومبروزو الفضل في توجيه الاهتمام إلى شخص المجرم كأساس للظاهرة الإجرامية خاصة من زاوية تكوينه العضوي ، بعد أن كان الاهتمام منصباً على الجريمة كفعل مادي أصم. ولا ينسى العلم لهذا الباحث فضله في الدفع بالدراسات الإجرامية نحو إتباع المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجربة ، ودوره أيضاً في إنشاء وتطور علم الأنثروبولوجيا (علم طبائع الإنسان) ، ووضعه لأول تصنيف علمي للمجرمين قائم على الخصائص البيولوجية والعضوية والنفسية ، محاولاً بيان الرابطة بين تلك الخصائص وبين السلوك الإجرامي.

بيد أنه وجهت لنظرية لومبروزو عدة انتقادات ، يعود بعضها إلى قصور في المنهج ، والبعض الأخر لوجود قصور موضوعي في نظريته. ونوجز هذا القصور فيما يلي :

- فقد قيل أن هناك قصوراً منهجياً قد وقع فيه لومبروزو ، يعود إلى محاولة تعميمه Généralisation للنتائج التي توصل إليها ، من دراسة بعض الحالات الفردية ، على بقية المحرمين. فاستنتاجه نقص الشعور بالألم لدى المجرمين لانتشار عادة الوشم أمر لا يمكن تعميمه على الكافة حتى بين المجرمين أنفسهم ، وذات الأمر يقال بالنسبة لعادة استعمال اليد اليسرى كمظهر إجرامي ودلالة على الاضطراب النفسي. كما أن لومبروزو حينما كان يجري أبحاثه على أكثر من حالة ، لم يراع أن تكون تلك العينة ممثلة تمثيلاً جيداً ، مما يجعل النتائج التي توصل إليها محل شك وتفتقد للموضوعية وللمنهج العلمي السليم.
- ومن ناحية أخرى لم يلجأ لومبروزو إلى المجموعة الضابطة - رغم أن هذا الأسلوب في البحث كان معروفاً في زمنه - حتى يتحقق من مدى انتشار الخصائص العضوية والنفسية التي تميز الرجل المجرم لدى بقية الأفراد من غير المجرمين. كما لم يجري متابعة للحالات التي سبق فحصها من أجل الوقوف على ما قد يكون قد لحقها من تغير ، ويتثبت من صدق ما سبق استخلاصه من نتائج.
- وقد نال اعتقاد لومبروزو فيما يسمى "بالمجرم بالميلاد" حظه الشديد من النقد. فالادعاء بوجود المجرم بالميلاد ، أي المجرم الذي يحتفظ عن طريق الوراثة بالخصائص الأنثروبولوجية الخاصة بالإنسان البدائي ، فتدفعه حتماً إلى الجريمة أياً ما كان المكان والزمان الذي فيه ولد ، لا يستقيم مع نسبية فكرة الجريمة وتغيرها من مكان إلى آخر وفي المكان الواحد من آن إلى آخر. وأن الأمر يتوقف في النهاية على الوصف الذي يخلعه قانون العقوبات على الأفعال الإنسانية.
- كما أخذ على نظرية لومبروزو – خاصة في مراحلها الأولى - قصورها الموضوعي ، إذ بالغ الباحث في إظهار دور الصفات الخلقية والعيوب الجسدية للمجرم ومظاهر التكوين العضوي واعتبارها الدافع إلى سلوك سبيل الإجرام ، مع إنكاره أو إغفاله لدور العوامل البيئية والظروف الاجتماعية كمحرك من محركات الجريمة. فالخصائص الجسدية حالة ساكنة غير ديناميكية وغير قادرة بذاتها على إحداث نتيجة ايجابية ملموسة في العالم الخارجي. وربما كان ذلك هو الذي دفع لومبروزو إلى إبراز دور العوامل الاجتماعية في نشأة الجريمة في الطبعة الخامسة والأخيرة من كتابه العمدة الإنسان المجرم عام 1896.
- وقد عيب على تلك النظرية أيضاً فساد الأساس الذي بنيت عليه بشأن الصفات الخلقية التي تنسب للمجرم بالميلاد – على فرض صحة وجود هذا النمط الإجرامي. فلقد دلل العلامة أنريكو فيري على عدم صحة مقولة لومبروزو بأن جمجمة المجرم تقل عن جمجمة الرجل العادي التي تتراوح بين 1300 و 1450 جرام ، إذ أن بعض العباقرة كانت تقل جماجمهم عن هذا الوزن ولم يثبت سقوطهم في هوة الجريمة. ومن جانب أخر فإن لدى بعض البلهاء يزيد وزن الجمجمة عن 2900 جرام خلافاً لما يقول به لومبروزو من أن ذوي العاهات العقلية تقل أحجام جماجمهم. بل أن لومبروزو ذاته بعد أن كان قد قدر أن الصفات الإجرامية توجد لدى حوالي 70% من المجرمين عاد وأكد أن النسبة لا تزيد على 30%.
- وقد قيل أيضاً أن نظرية لومبروزو لا ترتكن إلى أساس علمي سليم. إذ لم يقدم هذا العالم تفسيراً علمياً للعلاقة بين التكوين العضوي للمجرم وبين الميل الحتمي نحو الإجرام. ففضلاً على أنه لا يتوافر لدينا معلومات كافية عن الصفات العضوية لدى الإنسان الأول ، وثبوت أنه ليس كل رجل بدائي توافرت فيه تلك الصفات - على فرض وجود صفات معينة تميز هذا الإنسان - قد سلك سبيل الجريمة ؛ فمن المؤكد أن العلامات الارتدادية التي قيل بنسبتها إلى المجرم بالميلاد ، والتي تماثل إلى حد كبير خصائص الإنسان البدائي والحيوانات المتوحشة ، تتوافر لدى الكثيرين من غير المجرمين ، الأمر الذي يؤكد خطأ القول بوجود مجموعة من الخصائص التي تميز بها جميع المجرمين. علاوة على أنه لا يمكن تصوير المجتمعات البدائية بالوحشية والدونية ، ذلك أن علماء الأنثروبولوجيا الثقافية يؤكدون على تضائل الجريمة وتلاشيها كلما عدنا بالتاريخ إلى الوراء نظراً لبساطة الإنسان الأول.

ولقد حاول العالم الإنجليزي شارلز جورنج Charles Goring – الذي كان يعمل طبيباً بالسجون الإنجليزية - التأكيد على صحة هذا النقد الأخير لنظرية لومبروزو فقام في عام 1901 بالمقارنة بين ثلاثة آلاف من المجرمين العائدين وبين عدد مماثل من غير المجرمين. واستمرت تلك الدراسة لمدة ثماني سنوات وضمت المجموعة المقارنة عدداً من طلبة جامعة أكسفورد وجامعة كمبريدج وبعض الجنود والضباط المهندسين في الجيش الإنجليزي. وخلص إلى أنه لا يوجد بين العينة المقارنة فروقاً ذات بال في التكوين العضوي وعلامات الارتداد والشذوذ تؤكد اختلاف المجرمين عن سواهم من غير المجرمين. وقد نشر جورنج نتائج دراساته في مؤلف له بعنوان "المجرم الإنجليزي" Criminel anglais عام 1913 .

بيد أن جورنج قد خلص إلى أن المجرمين يتميزون على نحو أو أخر بنقص في وزن الجسم وطول القامة ، الأمر الذي يقوم لديه دليلا على انحطاط عام موروث في طبيعة المجرم يتأكد بفحص مستواه العقلي.

وقد حاول هذا الباحث – بعد إنكاره لما جاء بنظرية لومبروزو - أن يقدم تفسيراً للظاهرة الإجرامية من واقع هذا القصور البدني لدى المجرمين. فلديه أن أصحاء البدن والعقل بما أنهم ناجحون في أعمالهم ويتكسبون رزقهم في يسر وناجحون في علاقاتهم الاجتماعية فإنهم لا يرتكبون الجرائم ، خاصة جرائم الاعتداء على الأموال وجرائم العنف وجرائم الاعتداء على العرض (لسهولة تكوينهم لأسر) ، في حين أن الأشخاص الذين يعانون نقصاً بدنياً أو ضعفاً يتعرضون أكثر من غيرهم للسقوط في وهدة الجريمة.

وليس من العسير أن نكتشف المبالغة في هذا الاستخلاص. ذلك أن الكثير من الأفراد – ومنهم العباقرة والعلماء – يتمتعون ببنية جسدية ضعيفة ومع ذلك لم يسلكوا سبيل الإجرام. فالنقص البدني ليس حكراً على المجرمين وحدهم.

وفي رأينا أن نظرية لومبروزو قد لاقت بعض النقد المبالغ فيه . فالحق أن هذا الباحث لم يقصر اهتمامه على الصفات الخلقية والعضوية للمجرمين ، بل تعداها لدراسة الصفات النفسية ، وكذا العوامل الاجتماعية. ويظهر ذلك جلي من مراجعة الطبعات الثلاثة التالية للطبعة الأولى من مؤلفه الإنسان المجرم. وحتى بشأن الصفات العضوية فلم يقل لومبروزو أنها العلامة المميزة للمجرم عن غيره من الأفراد ، وإنما أكد على أن هذه الصفات تشيع أكثر لدى المجرمين عن غيرهم.

كما أن الوراثة الإجرامية وفكرة المجرم بالميلاد لا تعني السقوط الحتمي في طريق الإجرام ، كل ما هنالك أنه يقول بوجود ميل أو استعداد موروث لخرق القوانين ، وأن الأمر لا يفض إلى جريمة إلا إذا اقترنت بهذا الميل عوامل أخرى.

المطلب الثاني
نــــظــــريــة هـــــــوتـــــون

64- أولاً : مضمون نظرية هوتون :
في أواخر الثلاثينيات قام العالم الأمريكي أرنست ألبير هوتونErnest Albert Hooton - أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة هارفارد Harvard - بدراسات واسعة شملت 873ر13 مجرماً ممن أدينوا من قبل القضاء وأودعوا المؤسسات العقابية ودور الإصلاح والرعاية الاجتماعية ؛ كما قام بدراسة مقارنة على مجموعات ضابطة من غير المجرمين بلغ 3203 شخصا ممن تتوافر فيهم ذات الصفات العضوية وتتماثل كافة ظرفهم النية ومستوى الذكاء والمستوى الثقافي والحضاري ، موزعون بين 1976 شخصاً سوياً و1227 شخصاً من غير الأسوياء.

وقد نشر هوتون في عام 1939 نتائج أبحاثه مثبتاً خلالها أن المجرمين يتميزون بوجود علامات ارتدادية – تبلغ حوالي مائة وسبع - مثل التي قال بها لومبروزو وبوجود انحطاط جسماني موروث ونقص ودونية بيولوجية Biological inferiority. واستدل على هذا الانحطاط بوجود شذوذ عضوي يتمثل في انحدار الجبهة وانكفائها ، وفرطحة الأنف وغلظتها ، ورُفع الشفاه ، وضئالة حجم الأذن ، وطول الرقبة ورفعها ، وهبوط الأكتاف. فضلاً عن انتشار عادة الوشم بين المجرمين ، وكثافة ونعومة شعر الرأس وميله للون الكستنائي الضارب للحمرة وغير الأشيب ، وميل العيون للون الرمادي المشوب بالزرقة.

وذهب هوتون إلى حد تأكيد أن الانحطاط الجسماني الموروث يختلف باختلاف المجرمين ، فمن بين هؤلاء تميزهم عمن يرتكبون جرائم من أنواع أخرى ، فالقتلة يمتازون بطول القامة وامتلاء الجسم ، كما أن قصار القامة المفرطين في الوزن يرتكبون الجرائم الجنسية...وهكذا.

65- ثانياً : تقدير نظرية هوتون :
يعود لهوتون – مثلما كان الحال بالنسبة إلى لومبروزو - الفضل في التركيز على شخصية المجرم والبحث بداخلها عن تفسير للسلوك الإجرامي. وإذا كان هوتون قد تفادى النقد الذي وجه إلى لومبروزو فيما يتعلق بأسلوب البحث ، إذ شملت دراساته ، فضلاً عن عدد من المجرمين ، عدد مماثل – بل يزيد – من غير المجرمين ، فإن نظريته لم تسلم من النقد ، الذي يتلخص في النقاط التالية :
- قيل أن هذه النظرية تفتقد للموضوعية من كونها لم تقدم دليلاً علمياً واحداً على أن الانحطاط الجسماني الذي يتميز به المجرمون هو انحطاط يرجع إلى عامل الوراثة دون غيره من العوامل. ولم يقل لنا هوتون لماذا أسقط من اهتماماته العوامل الأخرى وثيقة الصلة بالسلوك الإجرامي كالعوامل البيئية أوالاقتصادية أو الثقافية. فمما لا شك فيه أن المظاهر التي قيل بها قد تعود لأسباب عرضية مكتسبة وغير وراثية كسوء تغذية أو أسباب مناخية وبيئية ومهنية تؤثر في شكل وملامح الشخصية الإنسانية...الخ.
- كما أنه قد عيب على هوتون ما ذهب إليه من أن خصائص المجرمين تختلف تبعاً لاختلاف نوع الجريمة المرتكبة ، ذلك لأنه اكتفى بالجريمة التي دخل من أجلها الفرد السجن ، بينما قد يكون قد ارتكب من قبل ذلك جرائم أخرى. فالمحكوم عليه في سرقة أو نصب قد يكون قد حكم عليه في جريمة ضرب أو هتك عرض مثلاً. وبالتالي فليس صحيحاً القول بوجود صفات وعلامات مميزة في مرتكبي جرائم الأشخاص تختلف عن تلك التي توجد لدى مرتكبي جرائم الأموال. فإن صح ذلك أحياناً ، فإن الدراسة الواقعية العلمية تكذبه.
- كما أخذ على تلك النظرية استخدامها لمجموعة ضابطة صغيرة العدد ، لا تفي باحتياجات الدراسة العلمية السليمة التي تشترط التمثيل الجيد للعينة. بل أن المجموعات الضابطة التي استعان بها - وغالبيتها من الإيطاليين المهاجرين – لا يمكن أن يمثلوا كل نسيج المجتمع الأمريكي المعرف بتعدد تركيباته الأنثروبولوجية والعرقية.
- كما أن اختيار هوتون للمجموعة الضابطة والتي قارن بين أفرادها وبين طوائف المجرمين لم يكن سليماً لأنه اعتمد في مقارنته على من حكم القضاء بإدانتهم ، الأمر الذي يوصلنا إلى نتيجة شاذة مؤداها أن الرجال سوف يتميزون بصفات انحطاطية أكثر من تلك التي توجد لدى النساء ، ذلك أن الرجال يشكلون النسبة الغالبة من المساجين في العالم.
- وأخيراً فقد عيب على نظرية هوتون أنها أقامت أبحاثها على طائفة نزلاء السجون الذي حكم القضاء بإدانتهم على أساس أن هذه الطائفة تمثل جميع المجرمين ، والحقيقة أنها لا تضم غير نسبة محدودة منهم ، فهي لا تضم الذين حكم عليهم بعقوبات سالبة للحرية ولكن مع إيقاف التنفيذ أو الذين حكم عليهم بالغرامة فقط. كما أن جزءً لا بأس به من المجرمين لم يكتشف أمرهم بعد ويبقون خارج المؤسسات العقابية. وبالتالي فإن دراسات هوتون لم تشمل كل هؤلاء ولم تكشف عن مدى شيوع الانحطاط الجسدي لديهم على الرغم من أنهم مجرمون في الحقيقة.

المبحث الثاني
الــنــظــريــات الــنــفســية
Théories psychologiques
66- تمهيد وتقسيم :
من المؤكد أنه ما كان لتفسير الظاهرة الإجرامية أن يقف عند هذا الحد مع التطور الذي يطول الفكر الإنساني سنة بعد أخرى. فظهر من بعد الدراسات التي ترجع تفسير الظاهرة الإجرامية إلى خلل في التكوين البيولوجي والعضوي وحده أو إلى خلل عضوي ونفسي للمجرم معاً من قال بقصر تفسير السلوك الإجرامي على سبب نفسي وطب عقلي Psychiatrique. ومرجع ذلك إلى التطور الهائل الذي شهده علم الطب أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر على يد كاباني Cabanis (1757-1818) وإسكيرول Esquirole (1772-1740) ، والذين كشفا فى أبحاثيهما عن ضرورة الاهتمام – إلى جانب الطب البدني- بالطب النفسي والعقلي.

فالجريمة كما يمكن أن تكون نتاج إرادة إنسانية حرة ومختارة ، يمكن أن تعود إلى خلل عقلي أو نفسي يعدم الإرادة ومن ثم يعدم الاختيار ، مما يستوجب معاملة المجرم معاملة طبية وليست معاملة عقابية. وقد ساعد على ذلك أيضاً التوسع في الدراسات المتعلقة بالقدرات العقلية وقياسات الذكاء ، الأمر الذي أحدث تطوراً هائلا في نظرية المسئولية الجنائية وتقسيمات المجرمين. فعن الأولى تدعمت جملة من الأسباب المعفية من المسئولية الجنائية أو المخففة من العقاب القائمة على نقص العقل أو انعدام الإدراك والتمييز. وعن الثانية ظهرت أقسام من المجرمين على أساس مرضي أو طبي ، كالمجرم المجنون والمجرم الذهاني والمجرم العصابي والمجرم السيكوباتي .

وعمدة القائلين بهذا الوجه من النظر هو ولا شك العلامة النمساوي "سيجموند فرويد " Sigmund Freud (1856-1939) ، الذي يمثل المؤسس الحقيقي لعلم النفس الحديث ، ويمثل حجر الأساس لكافة نظريات التحليل النفسي Théories psychanalytiques ، التي ذهبت إلى تفسير الجريمة تفسيراً نفسياً خالصاً ، مع إسقاط دور الجانب البيولوجي والتكويني في الدفع نحو الجريمة.

وقد تلا فرويد باحثين آخرين ، من أمثال ألفريد آدلرAlfred Adler وكارل يونج Carl Young ، وكارين هورني Karen Horney ، وأوجست أكهورن August Aichhorn ، وديفيد أبراهامسن Davaid Abrahamsen ، ووليام ريخ Wilhelem Reich ، وتيودور ريك Theodor Reik ، ممن أضافوا إلى نظرية التحليل النفسي فرضيات جديدة كادت تطيح بأسس المدرسة التحليلية التي بناها زعيمهم فرويد . الأمر الذي يتوجب معه الإشارة إلى اجتهادات هؤلاء العلماء ، عقب أن نفرغ من عرض نظرية فرويد.




المطلب الأول
نـــظـــريـــة فـــرويـــد

67- أولاً : أقسام النفس لدى فرويد:
يجدر بنا مسبقاً التأكيد على أن فرويد لم يهدف بأبحاثه استخلاص نظرية مفسرة للسلوك الإجرامي ، بل كل ما هنالك أنه أراد أن يظهر تأثير اضطرابات الجهاز النفسي للإنسان على السلوك البشري عاماً ، ومنه السلوك الإجرامي.

ونقطة البدء لدى فرويد هي كشفه عن أن للنفس البشرية مظاهر ثلاثة ، نوضحها في الأتي :

68- أ : الهو أو الذات الدنيا (الأنا الدنيا) :
وهي التي يرمز لها فرويد بالكلمة اللاتينية Id وتعني "هيça ". ويقصد بها مجموعة الغرائز والنزعات والميول الفطرية لدي الفرد التي لا يتقبلها المجتمع بحالها.وهي مستودع الشهوات ومواطن التنازع بين الدوافع والغرائز الموروثة. وهي تنساق وراء اللذة وإشباع الشهوات دون أن تقيم وزناً للقيود الاجتماعية والقيم والمثل المتعارف عليها. وتكمن هذه الميول والنزعات في اللاشعور. فإذا أراد الشخص أن يحيا حياه اجتماعية متوافقة مع المجتمع فإما أن يكبت شهواته ، وإما أن يعبر عنها بالأسلوب المقبول اجتماعياً. فإذا كان للشخص شهوة جنسية تتطلب إشباعاً ، فإما أن يكبتها أو يعبر عنها في قالب النظام الاجتماعي المتعارف علية ، المسمى بالزواج.

69- ب : الذات المثالية أو الضمير (الأنا العليا) :
واصطلح فرويد على تسميتها Super Ego أو "الأنا العليا Le surmoi" ، والتي تمثل الجانب المثالي والمظهر الروحاني للنفس البشرية. فهي تضم المبادئ الأخلاقية والمثالية المستقاة من القيم الدينية والقواعد الأخلاقية والمبادئ الاجتماعية. وتعتبر "الأنا العليا" أو ما يعرف بالضمير القوة الرادعة للنزوات والشهوات. كما أنه يقوم بمراقبة "الأنا" في إدانتها لوظائفها وانتقاده أو تأنيبه إذا ما استجاب لنزوات الذات الدنيا. فهذه النفس هي النفس اللوامة.

70- ج : الذات الشعورية أو العقل (الأنا) :
هذا القسم من أقسام النفس يرمز لها فرويد بكلمة Ego وتعني "الأنا Le moi" ، ذلك القسم الذي تشمل مجموعة الملكات الفطرية أو الفكرية المستمدة من رغبات النفس بعد تهذيبها بما يتفق ومقتضيات الحياة الاجتماعية والقيم الأخلاقية. ووظيفة "الأنا" عند فرويد هي محاولة التوفيق بين متطلبات الأنا العليا من جانب وبين النزعات الفطرية الغريزية التي تصعد من الذات الدنيا.

وهذا القسم الأخير من أقسام النفس (الذات الشعورية أو العقل) لدى فرويد يقسمه علماء النفس بدورهم إلى مراتب ثلاث : أولها الشعور أو العقل الظاهر Conscious ، متمثلاً في وسيلة الإدراك المباشر والوعي والإحساس والتخيل والنقد والحكم على الأمور ، أي كل ما يعيه الإنسان ويدركه. أما القسم الثاني فهو ما قبل الشعور أو العقل الكامن ou subconscious Preconscious ، ويقصد به الأفكار والخواطر والخبرات التي في وسع الإنسان أن يستدعيها ويستحضرها باختياره كلما أراد. أما القسم الأخير فهو اللاشعور أو العقل الباطن Unconscious وهو الذي يحوي الأفكار والخواطر وكل ما انتاب الشخص من حوادث تركت بصماتها بداخل النفس ، والتي لا سبيل إلى إيقاظها إلا في حالات الاستثنائية كحلم أو نوبة حمى أو عن طريق التحليل النفسي أو التنويم المغناطيسي. وهذا القسم الأخير أشبه بحجرة "الكرار" في المنزل حين تمتلئ بالذكريات والميول والرغبات ، آملة في الخروج إلى حجرة "الاستقبال" التي هي في هذا المقام الشعور.
والقسمان الأول والثاني يمثلان الجانب الواعي للعقل ، مما دفع فرويد لأن يقصر تقسيم ظواهر النفس على مرتبتين فقط هما الشعور واللاشعور. فألحق ما قبل الشعور أو العقل الكامن بالشعور أو العقل الظاهر ، مستنداً في ذلك إلى وجود قوة خفية - أطلق عليها فرويد اسم "الكبت" Répression - من شأنها صد بعض الذكريات والنزعات والخواطر عن الظهور في منطقة الشعور ، إما لمخالفتها للتقاليد والآداب والعقائد الدينية ، مثل الغريزة الجنسية والميل الجنسي لدى المحارم من الأهل والأقارب ؛ وإما لكونها من قبيل الذكريات المؤلمة أو الخواطر المرتبطة بفاجعة لا يقوى الشعور على تحمل طفوها من جديد في منطقته. فالكبت هو بمثابة الرقيب الذي يفحص ما يهم بالخروج من اللاشعور راغباً في الطفو على سطح الشعور. وهذا الصراع بين الدائرتين أمر غير محسوس ولا يعيه الإنسان.

من هنا يظهر أن فرويد يركز على أهمية اللاشعور أو العقل الباطن في تفسير السلوك الإنساني. ذلك أن ملكات اللاشعور أو العقل الباطن أقوى وأشد تأثيراً في النفس من ملكات الشعور أو العقل الظاهر. فالعقل الباطن يحوي ذكريات الطفولة والخواطر المكبوتة ، فضلا عن الدوافع والميول الفطرية والنزعات الغريزية والموروثة ، بما يجعله مؤثراً على الأفكار والمشاعر والوجدان والسلوك الشعوري. وهذا كله من شأنه أن يجعل للعقل الباطن أثراً واضحاً في اكتساب الشخصية طابعاً خاصاً. وعلى هذا يمكننا أن نتكشف ما يقف وراء السلوك الإنساني من خلال البحث بطريق التحليل النفسي Psychanalyse في مكنون العقل الباطن من خبرات ونزعات ورغبات وميول اختزلت في اللاشعور عبر سنوات الحياة.

وإذا أردنا أن نبين ميكانيزم عملية الاختزال في اللاشعور فعلينا أن نتأمل حياة الطفل فنجدها تبدأ بنزعات غريزية هي في البداية نزعات شعورية ، ثم لا يلبث أن ترتد إلى اللاشعور اثر اصطدامها بالحياة العقلية التقليدية المكتسبة من البيئة والتربية ، وبسبب النزاع بين الميول والنزعات الفطرية وبين تعاليم المجتمع تبدأ عملية الاختزال وتتكون مادة اللاشعور. كما أنه عن طريق الردع والمراقبة المتواصلة للنفس منذ الصغر تتشكل ملكة الكبت وتنمو مع العمر.

ويؤكد فرويد على أنه إذا لم يقترن الكبت بوسائل تصعيد صحيحة أصبح الكبت مرضياً وأصبح تكوين الشخصية الإنسانية مشكلاً على نحو مضطرب عصبياً ونفسياً.


71- ثانياً : تفسير السلوك الإجرامي عند فرويد :
يرجع فرويد تفسير السلوك الإنساني عامة – ومنه السلوك الإجرامي - إلى أن هناك صراعاً عقلياً Conflit mental يدور بين عوامل الإبداع Créativité ، متمثلة في النزعات الغريزية للإنسان – خاصة الغريزة الجنسية Libido ، وعوامل الهدم Destruction ، ممثلة في تلويح المجتمع بمعاقبة من يخرج على قيمه الأدبية والخلقية. بمعنى آخر أن هناك صراع بين الذات الدنيا بما تمثله من غرائز ونزعات وميول فطرية ، والذات المثالية "الأنا العليا" أو الضمير بما يمثله من قيم مكتسبة ومبادئ سائدة في المجتمع. وهو صراع للذات الشعورية "الأنا" دور فيه يتمثل في محاولة التوفيق بين الرغبات الصادرة عن شهوات الذات الدنيا وبين أوامر الذات المثالية وقيم المجتمع.

فإذا أفلحت الذات الشعورية "الأنا" التوفيق بين رغبات النفس الدنيا وبين قيم الضمير الدينية والخلقية جاء سلوك الإنسان متكيفاً ومنسجماً مع ما تتطلبه الحياة الاجتماعية. وإن أخفقت في إقامة الانسجام بينهما ، فإن الأمر يأخذ أحد مسارين : إما أن يسعى الإنسان إلى كبت رغباته وميوله وغرائزه في منطقة اللاشعور وعدم التعبير عنها إلا من خلال قنوات غير مباشرة كالأحلام مثلاً. وإما التسامي Sublimation بالرغبات والشهوات والميول الفطرية ، والإعلاء منها وتصعيدها بحيث تتحول إلى أنماط سلوكية مقبولة ، فالفرد الذي لا يستطيع إشباع رغبته الجنسية بالزواج يمكن أن يفرغ طاقته العضلية في ممارسة الرياضة. وهذا التسامي أمر – على ما يذكر الدكتور حسن الساعاتي – أصبح متعذر في إطار الحياة الاجتماعية المعقدة المقلقة العنيفة التي أصبحت المحافظة فيها على تقاليد لائقة بالإنسان أمراً شاقاً تستنفذ كل تدبير الفرد وحيلته .

ولما كان الإنسان بطبعة عدوانياً Agressive ، وأن عدم ظهور هذا الطبع يرجع إلى التدرب الذاتي والاجتماعي منذ الطفولة على التحكم في نزواتنا ورغباتنا وكبتها وعدم الكشف عنها إلا في القالب الذي يرتضيه المجتمع ، وهذا أمر يتشكل منذ الطفولة إذ يتعود الطفل بالتدريج على أن البعض من طلباته هي التي يمكن إجابتها ، وأنه يجب أن يتقبل إرجاء إشباع الجزء الباقي من الرغبات لوجود قيود مختلفة تحيط بها.

فإذا ما حدث خلل في عملية التدرب على الكبت ، أي أخفقت الذات الشعورية "الأنا" عن التوفيق بين نزعات الذات الدنيا وأوامر الضمير أو الذات المثالية وإخماد تلك النزعات في اللاشعور ، فإن الشخص ربما - من أجل التعبير عن ميوله الغريزية ورغباته الفطرية - يسلك سلوكاً إجرامياً ، أو على الأقل يصبح فرداً عصابياً Neuronique (كإحساسه غير المبرر بالخوف أو بالاضطهاد) أو مهوساً Psychose.

هنا تكون الذات المثالية "الأنا العليا" إما منعدمة الوجود وإما ضعيفة عاجزة عن ممارسة وظيفتها في السمو بالنزعات والميول الفطرية والحرص على إشباع تلك الأخيرة بشكل مشروع يتفق وقيم المجتمع الدينية والخلقية وقواعده القانونية. وكلا الأمرين هو تعبير عن انفلات الذات الدنيا من كل رقابة أو قيد والانطلاق برغباتها ونزواتها من منطقة اللاشعور إلى العالم المحسوس في صورة السلوك الإجرامي.

ولقد كشف فرويد عن وجود مناطق اختلال متعددة في النفس ، تفرز كل واحدة منها نمط مستقل من أنماط الشخصية الإنسانية. وهكذا ظهرت لنا نماذج مرضية أهما الشخصية القلقة ، والمكتئبة ، وهوائية المزاج ، والخيالية ، والمتشككة ، والمصابة ببرود عاطفي ، وضعيفة الإرادة ، والمتخوفة...الخ .

72- ثالثاً : أنماط العُقد لدى فرويد :
على أن فرويد قد كشف عن أن متراكمات اللاشعور قد تتحول إلى شكل عقد نفسية ، قد تدفع الشخص إلى التعبير عنها في صورة رمزية ، وربما قد يصل الأمر في الحالات الحادة إلى التعبير عنها في صورة الجريمة. وقد ذكر من بين ما ذكر عقدة أوديب ، وعقدة الذنب ، وعقدة النقص ، وعقدة الكترا .

73- أ : عقدة أوديب : Complexe d’Oedipe
وعقدة أوديب مصطلح اتخذه فرويد من اسم ملك طيبة وبطل الأسطورة الإغريقية الذي قتل أباه وتزوج أمه على غير علم منه. ولدى فرويد اعتقاد بأن زنا المحارم Inceste حاجة أساسية لدى كل الناس. وتنشأ هذه العقدة من منظور فرويد من تعلق الابن الذكر لا شعورياً بأمه تعلقا جنسياً مصحوباً بالغيرة والكراهية لوالده الذي يرى فيه شخص من ينافسه في حب أمه. ولما كان الابن يرى من جانب آخر حنواً وعطفاً من أباه ، فإنه يتوالد بداخله صراع بين نوعين متناقضين من المشاعر تجاه الأب.

فحين لا تقوم "الأنا" (العقل) بأداء وظيفتها في تطويع هذا الشعور والإحساس لدى الابن بما يتفق مع القيم الدينية والقواعد الأخلاقية والتقاليد الاجتماعية لأدى ذلك إلى أن يبدأ الابن بالتمرد على أباه والخروج على ما قد يفرضه من نظام داخل الأسرة. وفي الحالات المرضية الشديدة قد يعبر الابن عن كره لأباه في صورة سرقة ماله أو إتلاف متعلقاته أو تزوير توقيعه ، وربما يأخذ الأمر مساراً شاذاً فيقتل الابن أباه أو قد يغتصب أمه.

74- ب : عقدة الذنب Complexe de culpabilité
قد تستعيد "الأنا العليا" في أعقاب ارتكاب السلوك الإجرامي قوتها أو وجودها وتقوم بتوجيه التأنيب اللوم إلى "الأنا" على ضعف رقابتها الذي أنتج هذا السلوك الإجرامي. هنا يتولد لدى الشخص شعور بالذنب قد يدفعه إلى الرغبة في العقاب تكفيراً عما بدا منه ، ويظل هذا الشعور مسيطراً عليه إلى الحد المرضي الذي يدفعه إلى ارتكاب الجريمة رغبة في التطهر والتحرر من هذا الشعور بالذنب عن طريق الخضوع للجزاء الجنائي. ولهذا فإن المصابين بتلك العقدة عادة ما يعمدون إلى ترك دلائل مادية تكشف عن شخصياتهم تمكن السلطات من القبض عليهم وإنزال العقاب بحقهم. ولقد كشف علماء آخرين تأثروا بفرويد – من أمثال فرانز ألكسندر Franz Alexander ووليام هيلي William Healy - عن دور الرغبة في التخفيف من حدة الشعور بالذنب في الدفع إلى سلوك سبيل الجريمة ، وخاصة جريمة السرقة .

75- ج : عقدة النقص Complexe d’infériorité
وهو أحد الصور الرمزية للتعبير عن المشاعر والميول المكبوتة ، تنشأ عن صراع كامن في اللاشعور مرده إحساس الإنسان بنقص في أعضائه الجسمانية أو مظهره الشخصي أو إحساسه بتدني مكانته الاجتماعية وإخفاقه في بلوغ ما كان يصبو إليه من آمال في الحياة. فإذا ما حدث وأفلحت الذات الشعورية أو الأنا في كبت هذا الإحساس في منطقة اللاشعور ، فربما يسعى الشخص نحو تعويض هذا الشعور بالنقص بالتعبير عنه في صورة رمزية في العالم الخارجي في شكل ، سرقة أو فرض سيطرة أو استعمال قوة ، الذي عادة ما يستهدف الشخص بها الظهور والشهرة.

76- د : عقدة الكترا Complexe d’Electra
وهي عقدة تماثل عقدة أوديب تنشأ من تعلق البنت بأبيها تعلقاً جنسياً وما ينجم عن هذا من غيرة من الأم وكراهية لها إذ تنافسها في حب الأب. وتقع البنت هي الأخرى في صراع بن حب أمها التي تعطف عليها وبين كرهها لها كونها أقرب إلى الأب منها. وإذا نجحت الأنا في كبت هذا الشعور بالكراهية تحت تأثير الضغوط الاجتماعية التي لا تسمح بالتعبير عن السبب الحقيقي لهذا الكره ، فإن البنت قد تعبر عنه رمزياً في صورة التمرد على أمها ، وفي الحالات المرضية يكون بالاعتداء عليها بالضرب أو السرقة ، وفي الحالات الشاذة قد يصل الأمر إلى حد القتل.

77- رابعاً : تقدير نظرية فرويد :
لا يمكن لأحد أن ينكر فضل مذهب التحليل النفسي في إبرازه أهمية الجانب اللاشعوري أو غير الواعي في بناء الشخصية الإجرامية ، فهذه المنطقة تختزن فيها كل الدوافع الإجرامية ، الأمر الذي كان له أثره في الكشف عن أسباب وبواعث الكثير من الجرائم ، كما كان له أثره في علاج بعض طوائف المجرمين من المرضى النفسانيين والعقليين.

بيد أن هذه النظرية قد تعرضت للعديد من الانتقادات نوجزها في الأتي :
- عيب على تلك النظرية سقوطها في الخطأ المنهجي. ذلك أن جميع المتغيرات والمفاهيم التي قالت بها يصعب دراستها علمياً والتحقق من فروضها بطريق الملاحظة أو التجربة. فكيف يكمن قياس مفاهيم الأنا والأنا العليا واللاشعور.
- كما أخذ على تلك النظرية عدم استعانتها بمجموعات ضابطة وعينات كافية ، الأمر الذي أوقعها في خطأ المغالطة الثنائية ، الذي مؤداه افتراض أن الخاضعين للتحليل يمثلون طائفة المجرمين في المجتمع أما غير الخاضعين له فهم من غير المجرمين ، وهو افتراض لا يطابقه أمر من الواقع.
- وأخيراً فإنه وفقاً لمضمون تلك النظرية فإن السلوك الإجرامي يعود إلى اضطراب نفسي ناشئ عن الخلل في بعض العمليات الأولية المبكرة (الخلل في عملية الفطام مثلاً أو عدم الإشباع أثناء الرضاعة) والتي يتم اختزلها منذ الطفولة الأولى وتظل كامنة في منطقة اللاشعور أو العقل الباطن ، وهو أمر صعب على الباحث تقصي تطوره ونموه خلال هذا الزمن الطويل ، الأمر الذي يتعذر معه إثبات الصلة بين السلوك الإجرامي وبين الخلل الذي يعتقد وجوده في منطقة اللاشعور.
- ويرتبط بالنقد السابق ما قيل من أن النظرية التحليلية النفسية قد أعلت من قيمة الغريزة الجنسية - سيما ما يتصل بفترات الطفولة الأولى - وأثرها في السلوك الإنساني عامة والإجرامي خاصة.
- كما قيل بأن تلك النظرية وإن أفلحت في تفسير لماذا يرتكب الشخص جرماً معيناً ، فإنها رغم ذلك لم تفلح في تفسير علة خلع المشرع على فعل ما وصف جريمة. فالمعلوم أن الأفعال محايدة وأن المشرع وحده هو الذي يجعل من فعل جريمة ومن ذات الفعل بطولة. فإزهاق الروح قتل في بعض الفروض ، حق – بحكم الدفاع الشرعي مثلاً – في بعض الفروض الأخرى.
- وقيل في نقد تلك النظرية أيضاً إغفالها دور العوامل الاجتماعية والظروف البيئية في الدفع نحو الإجرام. فمهما بلغت قوة الخلل النفسي فإنه من المتعذر التسليم باعتباره وحده المخلق للسلوك الإجرامي.
- كما أخذ على هذه النظرية أنها لا توجد صلة حتمية بين الخلل النفسي الناشئ عن انعدام أو ضعف "الأنا العليا" وبين السلوك الإجرامي. فكثيراً ما يعاني الشخص من مرض نفسي ومع ذلك لا يرتكب سلوكاً إجرامياً. وبالعكس فإن البعض يسقط في هوة الجريمة دونما أن يثبت معاناته من خلل نفسي. هذا فضلا عن أن انعدام أو ضعف "الأنا العليا" (أو الضمير) لا يصلح تفسيراً للجرائم العاطفية والتي يتصف مرتكبيها بقوة الأنا العليا.
- كما قيل أن منطق هذه النظرية يؤدي إلى القول بأن الجريمة أمر حتمي في حياة الإنسان طالما أن الإنسان محكوم بنزعات ودوافع غريزية لا يستطيع الفكاك والهروب منها. وهو ما يسد الطريق أمام محاولة علاج من يعانون من الاختلالات النفسية.
- كما قيل أن بعض نتائج تلك النظرية يتناقض مع مقدماتها. فإذا كانت تلك النظرية ترجع الجريمة لأسباب تتعلق بغياب أو ضعف الأنا العليا أو سطوة الذات الدنيا ، فإن المنطق يفرض القول بأن جميع المجرمين يتميزون بالقوة والعنف وانعدام الأحاسيس ، وهو أمر يكذبه واقع الجريمة الفعلي.
- كما أن منطق تلك النظرية يفرض اعتبار المجرم مريضاً نفسياً يستوجب العلاج لا العقاب ، وفي هذا تضحية بأغراض العقوبة من ردع عام وعدالة.

المطلب الثاني
النظريات النفسية اللاحقة على فرويد

تتابعت من بعد فرويد البحوث التي استندت إلى منهج التحليل النفسي الذي كشف عنه هذا الأخير . ويجمع تلك الدراسات كونها أكدت على أن الاضطراب النفسي أمر قد يتواجد لدى الكثيرين دون أن يخلق هذا منهم مجرمين. فلديهم أن الاضطراب النفسي الذي يتعين الوقوف عنده هو ذلك القادر على الانتقال بالشخص إلى طور تنفيذ المشروع الإجرامي ، وذلك من اجل تشخيص هذا الاضطراب ، وتحليل الظروف التي تقف وراء انتقال الشخص إلى مرحلة البدء في التنفيذ Passage à l’acte.

وتأتي بحوث ألفريد أدلر Alfred Adler (1870-1937) في مقدمة البحوث التي استندت إلى منهج التحليل النفسي الذي قال به فرويد. غير أن أدلر قد ركز بصفة خاصة على عقدة النقص Complexe d’infériorité من حيث دورها المتعاظم في تفسير السلوك الإجرامي. فلديه أن هذا السلوك إنما يقف وراءه حاجة الشخص إلى جذب اهتمام الآخرين وتعويض ما يشعر به من نقص. وقد ظهر ذلك جلياً بتتبع حالة إحدى الفتيات التي اعتادت السرقة من المحلات التجارية.

ويأتي كارل جوستاف يونج Karl Gustave Young (1875-1960) بدوره كي يرجع السلوك الإجرامي إلى اضطراب نفسي مبناه غلبة عوامل الأنانية ، أو ما أسماه الانطواء الذاتي Introversion ، أي تركيز الاهتمام على الذات ، على عوامل الانبساط Extraversion ، أي العوامل التي تدفع الشخص نحو الانصراف عن حاجات الذات. هذا التفسير الذي يمكن قبوله بشدة في حالات المجرمين المعتادين والمجرمين السيكوباتيين.

ويمكننا أن نشير أيضاً إلى البحوث التي أجراها ديفيد أبراهامسن David Abrahamsen ، والتي ركزت على الربط بين الجريمة – خاصة جناح الأحداث - وبين اضطرابات الشخصية التي تتواجد نتاج الخلل في علاقة الطفل بأمه في المراحل الأولى.

كما أشار هذا العالم إلى وجود ميل عام نحو الجريمة في جانب كل شخص ، أو ما يمكن تسميته بالاستعداد الغريزي تجاه الإجرام. غير أن هذا الميل في رأي هذا العالم يستلزم أمرين كي يبدأ في التحرك والظهور في المحيط الخارجي في صورة الجريمة : الأول وجود موقف دافع يؤثر في الشخص من واقع الخبرات المكتسبة خلال مراحل حياته المختلفة. أما الأمر الثاني فهو وجود نقص أو ضعف في الموانع النفسية أو عناصر المقاومة ، بحيث لا يمكنها أن تقف في مواجهة عوامل الدفع التي تمثلها الميول الغريزية نحو الجريمة. وهكذا توصل هذا الباحث في النهاية إلى التعبير عن الجريمة بالمعادلة التالية :

الجريمة = الميول الغريزية + الموقف الدافع
المقاومة النفسية

وقد ركز من بعد الطبيب النمساوي أوجست أكهورن August Aichhorn – في مؤلفه "الحدث المتمرد Wayzard youth" - على توجيه التحليل النفسي نحو معاملة وعلاج المجرمين ، أكثر من اعتباره أسلوباً كشفياً عن الأسباب النفسية التي تقف وراء السلوك الإجرامي . فلديه أن بالتحليل النفسي يمكننا أن نحدد طرق التهذيب Réeducation وما يتوجب من تغيرات في الوسط الاجتماعي Mileu social المحيط بالفرد ، فيقوي من عوامل المنع النفسية لديه ، ويجعله يألف السلوك الاجتماعي المتوافق مع القيم والعادات والموروثات الثقافية السائدة في المجتمع. وقد كشف من خلال عمله مديراً لإحدى الإصلاحيات عن أنواع مختلفة من المجرمون الأحداث ممن يعانون من اضطرابات نفسية يعود إلى نقص القدرة على كبت الدوافع والحرمان الشديد من العطف ، كالحدث العصابي ، والحدث العدواني ، والحدث الذي لم تتطور ذاته العليا.

وفي رأينا أنه من السهل بمكان الكشف عن مواطن الخلل في هذه النظريات مجتمعة. ففوق أنها لم تنجح في تجنب الانتقادات التي قيل بها تجاه نظرية فرويد في التحليل النفسي ، فإنه يعيبها أنها سقطت في خطأ التعميم أو المغالطة الثنائية ، ويعود ذلك أنها عممت من النتائج المستخلصة من البحوث التي أجريت على بعض الحالات الفردية ، دون أن تتأكد من تلك النتائج على مجموعات ضابطة كافية. فضلاً عن أن بعض المفترضات التي قيل بها لا يمكن التحقق منها بشكل علمي سليم ، ومثال ذلك فكرة الميل الغريزي نحو الإجرام.

كما أن تلك الاتجاهات قد ركز كل منها على جانب نفسي معين ، الأمر الذي يصعب معه التوصل من خلالها إلى نظرية عامة لتفسير الظاهرة الإجرامية. ويصدق هذا النقد بحق نتيجة إهمال تلك الدراسات لتأثير العوامل الاجتماعية في الدفع نحو الجريمة.

الفصل الثاني
التفسير الاجتماعي للظاهرة الإجرامية
L’analyse sociologique du phénomène criminel

78- تمهيد وتقسيم :
لم يبزغ نجم التفسير الاجتماعي للظاهرة الإجرامية – الذي يبنى على فكرة رئيسية مؤداها أن السلوك الإجرامي يخضع لنفس القواعد التي تخضع لها كافة الظواهر الأخرى في السلوك البشري - إلا خلال القرن التاسع عشر حينما بدأ الباحثون في علم الإجرام دراسة أسباب الجريمة في البيئة الاجتماعية المحيطة بالجاني - أو ما يعرف بأسلوب الدراسة الايكولوجية الاجتماعية للجريمة L’écologie du crime. وهو الأسلوب الذي يهدف إلى بيان مدى تأثر الأفراد بوصفهم كائنات عضوية بالضغوط والوقائع البيئية المختلفة التي يتعرضون لها.

غير أن الدراسة الايكولوجية للجريمة قد بدأت مقتصرة على الربط فقط بين المظاهر الجغرافية للبيئة – وخاصة المظاهر الجيولوجية والمناخية - وبين السلوك الإجرامي ، وهو ما يعرف بالاتجاه الجغرافي في دراسة الظاهرة الإجرامية.

ولقد تلقف هذا المنحى العالم الفرنسي أندريه جيري André Guerry (1802-1866) ، أحد أقطاب ما يعرف بالمدرسة الفرنسية البلجيكية للوسط الاجتماعي L’école franco-belge du milieu social وأحيانا بالمدرسة الخرائطية أو الجغرافية L’école cartographique ou géographique ، فأصدر أثناء عمله مديراً لإدارة الإحصاء بوزارة العدل الفرنسية أول كتبه فى عام 1833 تحت عنوان "دراسة حول الإحصاء الأدبى لفرنسا"Essai sur la statique morale de la France متناولا فيه ظاهرة الجريمة كفكرة اجتماعية معتمداً على الإحصاءات الجنائية الفرنسية ومحاولاً تبيان أثر الجنس والعمر والمهنة والمستوى الثقافي وتقلبات الطقس والفصول المناخية على الإجرام . وفي عام 1864 أصدر كتابه الثاني "الجهل والإجرام" مقارناً بين الإحصاءات الإنجليزية والإحصاءات الفرنسية مبينا عدم وجود ارتباط بين الجهل والإجرام ، وأن الجهل ليس مصدراً مطلقاً ومباشراً للجريمة ، بل أن التعليم أحياناً قد يكون عاملاً من عوامل الجريمة ، كما أن الفقر ليس بالضرورة مصدراً مطلقاً ومباشراً للإجرام ، بل إن جرائم الاعتداء على الأشخاص Infractions contre les personnes قد تعود إلى اضطراب أو خلل نفسي أو عضوي للفرد أو خلل في بيئته الاجتماعية والوسط المحيط .

ويأتي من بعد دور العالم البلجيكي لامبرت أدولف كيتيليه A.Quètelet ، وهو القطب الثاني للمدرسة الفرنسية البلجيكية وأحد مؤسسي الاتجاه الاجتماعي الأوروبي في تفسير الظاهرة الإجرامية ، الذي نشر في عام 1835 نتائج أبحاثه في كتابين الأول بعنوان "الطبيعة الاجتماعية" La physique sociale والثاني بعنوان "حول الإنسان وتطور قدراته"Sur l’homme et le développement de ses faculté ، والتي تشير – ومن خلال الدراسات الإحصائية القائمة على قانون الأعداد الضخمة – إلى أن الجريمة ما هي إلا ظاهرة اجتماعية تخضع لقواعد عامة تحكمها شأنها شأن الظواهر الطبيعية ، وأنها تتأثر بعوامل كثيرة كالجنس والسن والطقس والحالة الاقتصادية للجاني . كما أوضح أن جرائم الأشخاص تكثر في الأقاليم الجنوبية التي تشتد فيها درجات الحرارة بينما تزيد جرائم الأموال في البلدان الواقعة في الأقاليم الشمالية وهو ما يعرف عنده بالقانون الحراري للظاهرة الإجرامية La loi thermique du phénomène criminel.

ومع أفول نجم الاتجاه الجغرافي – على أثر ذيوع أفكار الاتجاه التكويني البيولوجي وقطبه الأشهر سيزار لومبروزو - بدأ يبزغ نجم الاتجاه الايكولوجي الاجتماعي في دراسة الجريمة ، المنصب على الربط بين السلوك الإجرامي وبين ما يحيط بالفرد من ظروف بيئية مختلفة. ولقد ساهم في ظهور هذا الأسلوب في دراسة الجريمة الكثير من علماء الاجتماع في أوروبا ، من أبرزهم رواسون Rawson في دراساته عام 1839 حول الإجرام في المدن الإنجليزية ، ودراسات ماهيو Mayhew مابين عامي 1851 و1864 لإجرام عمال مدينة لندن ، ودراسات بوت Booth لأحياء العمال في لندن عام 1903.
ولمدرسة شيكاغو الفضل في تدعيم هذا الأسلوب في دراسة الجريمة ، على يد روبرت بارك Park وارنست برجس Burgess ، ثم تلى ذلك جهود كل من ماكنزي Mckenzie ، وأندرسون Anderson ، وويرت Wirth ، وزوربورج Zorbourgh ، وتراشر Thrasher ، وشو Shaw.

وإذا كنا لا نستطيع أن ننكر فضل علماء القانون والاجتماع في أوربا في إبراز الاتجاه الاجتماعي في دراسة الجريمة - من أمثال العالمان الفرنسيان دوركايم Durkheim القائل بنظرية اللانظام ، وتارد Tard القائل بنظرية المحاكاة أو التقليد الإجرامي - غير أن الاتجاه الاجتماعي المعاصر لم يتبلور بصورة واضحة إلا على يد العديد من العلماء الأمريكان ، حتى أن بعض الباحثين يطلقون على التفسير الاجتماعي للظاهرة الإجرامية "المدرسة الأمريكية" L’école américaine. ومن أمثال هؤلاء سيلين Sellin القائل بنظرية تنازع الثقافات ، وسذرلاند Sutherland القائل بنظرية الاختلاط الفارق ، وركلس Reckless الذي تنسب إليه نظرية المفاهيم الذاتية أو المصدات.

وعلينا أن ننبه إلى أن الدراسات الإجرامية التي يشملها هذا الاتجاه قد تبعت أحد أسلوبين في البحث : إما دراسة العلاقة بين معدل الإجرام من ناحية والهيكل الاجتماعي من ناحية أخرى. ومن هنا أطلق على البحوث التي تبنت هذا الأسلوب "نظريات الهيكل الاجتماعي Les théories de structure sociale" ومنها البحوث التي ربطت بين الجريمة وبين تضارب الثقافات ، وتضارب الأيديولوجيات السياسية والدينية ، الهيكل الطبقي للمجتمع Stratification والعنصر السكاني ، اختلال توزيع الثروات والدخل.

أما الأسلوب الثاني فيشمل بحوث ودراسات "الكيفية الاجتماعية Les théories de processus sociale" ، وهي مجموع النظريات التي تكشف عن الطريقة التي يصبح الفرد وفقاً لها مجرماً بدلا من أن ينسجم سلوكياً مع القواعد القانونية المنظمة للعلاقات في المجتمع.

وعلى هذا سوف تجري دراستنا للاتجاه الاجتماعي في تفسير الظاهرة الإجرامية على مبحثين نخصص أولاهما لنظريات التركيب الاجتماعي وثانيهما لنظريات الكيفية الاجتماعية ، مع ضرورة التنبيه على أن إدراج أي نظرية تحت إحدى هاتين الطائفتين ليس نابعاً إلا من كونها تتضمن عدد من الخصائص التي تقربها من طائفة بعينها دون الطائفة الأخرى.

المبحث الأول
نظريات الهيكل الاجتماعي
Théories de structure sociale

79- تقسيم :
تهدف نظريات الهيكل الاجتماعي إلى دراسة العلاقة بين الإجرام من جانب وتركيب المجتمع من جانب آخر. ويمكننا أن نشير في هذا الصدد إلى العديد من الاتجاهات منها : نظريات التنازع أو الصراع داخل المجتمع ، نظريات اللانظام ، النظرية الاقتصادية ، النظرية البيئية ، وأخيراً النظرية العرقية. وسوف نوالي شرح تلك النظريات وتناولها بالنقد من خلال الصفحات التالية.

المطلب الأول
نـــظـــريـــات الـــصـــراع
Théories du conflit
80- تقسيم :
حاول البعض تفسير الظاهرة الإجرامية في ضوء التنازع أو الصراع داخل المجتمع على اختلاف فيما بين العلماء في تحديد الشكل الذي يأخذه هذا التنازع. ويمكننا أن نشير على وجه الخصوص إلى ثلاث نظريات هي على التوالي : نظرية التنازع الثقافي ، ونظرية تنازع السلطة ، وأخيراً نظرية الثقافات الفرعية.

81- أولاً: نظرية التنازع الثقافي :
ركز العالم الأمريكي سوريستن سيلين Sellin Thorsten على ضرورة تحليل الجريمة في ضوء التنازع الثقافي Conflit culturel الناشئ عن التضارب بين قواعد السلوك Normes. فالفرد يجد نفسه – داخل المجتمع الواحد - مشدوداً بين ثقافتين متعارضتين لكل منهما نمط سلوكي مخالف ، الأمر الذي يجعل من فعله ، في بعض الأحيان ، مشكلاً لجريمة في نظر إحدى الثقافتين.

ويرى سيلين أن قواعد السلوك تتحدد من خلال الجماعة التي ينتمي إليها الفرد ، والتي قد يشوب قيمها التنازع والتصارع مع قيم جماعات أخرى تتواجد في محيط الفرد الاجتماعي.

ويأخذ التنازع الثقافي لدى سيلين إحدى صورتين : إما صورة التنازع الأصلي أو الخارجي ، وذلك حينما يقع التصادم بين ثقافتين مختلفتين في مجتمعين مختلفين. وقد يأخذ صورة التنازع الثانوي أو الداخلي حينما يقع التصادم في إطار ثقافة عامة واحدة.

وقد ينشأ النوع الأول من التنازع بفعل الهجرة حيث ينتقل المهاجر محملاً بثقافة ومقيم تتنافر أحياناً مع قيم ومبادئ المجتمع الذي هاجر إليه. ومثال ذلك حالة المهاجر الذي يدفع إلى ارتكاب القتل دفاعاً عن عرض ابنته ، متوقعاً أن ينال هذا الفعل استحسان من يعيشون في المجتمع الذي هاجر إليه ، وذلك وفقاً لتكوينه الثقافي الذي استمده من موطنه الأصلي ، الذي تسود فيه عادة الأخذ بالثأر دفاعاً عن الشرف وحيث يلقى القتل لهذا الهدف ترحاباً اجتماعياً يزهو به المرء. ومن أنماط هذا الصراع أيضاً التنازع بين ثقافة الدولة المستعمِرة وثقافة الدولة المستعمَرة. ومنه أيضاً الصراع بين ثقافة دولتين تتلاصق حدودهما الإقليمية ويندمج رعاياهما معاً.

أما التنازع الثانوى – الذي يصلح في رأيه لتفسير الجريمة في الولايات المتحدة ، وذلك لأن معدل جرائم المواطنين الأصليين أعلى من نظيره لدى الأجانب في الولايات المتحدة – فقد أشار سيلين إلى أنه ينشأ نتاج تنافر وعدم تجانس الثقافات داخل المجتمع الواحد ، والذي يدفع إليه وجود نوع من التمييز الاجتماعي Différentiation sociale بين المجموعات أو التكتلات السكانية ، التي بمرور الوقت تكون قد شكلت لنفسها مجموعة من القيم الخاصة ، التي تتنافر بدورها مع القيم السائدة لدى التكتلات الأخرى في ذات المجتمع. الأمر الذي يولد مزيداً من الصراع الاجتماعي بين تلك الكيانات المستقلة ثقافياً ، ويكون مدعاة لظهور الجريمة في هذا المحيط الاجتماعي. ومن أشكال هذا التنازع الثقافي تضارب قيم الجماعات الأسرية ، والجماعات المدرسية ، وداخل الأندية ، وجماعات العمال. ومثاله تعارض عادة الأخذ بالثأر مع الثقافة العامة في المجتمع المصري رغم أنها تتوافق من الناحية السلوكية مع القيم والعادات السائدة في المجتمعات الصغيرة في مصر العليا.

وقد كشف سيلين عن أن جانب من الأسباب الذي يقف وراء الظاهرة الإجرامية يعود إلى ما أسماه "التفكك الاجتماعي Social Disorganization" الذي أصاب المجتمع المعاصر . يدل على ذلك قلة معدل الجريمة حينما كانت تسود نزعة الريفية والبداوة في غالب المجتمعات. ففي المجتمع الريفي والبدائي كانت تسود روح التعاون والإخاء وتتوحد مصالح وغايات الجماعة ، مما يسهل على الفرد أن يوافق بين سلوكه وبين تقاليد المجتمع الذي يعيش بين جنباته. أما في المجتمعات المتحضرة والمعقدة اجتماعياً وثقافياً فينعدم الأمان وتطغى الماديات وتتضارب الأهواء والمصالح ، الأمر الذي يكشف رويداً رويداً عن قدر من التفكك الاجتماعي والثقافي ، يكون بدوره عاملاً وسبباً من أسباب تكون الظاهرة الإجرامية داخل هذه المجتمعات.

وإذا كانت نظرية سلين قد أصابت جزءً من الحقيقة حينما أرجعت الظاهرة الإجرامية إلى تنازع وتضارب الثقافات ، إلا أنها قد تعرضت للنقد من عدة أوجه :
- فقد عيب على نظرية سيلين اتخاذها لعامل الصراع الثقافي كسبب وحيد للظاهرة الإجرامية متغافلة عن جملة العوامل الفردية والخارجية الأخرى التي قد تقف وراء هذه الظاهرة.
- فضلاً عن أن هذا التحليل لا يصلح لتفسير كافة صور الجرائم. فإذا كانت تلك النظرية تصلح لتفسير جرائم العصابات وجرائم الأجانب ، لاشتمالهما على تعارض واضح بين نوعين من قواعد السلوك ناشئ عن اختلاف التكوين الثقافي لكل منهما عن الثقافة العامة للمجتمع ، فإنها لا تقوم بنفس المهمة إزاء الأنماط الإجرامية الأخرى.

82- ثانياً : نظرية تنازع السلطة :
يركز كلاً من أوستن تارك Turk Austin وريتشارد كيني Quinney Richard على السلطة باعتبارها محور التنازع داخل المجتمع .
فلدى تارك أن علم الإجرام ينبغي أن يعنى من ناحية بدراسة الفروق بين مركز السلطة الحاكمة في الدولة والأفراد المحكومين الخاضعين لتلك السلطة من ناحية أخرى. ومرد ذلك يعود إلى أن هذان المركزان متميزان في كل المجتمعات والتفاوت بينهما أمر متقبل لدى كافة المجتمعات ، بحسبان أن ذلك هو السبيل الوحيد للحيلولة دون انهيار النظام الاجتماعي في الدولة.

وفي رأي تارك أن هيكلة المجتمعات في هذا القالب أوجب وجود نوعين من القواعد : أولها قواعد السيادة أو السيطرة Norms of domination ، وثانيهما قواعد الامتثال أو الإذعان Norms of deference. وقواعد السيادة هي التي تشكل القواعد القانونية بكل صورها التي تهدف إلى تأكيد سلطة الدولة وضبط إيقاع المجتمع وانتظامه من الناحية السلوكية. أما قواعد الإذعان فتتشكل تبعاً للتكوين البيولوجي والاجتماعي والثقافي للفرد. وتبدأ عملية التنازع في نظر تارك حينما يختلف التقييم الذي يجريه كل فرد تجاه قواعد السلوك المتعددة ، ومن ثم تختلف ردود أفعال الأفراد. ولا شك أن هذا التقييم يتنوع من فرد إلى آخر بحكم تفاوت السن ، واختلاف الجنس أوالعنصر ، والتفاوت الحضاري...الخ.
أما لدى كيني فإن الدراسة الإجرامية ينبغي أن ترفض فكرة أن القانون يمثل حلاً توفيقياً بين المصالح المتضاربة ، فالقانون لديه يخدم بعض المصالح على حساب المصالح الأخرى. والقانون الجنائي في نظره قد ولد بصفة خاصة لتدعيم سلطة جماعات على حساب جماعات أخرى ، وكذا لحماية مصالح جماعات معينة في المجتمع سواء كانت تلك الجماعات ذات صبغة سياسية أم اقتصادية أم دينية...الخ.

ولدى كيني أن هذا الخلل في وظيفة القانون يعود إلى طبيعة النظام الرأسمالي الذي يعلي من قيمة الربح والفائدة. لذا فإن كيني يرى أن من بين طرق مكافحة الجريمة تدعيم بناء المجتمع الاشتراكي ، بحيث يتساوى الجميع في الاستفادة من المزايا في المجتمع ، وتنعدم الطبقية الاجتماعية والبيروقراطية. فلا يبقى القانون أداه في يد جماعة تمارس بها سلطتها تجاه جماعة أخرى أو تهدف لحماية مصالحها فقط .

وفي مقام تقديرنا لهذه النظرية ، يجدر بنا الإشارة إلى عدة انتقادات :
- قيل أن أول ما يؤخذ على تلك النظرية - بل ونظريات التنازع عموماً - هو افتقارها إلى البحث التجريبي الذي يثبت صدق النتائج التي توصلت إليها.
- كما عيب على تلك النظرية جانب التعميم بقولها أن القانون الجنائي ، بما يتضمنه من قواعد تجرم بعض الأفعال أو الإمتناعات ، إنما وضع لكي يخدم الطبقة الحاكمة دون غيرها ، أو لتدعيم سلطة جماعة في مواجهة جماعة أخرى. فالنص الذي يجرم السرقة أو الاستيلاء على مال مملوك للغير ، كما يحمي أموال الطبقة الحاكمة فإنه يحمي – وبالدرجة الأولى – أموال الأفراد العاديين من الطبقة المحكومة.
- كما عيب على تلك النظرية قصورها في التحليل. فقد اعتمدت على ملاحظات مستمدة من الواقع المحلي (الولايات المتحدة) في التطبيق التمييزي للقانون جوهرها تطبيق نفس القانون على عدة وجوه بحسب الطائفة الاجتماعية التي ينتمي إليها المجرم ، حيث يكثر تدخل القانون ضد المنتمين إلى الطبقات الدنيا ويتقلص تطبيقه في مواجهة من ينتسبون إلى الطبقات الأعلى درجة. غير أن هذا لا يبرر بذاته هدم النظام القانوني الحالي برمته بدعوى أن سوء التطبيق قد شابه من الناحية العملية.
- علاوة على ذلك فإن النظرية لا تفسر بوضوح كيف تقع الظاهرة الإجرامية كأثر للعلاقات الاجتماعية المختلة بفعل خلل السلطة ، وسيطرة جماعة على أخرى ، واستخدام القانون كأداة لتحقيق مصالح طائفة بعينها من طوائف المجتمع. ولعل ما يدعم هذا النقد هو أنها لم تفسر عدم سقوط بعض أفراد الطبقة الدنيا في طريق الجريمة ، على الخلاف من بعض أفراد الطبقات العليا.
- وأخيرا فإن القائلين بتلك النظرية ، وقد كشفوا عن تحيزهم للنزعة الاشتراكية وتحليلها الاقتصادي للجريمة ، إلا أنهم لم يحددوا بوضوح معالم النظام الاشتراكي الذي يمكن أن يمثل أداة فاعلة في مكافحة الظاهرة الإجرامية.

83- ثالثاً : نظرية الثقافة الفرعية :
84- تقسيم :
لقد تنوعت الدراسات التي ارتبطت بفكرة الثقافة الفرعيةSous culture بحيث يمكننا أن نجمعها تحت لواء نظرية واحدة ، يدور محورها حول التكوين الثقافي لكل طبقة اجتماعية داخل المجتمع ومحاولة تفسير السلوك الإجرامي عبر هذا التكوين الثقافي الخاص بالطائفة التي ينتمي إليها المجرم. وأهم الدراسات التي أجريت في هذا الصدد ما قام به كوهين Cohen ، وكذا العالمان كلاوارد Cloward وأوهلين Ohlin .

85- أ : نظرية كوهين :
انصب اهتمام العالم الأمريكي ألبرت كوهين Cohen على إجرام الأحداث ممن ينتمون إلى الطبقات الدنيا في المجتمع. وقد أشار في أبحاثه التي نشرها عام 1955 إلى أن هناك صراع ينشأ بين معايير السلوك الاجتماعي لدى الطبقة الدنيا وتلك المتبناة من أفراد الطبقة الوسطى . وأشار إلى أن الغلبة دائماً تكون لمعايير تقدير السلوك التي تعارفت عليها الطبقة الوسطى. بحيث أن الفرد الذي تفرزه الطبقات الدنيا يتم تقدير مكانته في المجتمع على ضوء معايير كونها أفراد ينتمون إلى الطبقة المتوسطة ، الأمر الذي يجبره على تقبل أهداف وقيم الطبقة الوسطى ، خاصة وأن هناك عوامل متعددة تدفعه إلى هذا القبول : كطلب والديه ضرورة الوصول إلى مركز مرموق وأفضل مما هما عليه ، ودعوة وسائل الإعلام المتكررة بضرورة الارتقاء بالقيم وضرورة الوصول لمراتب أفضل في السلم الاجتماعي.

غير أن الفرد يظل غير قادر على التكيف مع أهداف الطبقة الوسطى أو تحقيقها بالوسائل الاجتماعية المقبولة. فالفرد من بين الطبقات الدنيا ينشأ من الناحية الاجتماعية في ظل نظام يجعله يعيش يومه دون التفكير في مستقبله ، ولا يعرف من الطموح عادة إلا قدرا ضئيلا ، ويستسهل الاعتداءات البدنية واللفظية ، وهو ما يجعله يعيش في مركز اجتماعي أدنى من نظيره في الطبقة الوسطى ، ويجد نفسه في إطار نظم يديرها أفراد الطبقة الوسطى ويحكمون عليه وفقا لمعاييرهم ، ويصبح غير مؤهل اجتماعياً للتوافق مع قيمهم وأهدافهم.

ولما كان طفل الطبقة الدنيا قد تيقن أن ارتفاع شأنه في الحياة الاجتماعية لابد أن يمر من خلال تبني القيم السائدة في الطبقة الوسطى ، كما تيقن من أن ظروفه تحول دون تطبيقها ، فإن احترامه لنفسه يهبط ويصادف مشكلات شائكة في التكيف مع المجتمع. ولمواجهة تلك المشكلات ، فإن الطفل يبدأ في تكوين أفكار خاصة به أو ثقافة فرعية Subculture تتميز بخصائص معينة وحيث يسعى إلى تحقيق مركز له فيها فيدفعه ذلك إلى ارتكاب الجرائم. وبتراكم هذه الجزئيات تتشكل في العادة ما يسمى بعصابات الأحداث الإجرامية.

لا شك أن كوهين قد أصاب بعض الحقيقة في مجال تفسير الظاهرة الإجرامية في مجال جرائم الأحداث التي تأخذ النمط الجماعي. غير أن أبحاث كوهين قد انتقدت من أكثر من زاوية :
- فقد قيل أن خصائص الثقافة الفرعية التي يكونها الحدث لنفسه ليست مقصورة على طبقته وحده. والدليل على ذلك أن من ينتمون إلى الطبقة الوسطى قد يرتكبون ذات الجرائم الخاصة بالطبقة الدنيا على الرغم من عدم تكون ثقافة فرعية تخصهم.
- كما عيب على تلك النظرية أنها اعتمدت على منهج تاريخي في البحث ، أي أنها تبحث في السبب الذي من أجله تكونت الثقافة الفرعية ، الأمر الذي يستوجب البحث في الدوافع النفسية التي تقف وراء تشكل تلك الثقافة لدى الأجيال السابقة ، وهي مهمة يصعب - إن لم يكن من المستحيل - إجرائها.

86- ب : نظرية كلاوراد وأوهلين :
ذهب العالمان كلاوارد Cloward وأوهلين Ohlin إلى التمييز بين ثلاثة أنواع من الثقافات الفرعية Subcultures ، ترتبط جميعها بالتركيب الاجتماعي : الثقافة الفرعية الإجراميةCriminel subculture ، الثقافة الفرعية التنازعية Conflict subculture، وأخيراً الثقافة الفرعية التراجعيةRetreatist subculture.

أما الثقافة الفرعية الإجرامية فتتواجد على وجه الخصوص في الطبقات الدنيا حيث يبدو المجرمون أكثر استعداداً للاندماج مع الأحداث الذي يعيشون في هذا الوسط. فهؤلاء المجرمون لا يختلطون بالنماذج البشرية التقليدية التي حققت نجاحاً من خلال القنوات الشرعية في المجتمع وإنما يجدون أمامهم نماذج إجرامية ناجحة يتمثلون سلوكها. بينما تبرز الثقافة الفرعية التنازعية في الأوساط الصغيرة المفككة اجتماعيا ، والتي لا يتضح فيها الفارق بين الوسائل المشروعة والوسائل غير المشروعة. وإزاء هذا الغموض يختار الحدث العنف كوسيلة لإثبات مكانته في المجتمع ليس فقط لأن في ذلك تنفيسا عن الغضب والإحباط المكفوفين ولكن لأن طريق العنف ميسور. أما الثقافة الفرعية التراجعية فتتعلق بالحدث الذي يخفق في تكوين ثقافة فرعية إجرامية أو تنازعية والذي يميل عندئذ إلى الانسحاب أو التراجع عن المجتمع بإدمان الكحوليات والعقاقير المخدرة.

ويرى كلاوارد وأوهلين أن سلوك الفرد يختلف حسب مشروعية أو عدم مشروعية الوسائل التي توجد تحت تصرفه والتي يتيحها له التركيب الاجتماعي والطبقي الذي ينتمي إليه بثقافته. وعلى ذلك ، إذا كان التركيب الاجتماعي يستسهل الاعتداءات البدنية والسرقات المصحوبة بعنف ، ويشجع على استعمال المواد والعقاقير المخدرة ، فإنه سوف يتوالد الحدث الذي تتكون لديه ثقافة فرعية خاصة تتوافق مع قيم هذا التركيب الاجتماعي. أما حينما يحول التركيب الاجتماعي بين الحدث وبين الوسائل غير المشروعة بمختلف أنواعها فإنه لا مجال لأن تتشكل عقلية أو ثقافة فرعية تحبذ الجريمة وتشجع عليها.

وقد عيب على هذه النظرية عدم امكان خضوع بعض فروضها للتجربة العملية ، مما يشكك في صدق النتائج التي توصلت إليها. وربما يعود ذلك إلى غموض بعض الاصطلاحات التي استخدمتها كمصطلح الفرص النسبية Differential opportunities ، الفشل المزدوج Double failure ، استبعاد الذنب Elimination of guilt. فضلاً عن أن بعض النتائج التي خلصت إليها هذه النظرية لا تتفق مع الواقع. ومن ذلك أنها ربطت بين كل نوع من أنواع الثقافة الفرعية ونوع آخر يقابله من التركيب الاجتماعي. ومع ذلك فقد أثبت الدراسات التي أجريت في بعض المناطق التي تسود فيها معدلات إجرامية مرتفعة أنه تسود بهذه المناطق أكثر من ثقافة فرعية. كما أثبتت أبحاث أخرى أجريت على الجمهور خارج السجن بطريق الاستبيانات غير المسماة Anonomous questionnaires إلى أن معظم أفراد الجمهور من كافة الطبقات يرتكبون أفعالا تعد جرائم وأن الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الشخص لا تؤثر كثيرا على تلك النتيجة .

المطلب الثاني
نـــظـــريـات الــلانــــظــــام
Théories de l’anomie

87- أولاً : نظرية دوركايم :
تنسب فكرة اللانظام Notion d’anomie إلى عالم الاجتماع الفرنسي الشهير Emile Durkheim (1858-1917). وقد نشر دوركايم أفكاره في مؤلفاته "تقسيم العمل الاجتماعي عام 1893" وقواعد المنهج الاجتماع عام 1895 والانتحار في عام 1897. وقد أوضح خلال تلك المؤلفات ثلاثة أمور : الأول : حتمية الجريمة كظاهرة اجتماعية ، لا يخلو منها أي مجتمع ، لارتباطها بتنظيم الحياة في جماعة. فمن المستحيل أن يتماثل كل الأفراد المكونين للمجتمع وأن يوجد لديهم نفس القدر من الضمير الاجتماعي Conscience sociale. فلا بد أن يوجد من يشذ البعض عما يشكل الضمير الاجتماعي العام فتتولد الجريمة.

وأشار دوركايم إلى معيارية السلوك الإجرامي. بمعنى أن الفعل لا يوصف بأنه جريمة بالرجوع إلى خصائصه الذاتية التي تميزه عن غيره ، وإنما يوصف كذلك لأن المجتمع اعتبره كذلك ، حينما يشذ هذا السلوك عن الضمير الاجتماعي.

أما الأمر الثاني الذي كشف عنه دور كايم فهو أن الجريمة ضرورة لا غنى عنها لإحداث التغيير الاجتماعي ، وبدونها سيصاب المجتمع بنوع من الركود Stagnation.

وأخيراً أوضح دوركايم إلى أن واحدا من أهم مقومات المجتمع يكمن في تماسكه والتضامن الاجتماعي بين أعضائه والذي يمثل ضميراً جماعياً Conscience collective.

وقد ميز دوركايم بين نوعين من التضامن : التضامن الآلي Solidarité mécanique ، والتضامن العضويSolidarité organique. أما النوع الأول فيميز المجتمعات البدائية حيث يظهر فيها جلياً ضمير اجتماعي تعكسه القواعد القانونية في المجتمع ، وتفرض للخروج عليه جزاءً مناسباً. ومن شأن التهديد بهذا الجزاء الحفاظ على التضامن الآلي في المجتمع.

بينما يميز النوع الثاني المجتمعات الحديثة القائمة على تقسيم العمل. ففي مثل هذه المجتمعات تضعف عوامل التضامن التي كانت تعرفها المجتمعات البدائية ، الأمر الذي أثر في فلسفة القانون بأن انتقل مركز الاهتمام من الضمير الجماعي إلى الضمير الفردي ومراعاة جانب المجني عليه ، وأصبح القانون يستهدف تعويض المجني عليه المضرور من الجريمة ، أكثر مما يستهدف عقاب الجاني.

وفي هذا القالب المجتمعي الجديد الذي ينقصه التجانس الاجتماعي تنطلق العواطف ويعيش الفرد في عزلة معنوية واجتماعية ، الأمر الذي يخلق حالة من اللاقانون أو اللانظام تحل محل التضامن السابق ، وفي هذا القالب الاجتماعي يسهل ارتكاب الجرام.

وقد عيب على نظرية دوركايم اهتمت فقط بربط الظاهرة الإجرامية بالتركيب أو التنظيم الاجتماعي وأنها لم تفلح في بيان الكيفية التي بها يصبح الفرد مجرماً. كما أن هذه النظرية لم تفسر لنا علة تباين ردود أفعال الأفراد في الفروض التي يجمعهم فيها تنظيم اجتماعي واحد.

88- ثانياً : نظرية ميرتون :
تأثر عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميرتون Robert Merton بأفكار دوركايم ، محاولاً الإجابة على ما لم تفلح نظرية هذا الأخير في الإجابة عليه. فقد حاول ميرتون الإجابة على التساؤل الآتي : لماذا تتباين ردود أفعال أشخاص يعيشون معا في نفس الوسط الخارجي ؟

وفي محاولته الإجابة على هذا التساؤل أوضح ميرتون أن لصور التركيبات الاجتماعية Social structure على اختلافها خصيصتين : أولاهما أن تلك التركيبات تتبنى أهدافا يصبو إليها أفراد المجتمع ، وثانيهما أنها تتخير الوسائل الكفيلة ببلوغ تلك الغايات وتعترف بها.

ولديه أن بعض المجتمعات تهتم بالأهداف وبعضها الآخر بالوسائل بينما تتخذ غالبيتها موقفاً وسطا. ويكشف عن أن الحضارة الأمريكية المعاصرة تركز أساساً على الأهداف على حساب الوسائل ، وأن الهدف الرئيسي هو النقود التي صارت رمزا للهيبة والمكانة الاجتماعية ، وصارت في ذاتها قيمة من القيم. ولكنها في مثل ذلك المجتمع قد تحولت إلى قيمة غير متناهية ، حيث لا يقنع الأمريكيون ببلوغ أي حد منها وإنما يطلبون دائما المزيد , وفي نفس الوقت ، فإن الأمريكيين يواجهون ضغطا من نوع آخر يتمثل في الطموح الزائد ، فالأهداف الكبرى يضعها الجميع نصب أعينهم وكل يسعى إلى بلوغها.

ويتوقف تقيم سلوك الأفراد من حيث مطابقته للقانون أو مخالفته له (جريمة) - على حسب موقفهم من الهدف والوسائل المؤدية إليه. وهنا تظهر خمسة احتمالات تشكل ردود أفعال الأفراد تجاه الهدف وتجاه تلك الوسائل : التطابق Conformity ، والتجديد Innovation ، والتعلق بالطقوس Thuolism ، والتراجع Retreatism ، والتمرد Rebelition.

فالتطابق يعني قبول الهدف والوسيلة معاً ، وهنا يكون الفرد قد تلائم اجتماعياً مع المجتمع في صورة تطابق السلوك مع القواعد القانونية المنظمة لهذا المجتمع. أما التجديد فيعني قبول الأهداف ورفض الوسائل المؤدية إليها. وهو ما يحدث عندما يتطلب المجتمع من الجميع تحقيق أهداف معينة ولكنه في ذات الوقت يضع معوقات أمام الطبقة الدنيا في المجتمع لبلوغ تلك الأهداف مما يؤدي بأفراد هذه الطبقة إلى ارتكاب الجرائم.

ويشير التعلق بالطقوس إلى رفض الأهداف وقبول الوسائل ، الأمر الذي يحدث ذلك عندما يألف الإنسان أداء بعض الأعمال دون تفكير في سبب أدائه لها. ويكثر هذا الموقف على وجه الخصوص لدى أفراد الطبقة المتوسطة ، التي تتشكل عادة من أرباب الوظائف الأميرية) ، الذين يقنعون بأوضاعهم ، ويقل لديهم الشعور بالطموح والرغبة في التغيير.

أما التراجع فيشير إلى الشخص الذي يتقبل في النهاية الأهداف والوسائل ولكنه يفشل أكثر من مرة في الوصول إلى الهدف بالوسائل المشروعة. وفي نفس الوقت ، فإن هذا الشخص لا يستطيع الالتجاء إلى الوسائل غير المشروعة وعندئذ يجد نفسه عاجزا عن تحقيق الهدف بأية وسيلة ويجد نفسه منفصلا عن المجتمع. ويحدث هذا على وجه الخصوص من قبل مرضى العقول والمنبوذين اجتماعيا والمتشردين والمتسولين ومدمني المخدرات.

بينما يعني التمرد رفض الأهداف والوسائل في محاولة لإقامة نظام اجتماعي جديد.

ورغم محاولة ميرتون الجادة في إظهار الميكانيزم الذي تتوالد به الجريمة في إطار تركيب اجتماعي معين ، وعلة تباين سلوك الأفراد في الوسط البيئي الواحد ، إلا أنها قد تعرضت للنقد في أكثر من جانب :
- فقد قيل بأن هذه النظرية قاصرة عن تفسير بعض الأفعال الإجرامية. فقيل أنها لا تصلح لتفسير الجرائم التي تقع لغرض غير نفعي ، كتلك التي تقع لمجرد المرح مثلا. كما أنها لا تفسر الجريمة في المجتمعات التي لا تقوم على اعتبار المكانة أو المركز هدفا مفتوحا للجميع.
- وقد عيب عليها أيضاً طابعها النظري المحض ، إذ لم تقترن النظرية بإجراء أبحاث تجريبية تثبت صحة افتراضاتها.
- كما أن موقف التجديد الذي يفسر لدى ميرتون إجرام أفراد الطبقات الدنيا يوجد ولا شك أيضا بين أفراد الطبقتين الوسطى والعليا.
- وأخيراً فإن نظرية ميرتون لا تقيم وزناً لا للمتغيرات الاجتماعية النفسية Social-psycological variables ولا لعناصر التركيب الاجتماعي التي قد تقف وراء ترجيح أحد الاحتمالات الخمسة على ما سواه لدى فرد بعينه.



المطلب الثالث
الــنــظــريــة الاقــتــصــاديــة
Théorie économique

89- أولاً : مضمون التحليل الاقتصادي للجريمة :
يهدف التحليل الاقتصادي للجريمة L’analyse économique du crime إلى الربط بين الظاهرة الإجرامية وبين مختلف الظروف الاقتصادية ، أي محاولة إعطاء الجريمة تفسيراً اقتصادياً . ولا شك أن تلك المحاولات تعود من الناحية التاريخية إلى سنوات بعيدة حملتها مؤلفات الفلاسفة اليونانيين من أمثال أفلاطون وأرسطو لدى اليونان والرومان من أمثال هوراس وفيرجيل.

وفي القرن السادس عشر حاول توماس مور - كأحد الفلاسفة الخياليين Utopiques أن يربط بين ارتفاع معدل الجريمة في المجتمع الإنجليزي وبين بعض الظروف الاقتصادية كانتشار الفقر والبطالة الذين تفشا على أثر انتزاع ملكية مساحات من الأراضي الزراعية من أيد أصحابها. ومن بعد أشار عدد من المفكرين – من أمثال بكاريا وفولتير - أن الجريمة – وبخاصة السرقة – تتوالد بفعل الفقر. وأن السبيل الأول لمكافحتها – على حد قول الفيلسوف الإنجليزي بنتام – هو توفير سبل العيش الشريف ومكافحة البطالة.

بيد أن التفسير الاقتصادي للظاهرة الإجرامية لم يتبلور في العصر الحديث إلا على يد كارل ماركس Marx وزميله فردريك أنجلز Angels على أثر إعلانهما بيان الحزب الشيوعي في عام 1848 ، ممهدين لقيام ما يسمى بالمدرسة الاشتراكية L’école socialiste ، والتي من بين أفكارها الربط بين السلوك الإجرامي وبين ميكانيزم النظام الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة والمنافسة الحرة ومرونة العرض والطلب. هذه الرابطة التي تقوم لديهم على مبدأ الحتمية الاقتصاديةLa déterminisme économique ، أي النظر للعامل الاقتصادي بحسبانه العامل الوحيد في الدفع نحو الجريمة. والعامل الاقتصادي هنا لا يفهم بمعنى النظام الاقتصادي ، ولكن يفهم على أنه النظام الرأسمالي بالتحديد .

وعلى الرغم من أن ماركس لم يضع نظرية علمية منهجية لتفسير الظاهرة الإجرامية على ضوء العامل الاقتصادي ، إلا أن ذلك التفسير ينجم حتماً عن نظرته إلى طريقة الإنتاج في المجتمع الرأسمالي. ففي نظر ماركس أن الميكانيزم الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة يفضي إلى الفقر الذي يقسم المجتمع إلى طبقتين : الأولى يمثلها الرأسماليون البرجوازيون الذين يملكون وسائل الإنتاج والثانية يمثلها العمال أو الطبقة الكادحة أو طبقة البروليتاريا ، الذين تستغلهم الطبقة الأولى لتحقيق أقصى قدر ممكن من الربح.

وهكذا تتولد الجريمة من زاويتين : الأولى رغبة الرأسماليون في تحقيق أكبر نسبة ربح ، الأمر الذي يدفعهم لارتكاب جرائم الرشوة والتهرب الضريبي والجمركي والغش التجاري. وهكذا يصبح القانون عامة ، والقانون الجنائي خاصة ، وسيلة الطبقة البرجوازية في الصراع ضد أفعال طبقة العمال. والزاوية الثانية هي ارتكاب الطبقات الكادحة للجريمة أملاً في الحصول على مال يستعينون به على قضاء الحوائج أو انتقاماً من المجتمع الذي فسد نتاج سوء توزيع الثروة. فالعامل في المجتمع الرأسمالي يعاني من سوء المعاملة وضآلة الأجر وطول ساعات العمل ، وبالجملة اختلال في علاقات العمل والأسرة ، وكلها عوامل تدفع ولا شك إلى تيار الجريمة.

وهكذا ينتهي التحليل الاشتراكي للظاهرة الإجرامية إلى أن مكافحة هذه الأخيرة لا يتأتى إلا من خلال تغيير النظام الاقتصادي ككل ، بحيث تصبح ملكية الدولة لأدوات ووسائل الإنتاج أساس الملكية في المجتمع ، وتصبح العدالة الاجتماعية هي أساس توزيع الثروة والربح.

ولقد شاع منطق المدرسة الاشتراكية بين علماء كثيرين في كل من ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وهولندا . ومن بين هؤلاء العلماء يذكر بصفة خاصة عالم الإجرام الهولندي وليام أدريان بونجر William Adrian Bonger (1876-1940) ، الذي نشر في أمستردام عام 1905 مؤلفاً أسماه "الإجرام والظروف الاقتصادية" Criminality and Economic Conditions ، تناول فيه مساوئ النظام الرأسمالي وأثر المنافسة الحرة ونظم الأجور والأسعار على حركة الإجرام .

ونقطة البدء عند بونجر كانت حينما انصرف لدراسة حياة الشعوب البدائية كاشفاً عن أن تلك الشعوب كانت تتميز بوجود مشاعر الإيثار والغيرية "حب الغير" ، وغلبة روح التضامن الاجتماعي بين أفرادها. ويربط بونجر هذه المشاعر بالنظام الاقتصادي وبنمط الإنتاج الذي كان يسود الأوساط الاجتماعية في تلك الفترات الزمنية. فالإنتاج في مثل تلك المجتمعات كان يستهدف إشباع الاستهلاك الشخصي دون التبادل ، بحيث لا يبقى ثمة محل للملكية وتكديس الثروات الخاصة. وعندما كان يتحقق في تلك المجتمعات فائض إنتاج فإن الرخاء كان يعم الجميع ، وعندما كان يشح الطعام فالكل يتساوون في تلك الأزمة.

وينتقل بونجر إلى الكشف عن بعض ما يسود المجتمع الرأسمالي المعاصر من سمات تناقض الصورة السابقة داخل المجتمع البدائي. ففي ظل النظام الرأسمالي تغلب روح الأنانية ، بحكم أن الفرد هو محور اهتمام هذا النظام. كما أن الفرد في المجتمع الرأسمالي يعنى بالإنتاج من أجل نفسه ، ويهمه على وجه الخصوص تحقيق فائض منه لكي يبادله بأرباح أخرى ، وهو في ذلك لا يلقي بالاً لحاجات الآخرين. فالمنتج في السوق الرأسمالي الذي تسوده المنافسة الحرة يحاول بتشى الوسائل المشروعة وغير المشروعة الصعود أمام منافسيه والترويج لبضاعته. الأمر الذي قد يدفعه إلى ارتكاب أفعال إجرامية كالنصب والغش والدعاية الكاذبة...الخ.

وهكذا يخلق النظام الرأسمالي مناخا عاما يكثر الشعور بانعدام المسئولية الاجتماعية ، وتقوى فيه بصورة واضحة الاحتمالات أمام الفرد لكي يصبح مجرماً ، بل أن بونجر قد ذهب إلى حد القول بأن هذا المناخ العام لا يزيد فقط من فرص ارتكاب الجريمة بل يخلقها خلقا.

90- ثانياً : تقدير التحليل الاقتصادي للجريمة :
مما لا شك فيه هناك ارتباطاً جلياً بين الظروف الاقتصادية وبين تطور الظاهرة الإجرامية كماً ونوعاً. فقد صحب التحول من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي في القرن التاسع عشر تحول الإجرام من إجرام عضلي قائم على العنف إلى إجرام ذهني قائم على الذكاء. ومن المؤكد أن تقلبات الأسعار والأجور وأسواق النقد تؤثر على حجم جرائم الأموال أو الجرائم الاقتنائية Délinquance acquisitive.

وقد كشفت دراسة أجريت في جامعة هارفارد على أكثر من مائتي حدث مجرم أن عامل الإجرام الرئيسي بين هؤلاء الأحداث هو هبوط مستوى الأسرة من الناحية الاقتصادية. كما كشفت بحوث أخرى عن أن الظروف الاقتصادية المواتية يقترن بها هبوط في معدل الجرائم ذات الطبيعة الاقتنائية بينما يرتفع هذا المعدل في فترات الأزمات الاقتصادية. ومن هنا فإن جانب من النجاح في الوقاية من الجريمة يتوقف على الإصلاح الاقتصادي في المجتمع .

غير أن هناك بعض المآخذ التي يمكن رصدها بحق التحليل الاقتصادي للظاهرة الإجرامية ، نوجزها فيما يلي :
- قيل أن العامل الاقتصادي لا يصلح وحده سبباً دافعاً للجريمة. فمن الصعوبة بمكان وضع العامل الاقتصادي بمعزل عن بقية العوامل الإجرامية الأخرى والقطع بأنه هو الذي تسبب في وقوع الجريمة. فالظاهرة الإجرامية ظاهرة متعددة المظاهر مترامية الأبعاد ، يدفع إليها خليط من العوامل بعضه نفسي (كالانحرافات الغريزية) وبعضه بيولوجي وبعضه اجتماعي (كتصدع الأسرة وأصدقاء السوء).
- كما قيل أنه لو صح التحليل الذي قالت به هذه النظرية لوجب اختفاء الجريمة في المجتمعات الاشتراكية ، وإقدام الأشخاص الذين يعيشون في المجتمعات الرأسمالية على ارتكاب الجريمة ، وهو ما لا يتفق بحال مع الواقع ، إذ مازالت تعم الجريمة – وربما بشكل أكبر - المجتمعات التي طبقت النظام الاشتراكي. كما أن الكثيرين من أفراد المجتمع الرأسمالي – وإن ساءت أحوالهم المعيشية – لم يقدموا على السلوك الإجرامي.
- كما قيل أن التحليل الاقتصادي لا يصلح وحده لتفسير بعض المظاهر الإجرامية التي تشيع في العصر الحديث كظاهرة العود إلى الجريمة واحتراف الإجرام.
- وأخيراً فإن التحليل الاقتصادي ليس له من دلالة إلا في نطاق جرائم الأموال أو الجرائم الاقتنائية ، أي تلك القائمة على الاستيلاء على مال الغير. ومن ثم لا تصلح تك النظرية في تفسير الجرائم الأخرى كجرائم الاعتداء على الأشخاص والجرائم الماسة بالعرض وبالشرف وبالاعتبار. ومن المعلوم أن الجرائم الأخيرة لا تباشر الظروف الاقتصادية إزاءها إلا تأثير ضئيل.

المطلب الرابع
النــظــريــة الــبــيــئــيــة
Théorie écologique

91- أولاً : مضمون النظرية البيئية :
منطق النظرية البيئية أو الأيكولوجية هو الربط بين الظاهرة الإجرامية من ناحية وبين البيئة المحيطة من ناحية أخرى. ففي حيز عمراني معين (مدينة مثلاً) قد تتشكل مناطق جناح Delinquancy areas بفعل الظروف البيئية داخل هذا الحيز. وقد شاع هذا المنطق في العشرينات والثلاثينيات من القرن العشرين على أثر عدة أبحاث أجريت في جامعة شيكاغو .

ومن أهم الدراسات التي أجريت في هذا الشأن تلك التي قام بها كليفارد شو Shaw منذ عام 1930 والتي أثبت خلالها أن معدل الإجرام يرتفع في وسط مدينة شيكاغو ويهبط تدريجياً كلما بعدت المسافة عن ذلك الوسط ، أي في ضواحي المدينة والمناطق الصناعية بها. ولاحظ أيضاً أن أعلى معدلات الجريمة ومناطق تركز العصابات الإجرامية توجد في الأماكن المكتظة بالسكان والمفككة اجتماعياً الواقعة بالقرب من مراكز الأعمال. فقد لاحظ على تلك المناطق – التي أسماها مناطق الجناح Delinquency areas - معاناتها من عدم كفاءة السكن ، وعدم وجود أماكن لممارسة الأنشطة الرياضية ، وزيادة نسبة تشغيل الأطفال ، وكثرة الهروب من المدارس ، وعدم تجانس العنصر السكاني نتيجة كثرة المهاجرين.

و يشير شو إلى أن معدل الجريمة يرتفع في المناطق التي هجرها سكانها الأصليون تدريجياً وحل محلهم فيها أناس هامشيون يكادون يعيشون على حد الكفاف كالسود والمهاجرين. وتفسير ذلك أن هؤلاء القادمون مختلفين في تكوينهم الثقافي ، الأمر الذي يخلق فيما بينهم صراعات حادة فتتغلب عوامل التفكك على عوامل التماسك الاجتماعي وتنتشر الجريمة.

وهكذا فإن الظروف الاجتماعية غير المواتية - في منطق النظرية الإيكولوجيكية أو البيئية - من انخفاض مستوى المعيشة والجهل والازدحام والسكن غير الصالح لا تفسر بذاتها الظاهرة الإجرامية ، وإنما تبدو كإفراز أو أعراض لنظام اجتماعي متفسخ Degenerative تغيب عنه مقومات وخصائص التنظيم الاجتماعي السليم. الأمر الذي يحتم على الإدارة المحلية أن تولي عنايتها بتلك المناطق إذا ما أريد مكافحة الجريمة فيها.

92- ثانياً : تقدير النظرية البيئية :
في الحقيقة أن النظرية البيئية لم تعد تلقى حالياً الاهتمام الذي نالته في السنوات الأولى من القرن العشرين ، وذلك لتعدد أوجه النقد الذي وجه إليها :
- فقد قيل أنه إذا كان صحيحا أن نسبة كبيرة من الجرائم مصدرها المناطق "الفاسدة" في المدن الكبرى ، فإن هذا لا ينفي أن جرائم كثيرة أيضاً يرتكبها من يعيشون في رغد من العيش.
- كما أن ارتفاع معدل الإجرام في المراكز التجارية بوسط المدن لا يعني بالضرورة أن ذلك المعدل في حقيقته أعلى من نظيره في المناطق الأكثر بعداً عن هذا الوسط. ذلك أن ارتفاع المعدل المذكور قد يرجع سببه إلى تزايد نشاط الشرطة في تلك المناطق إذا ما قورنت بالأحياء الأخرى من المدينة
- وأخيراً عيب على النظرية البيئية أنها لم تعطي تفسيراً شاملاً لكل صور السلوك الإجرامي وإنما انصب اهتمامها في دائرة جرائم الأموال ، وعلى الأخص التي تقع في نطاق عصابات الأحداث الإجرامية.

المطلب الخامس
الــنــظــريــة الــعــرقــيــة
Théorie raciale

حاول البعض – من أمثال كانادي Canady وسيلين Sellin وهيرش Hirsch - الربط بين الظاهرة الإجرامية وبين السلالة أو العرق ، قائلين أن بعض الأعراق يرتفع لديها معدل الإجرام إذا ما قورنوا بالأعراق الأخرى. فقد لاحظ البعض – وعلى نحو ما سنفصله فيما بعد - ارتفاع معدلات الجريمة بين طوائف السود والزنوج في الولايات المتحدة ، في الوقت الذي يقل فيه هذا المعدل بين الأقليات الأخرى من اليابانيين والصينيين.

وقد حاول البعض – من أمثال وليام بونجر Bonger - تفسير هذا التفاوت من خلال دراسة التركيب الاجتماعي لتلك الأعراق . فقد لاحظ هذا العالم قوة وتماسك نظام العائلة لدى الأقليات الشرق آسيوية وصلابة التركيب الاجتماعي الذين يعيشون فيه ، إذا ما قورن بالأمر الحادث لدى الزنوج الأمريكيين.

والواقع أنه لم يعد مقبولاً في أوقاتنا تلك الربط بين العنصر والجريمة . فلا يمكن للعنصر بذاته أن يشكل سبباً للجريمة. فما أجرى من دراسات لم ينصب إلا على إجرام العنصر الزنجي ، الأمر الذي يصعب معه تعميم النتائج التي قالت بها هذه النظرية على كافة أنواع النشاط الإجرامي لدى العناصر الأخرى. وحتى في إطار إجرام الزنوج ، فإن الدراسات التي أثبتت ارتفاع معدل الجريمة بين الزنوج الأمريكيين قد أغفلت أن ارتفاع هذا المعدل قد يعود بالدرجة الأولى إلى عوامل اقتصادية وإلى نظام إدارة العدالة الجنائية في المجتمع الأمريكي.

فالمشاهد أن نسبة الفقر أكثر ارتفاعا بين السود عن مثيلتها لدى البيض. كما أن الزنوج يجبرون لأسباب اقتصادية واضحة على العيش في أحياء سكنية في مدن يغلب عليها التفكك الاجتماعي.

كما أن نظام إدارة العدالة الأمريكية قد يفسر اختلاف إجرام الزنوج عن إجرام البيض. فبعض الجرائم لا تتم المحاكمة بشأنها إلا إذا كان مرتكبها من السود. وأن النشاط الشرطي يزداد في مناطق هؤلاء. كما أن القضاة هم في العادة من البيض مما يجعل احتمالية التعسف قائمة تجاه العنصر الزنجي.

كما كشفت الدراسات عن أن جنس المجني عليه يعول عليه في المحاكم من الناحية الفعلية. ويؤكد ذلك أن عقوبة الإعدام كان يندر النطق بها ضد زنجي قتل زنجيا آخر ، بينما كان يحكم عليه بتلك العقوبة لجرائم أقل خطورة ارتكبها ضد واحد من البيض. وإذا كان الجزاء هو سلب الحرية ، فإن الزنجي يتلقى في السجن معاملة أدنى من مثيلتها فيما يتعلق بالنزيل الأبيض. كل هذا لابد وأن يعبئ نفسية الزنوج في مواجهة البيض ، وتصبح الجريمة هي المتنفس الوحيد لهؤلاء تعبيراً عن الغضب تجاه أزمة العدالة الجنائية.

المبحث الثاني
نـظـريـات الـكـيـفـيـة الاجـتـمـاعـيـة
Théories de processus sociale

93- تمهيد وتقسيم :
على الرغم مما كان لنظريات التركيب الاجتماعي من أهمية في البحث عن أسباب الجريمة بعيداً عن الجوانب البيولوجية والنفسية لشخص المجرم ، غير أنها ظلت مع ذلك قاصرة عن إعطاء تفسير موحد للظاهرة الإجرامية ، ذلك أن التلازم ليس حتمياً بين الجريمة وبين المعيشة في ظل تركيب اجتماعي معين. فقد يعيش شخص في ظل التركيب المعتبر مولداً للإجرام في عرف أنصار تلك النظريات ولا يندفع الشخص رغم في تيار الجريمة. بل إن بعض المجرمين قد لا يعبرون عن ردود أفعالهم بوسائل إجرامية. وعندئذ ينبغي التساؤل عن السبب في تفاوت ردود أفعال الأفراد رغم وحدة البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها. بمعنى لماذا يرتكب البعض الجريمة دون البعض الأخر رغم توحد التنظيم الاجتماعي الذي يضمهم ؟

من هنا ظهر ما يعرف بنظريات الكيفية الاجتماعية ، والتي تعنى ببيان الميكانيزم الذي يصير من خلاله الشخص مجرماً. ومن أهم النظريات التي قيل بها في هذا الشأن : نظرية التقليد ، نظرية الاختلاط الفارق ، نظرية المصدات أو المفاهيم الذاتية ، وأخيراً نظرية الوسم الإجرامي.

المطلب الأول
نــظـــريــة الــتــقــلــيــد
Théorie d’imitation

تنسب نظرية التقليد إلى القاضي وعالم الاجتماع الفرنسي جبريل تارد Tarde Gabriel (1843-1904) ، والتي عرض لها في مؤلفاته "الإجرام المقارن عام 1886 ، والفلسفة الجنائية في عام 1890 ، وقوانين التقليد عام 1890". مؤكداً هذا العالم على أن الفرد لا يولد مجرماً – على النقيض مما قال به أنصار النظريات البيولوجية - وإنما يندفع إلى تيار الجريمة بفعل العوامل الاجتماعية ، وعلى الأخص التأثر بالمثال الاجتماعي ، أي التوجه إلى سلوك معين تحت تأثير المثال الذي يضربه بعض الأفراد في المجتمع للآخرين. وهكذا يرى تارد أن التقليد Imitation هو الذي يفسر ارتكاب الجريمة. فالفرد لا يأتي سلوكاً إجرامياً إلا لأنه يقلد في ذلك غيره .

ولدي تارد ثلاثة مبادئ تحكم فكرة التقليد : الأول أنه كلما زادت درجة تماسك العلاقات الاجتماعية بين الأفراد كلما ازداد مستوى تقليد بين بعضهم البعض. أما الثاني فمؤداه أن الأدنى درجة في المجتمع يقلد من هو أعلى منه درجة. فأهل الريف والفلاحون يقلدون أهل الحضر أوملاك الأراضي الزراعية. وسكان القرى أو المدن الصغرى يقادون سكان المدن الكبرى. بينما يتعلق المبدأ الثالث بقانون الإدماج Law of insertion ، والذي يعني أنه إذا تواجدت عادتان متضاربتان في ذات الوقت فإن أحدثهما تتفوق على أقدمهما. ومثال ذلك أن استعمال السكين كأداة للقتل كان شائعا قبل ظهور الأسلحة النارية ، وبعد شيوع تلك الأخيرة ظلت السكين كأداة للقتل ولكن الوسيلة الحديثة (الأسلحة النارية) زاحمتها وكانت لها الغلبة عليها.

وإذا أردنا أن نقيم تلك النظرية فإنه مما لا شك فيه أن تلك النظرية قد أصابت قدر من الحقيقة التي تتصل بالظاهرة الإجرامية. فالواقع يكشف عن أن بعض الجرائم ما ارتكبت إلا لأن الفرد قد تمثل نموذجاً اجتماعياً سيئاً في محيط بيئته الاجتماعية.

غير أنه عيب على تلك النظرية أنها أغفلت تماماً دور العوامل العضوية والنفسية في الدفع نحو السلوك الإجرامي. فمن السهل أن نتكشف المعالجة المخلة من قيل تلك النظرية لمشكلة العوامل الإجرامية.

المطلب الثاني
نـظـريـة الاخـتـلاطـ الـفـارق
Théorie de l’association différentielle

94- أولاً : مضمون الاختلاط الفارق :
ترجع نظرية الاختلاط الفارق إلى عالم الاجتماع الأمريكي أدوين سذرلاند Edwin Sutherland ، الأستاذ بجامعة أنديانا ، والتي صاغها عام 1939 ، وشاركه فيها فيما بعد دونالد كريسي Donald Cressey ، حينما أشرف على إعادة طبع مؤلفه حول "مبادئ علم الإجرام" عام 1950. وفي البدء قصد سذرلاند تفسير الإجرام المنظم الذي يقوم على الاحتراف. ثم عاد بعد ذلك عام 1947 وجعل من نظريته أساساً لتفسير شامل للسلوك الإجرامي أياً كان نمطه .
ومؤدى نظرية الاختلاط الفارق أن السلوك الإجرامي مكتسب وليس موروثاً ويحدث من خلال التعلم. فكما أن الفرد لا يستطيع أن يخترع آلة ميكانيكية دون أن يتلقى تدريباً فنياً يتعلق بهذا الأمر ، فإن الفرد لا يندفع نحو السلوك الإجرامي طالماً لم يتلق تدريباً على ارتكاب الجريمة. فالجريمة لا تخترع بصورة ذاتية من قبل الشخص بل تكتسب من خلال الاختلاط أو الاتصال بمجتمع الفاسدين ، سواء اتخذ هذا الاتصال صورة شفوية أو من خلال اتخاذ المثال.

ويؤكد سذرلاند على أن السلوك الإجرامي يتم اكتسابه وتعلمه في إطار من العلاقات الشخصية ، وأن وسائل الاتصال غير المباشرة والتي لا تقوم على رابطة مباشرة بين الأفراد كوسائل الإعلام المسموعة والمقروءة لا تحدث تأثيراً جدياً في الدفع نحو الإجرام.

وفي منطق تلك النظرية أن تعلم السلوك الإجرامي يشمل أمرين : الأول تعلم فن الجريمة ، أي وسائل ارتكابها سواء آكانت بسيطة أم معقدة. أما الثاني فيتعلق بالتوجيه الخاص للبواعث والميول الغريزية والتبرير العقلاني للسلوك الإجرامي.

ويتوقف التوجيه الخاص للبواعث والميول الغريزية على ما إذا كان تفسير الأفراد للنصوص الجنائية متفقا مع القانون أم مخالفا له. فقد يختلط الشخص بأفراد يفسرون نصوص القانون بطريقة موحدة باعتبار تلك النصوص متضمنة قواعد سلوك واجبة الاحترام. وقد يجد الشخص نفسه في أحيان أخرى محاطاً بأفراد لا يحترمون نصوص القانون ، فيندفع في تيار الجريمة حينما يحبذ مثل هذا التفسير.

ويتخلص تلك النظرية إذاً إلى أن الفرد يصبح مجرماً عندما يتغلب التفسير المخالف للقانون على التفسير المطابق له. فحينما يختلط الشخص بجماعات مضادة للإجرام وتحرص على احترام القانون ، فإن الشخص تقوى لدية قوى المنع فيتآلف سلوكه مع الاتجاه الاجتماعي العام. أما حينما يختلط الشخص بنماذج من المجرمين فإن عدوى الجريمة تنتقل إليه بالتعلم شيئاً فشيئاً. لذا أطلق سذرلاند على نظريته اسم الاختلاط الفارق.

ويتفاوت الاختلاط الفارق في نظر سذرلاند على حسب أسبقيته ومدته الزمنية ونظرة الفرد لمن يخالطهم. فمن المسلم أن السلوك المطابق للقانون المكتسب منذ الطفولة يمكن أن يستمر مع الشخص طيلة حياته وكذلك الحال بالنسبة للسلوك الإجرامي. فالطفل الذي ينشأ في بيئة متدينة صالحة يدرك قيمة الأخلاق على مدار حياته كلها فيما بعد بحيث لا يتأثر بالمخالطات السيئة فيما بعد. كما أن الفرد الذي يخالط أكثر من جماعة يتأثر بسلوك وعادات الجماعة التي يخالطها مدة أطول. فالفرد قد ينشأ في بيئة صالحة ولكنه قد يخالط خارج المنزل جماعة من أصدقاء السوء مدة أطول من تلك التي يقضيها في المنزل فتحدث هذه الجماعة أثرها فيه. وأخيراً يتوقف تأثير المخالطة على نظرة الفرد لمن يخالطهم ، أي حسب درجة الهيبة التي يحظى بها النموذج الذي يخالطه الفرد ، إجرامياً كان أو غير إجرامي.

ورغم تصنيف نظرية سذرلاند ضمن نظريات الكيفية الاجتماعية ، إلا أنه قد كشف عن أن الاختلاط يختلف باختلاف التنظيم الاجتماعي. فالسلوك الإجرامي في تحليل تلك النظرية ليس سوى انعكاس للتنظيم الاجتماعي السائد. فكلما غلبت في حيز جغرافي معين مظاهر التفكك الاجتماعي Désorganisation sociale وضعف التجانس والتماسك بين أفراده وسادت "الفردية" كلما ارتفع معدل الإجرام في هذا الحيز. جملة القول أن هناك علاقة واضحة بين معدل الإجرام من ناحية ومستوى الأحياء السكنية من ناحية أخرى.

غير أن هذا الربط ليس حتمياً ، ذلك أن معدل الإجرام قد يزداد في بعض الأحياء رغم ارتفاع مستوى المعيشة وقوة وتماسك التنظيم الاجتماعي. فأطفال مناطق كتلك يولدون عادة متفتحين ، اجتماعيين يمارسون رياضتهم في الأندية ويزداد بينهم معدل الاتصال ، مما يعطي الفرصة لاختلاط النماذج السوية بالنماذج الإجرامية ويتلقون منهم تدريباً إجرامياً. بينما يضعف معدل الاتصال في الأحياء التي يقل فيها مستوى المعيشة فيقل تبعاً لذلك معدل تزاملات أو اختلاطات الطفل بالصبية المجرمين ، وبالتالي تقل احتمالات انجرافه في تيار الجريمة.

ويرى سذرلاند أن الارتكان إلى بعض البواعث والقيم – كالرغبة في الترقي الاجتماعي ، أو البحث عن الإشباع المالي أو الجنسي ، أو الشعور بالإحباط – لا يصلح لتفسير السلوك الإجرامي. ذلك أن ذات البواعث والقيم تصلح بنفس الدرجة لتفسير السلوك غير الإجرامي والمطابق للقانون. فهي أشبه بعملية التنفس التي تلزم لأي سلوك إجرامياً كان أو غير إجرامي. فالحاجة إلى المال مثلاً يمكن إشباعها بمضاعفة ساعات العمل ، كما يمكن إشباعها عن طريق السرقة أو النصب. كما أن الغريزة الجنسية يمكن إشباعها بالزواج أو من خلال الاغتصاب.

وينبغي علينا الإشارة أخيراً إلى دور سذرلاند في تحليل طائفة خاصة من الجرائم أطلق عليها "جرائم ذوي الياقات البيضاء" Criminalité en col blanc - White-collar crimes. وتعني هذه الأخيرة الجرائم التي يرتكبها أشخاص من أفراد الطبقة العليا جديرون بالاحترام ومتمتعون بمنزلة اجتماعية عالية أثناء ممارستهم لوظائفهم. وهي جرائم لا تفلح النظريات التكوينية ، التي ترجع الجريمة إلى خلل بيولوجي أو نفسي في شخصية المجرم ، في تفسيرها. ومن قبيل ذلك جرائم الأعمال والاختلاسات والرشوة وإساءة استعمال الأموال التي يرتكبها كبار مديري الشركات ، الغش الواقع من أصحاب المحلات التجارية ، الاتجار بالمخدرات من قبل الأطباء ، التستر على الجرائم بواسطة المحاسبين ، الغش الواقع من المحامون والقضاة أثناء تأدية عملهم ...الخ.

ولعل ما دفع سذرلاند نحو الاهتمام بمثل هذا النوع من الجرائم أن معظم الدراسات الإجرامية تجرى على عينة ضئيلة من المجرمين وهم نزلاء السجون وهؤلاء قادمون في غالبيتهم من الطبقات الدنيا في المجتمع ، بينما تظل جرائم ذوي الياقات البيضاء بعيدة عن دائرة القضاء عاماً ، والقضاء الجنائي خاصةً. الأمر الذي قد يخرج جناتها من عداد المجرمين حال إعداد الإحصاءات الجنائية ، مما مؤداه في النهاية قصور تحليل الجريمة ومكافحتها في المجتمع.

وقد ارتكن سذرلاند إلى في فكرة الاختلاط الفارق من أجل تفسير هذا النمط الإجرامي ، قائلاً أن المجرمين من ذوي الياقات البيضاء وإن لم يختلطوا في حياتهم بالمجرمين مباشرة ، إلا أنهم لابد قد تعرضوا "لمواقف إجرامية" حال ممارستهم لأعمالهم أتاحت أمامهم من بعد ذلك السبيل إلى الخروج على ما تقتضيه واجبات وظائفهم.

95- ثانياً : تقدير نظرية الاختلاط الفارق :
على الرغم من نجاح سذرلاند في إبراز أهمية العلاقات الشخصية في الدفع نحو السلوك الإجرامي ، إلا أنه قد أخذ على نظريته بعض المآخذ نذكر من بينها الآتي :
- فقد قيل أن هذه النظرية لا تفسر كل صور السلوك الإجرامي. فهي تعجز عن تفسير إجرام المنتمين إلى الطبقة العليا في المجتمع ، والفرض أن هؤلاء لا يختلطون مع المجرمين على النحو الذي يفترضه سذرلاند. وقد حاول كريسي Cressey الرد على هذا النقد بقوله أن بعض الأفراد قد يرتكبون جرائم دون اختلاطهم بمجرمين نتيجة تعرضهم لمواقف إجرامية يخلقها لهم أفراد غير مجرمين. ولنا أن نمثل لذلك بحث الأم وليدها على عدم السرقة ، في الوقت الذي تدفعه إلى ذلك بحديثها المتكرر عن تدني مستوى الأسرة المعيشي إذا ما قورن بالأسر المجاورة لها.
- كما عيب عليها عجزها عن تفسير الجرائم التي ترتكب في ثورة انفعال أو الجرائم التي تقع في فترات الطفولة المبكرة قبل أن يخالط الطفل غيره مدة كافية لتعلم السلوك الإجرامي. وقد حاول كريسي التخفيف من هذا النقد بقوله أنه يعود إلى نقص الأبحاث التجريبية التي تثبت صحة فروض النظرية.
- كما أن الأخذ بمنطق هذه النظرية يدفعنا إلى التساؤل : إذا ما كان اختلاط الشخص بغيره من المجرمين هو المفسر للسلوك الإجرامي ، فبما نفسر إجرام المجرم الأول ؟ أي من الذي علم هذا الأخير فن ارتكاب الجريمة ؟ ولماذا لا يندفع البعض نحو الجريمة رغم اختلاطهم بأفراد من عتاة المجرمين ؟ ولماذا لا يتطابق سلوك بعض الأفراد مع القانون رغم اختلاطهم مع أناس من دعاة الفضيلة والحرص على احترام القانون ؟
- كما أن تلك النظرية قد غفلت عن أن تأثير اختلاط الفرد بمجموعة إجرامية يختلف تبعاً لمراحله العمرية ، وقد يأتي متأثرا بالمزاج الفردي للشخص وحالته البدنية...الخ. أي أن التأثير لا يرجع إلى الاختلاط فحسب بقدر ما يرجع إلى عوامل أخرى كثيرة. ولو كان الاختلاط وحده سبباً للجريمة لكان مؤدى ذلك أن يكون كل عتاة المجرمين في العالم من الباحثين في علم الإجرام وحراس السجون ورجال الدين العاملين في السجون ، وذلك بحكم اختلاطهم بنزلاء السجون من المجرمين. وقد حاول كريسي الرد على هذا النقد أيضاً بقوله أن مقصود نظرية سذرلاند ليس مجرد الاختلاط مع المجرمين وإنما درجة كثافة هذا الاختلاط Overabundance of association.
- كما قيل أن السلوك الإجرامي هو نتاج النزعات الفطرية والميول الغريزية ولا يحتاج إلى تعلم ، فالنفس بطبيعتها أمارة بالسوء. فالإنسان - وعلى نحو طبيعي ومبكر - يميل إلى الكذب والعنف. ويظل الإنسان هكذا بحاجة إلى تعلم السلوك القويم وتهذيب النفس ، دون تعلم الإجرام.
- ليس صحيحا ما تذهب إليه هذه النظرية من أن الفرد ينبغي أن يكتسب نوعاً من المهارة والتعلم قبل ارتكاب الجريمة. فإذا كان هذا يصدق على بعض الجرائم التي تقوم على المهارة والذكاء – كالنشل والنصب مثلاً - فإنه لا يصدق على جرائم أخرى لا تتطلب نفس القدر من الذكاء ، كجرائم العنف وخيانة الأمانة والسب والقذف.
- أن تلك النظرية لم تبين لنا العوامل التي تدفع الشخص نحو الاختلاط بجماعة بعينها ، فاسدة أو غير فاسدة. فلا شك أن هذا الأمر لابد وأنه يتوقف على عوامل تتصل بالتكوين الداخلي للفرد. وقد حاول سذرلاند الرد على هذا النقد قائلاً أن الفرد لا يختار جماعة دون أخرى ، بل أن تأثير جماعة معينة يغلب عنده ويعلو على تأثير جماعة أخرى. ولا يمكن القول بتوقف هذا الاختيار على العوامل الداخلية والتكوينية للفرد إلا إذا افترضنا أن تأثير الجماعات المحيطة كان على درجة واحدة ، وهو افتراض غير صائب لأن تأثير المخالطة يتفاوت – كما سبق القول – بحسب أسبقيتها ومدتها ونظرة الفرد لمن يخالطهم.

والواقع أن هذا الرد من جانب سذرلاند لا يفلح في إنقاذ نظريته من النقد ، حيث أن المخالطة – ومع توافر الأمور الثلاث الأخيرة – لا تعني حتمية اكتساب السلوك الإجرامي.




المطلب الثالث
نظرية المصدات أو المفاهيم الذاتية
Containmnets or Self-concept Theory

تنسب نظرية المصدات إلى العالم الأمريكي والتر ركلس Walter Reckless ، محاولاً من خلالها الإجابة على التساؤل حول علة تفاوت ردود أفعال الأفراد وسلوكياتهم رغم وحدة المؤثر الخارجي. أي لماذا يلجأ يسلك بعض الأفراد الطريق إلى الجريمة بينما يعزف عنه آخرون.

ويعزي ركلس هذا التفاوت إلى وجود أمرين ، أطلق عليهما ركلس تعبير "المصدات الماصة Containing buffers" : الأول وجود تنظيم اجتماعي خارجي متماسك يجبر الأفراد على توافق سلوكهم مع القواعد القانونية ، والثاني وجود "جهاز مقاومة" بداخل كل فرد منا يعصمه من الخروج على ما توجبه قواعد القانون. وتعمل هاتان القوتان كوسائل دفاع وكعازل في مواجهة الإغراءات والفساد الأخلاقي. فهذين الأمرين هما من قبيل وسائل التحييد بالنسبة للعوامل الدافعة للجريمة. ويتفاوت السلوك الاجتماعي للأفراد بحسب قوة أو ضعف هاتان القوتان ، فالعلاقة بينهما وبين الجريمة علاقة عكسية .

و يدلل ريكليس على صدق فكرة المصدات Containments بالإشارة إلى جماعة Hutteries ، إذ ظهر عند إخضاع بعض أعضائها للاختبارات النفسية أن لديهم ميولا تجاه جرائم العنف ، ورغم ذلك ثبت ندرة الجرائم التي يرتكبها أفرادها وعدم التجائهم إلى العنف لحل مشاكلهم. ولا يفسر ذلك في نظر ركلس إلا بوجود تنظيم اجتماعي قوي يميز تلك الجماعة يبقي تلك الميول حبيسة في صدور أصحابها وإبعادها عن طور التنفيذ Passage à l’acte ، فضلاً عن تمتع أعضاء تلك الجماعة بضمائر أو "أنا عليا" Superegos قوية.

ومما لاشك فيه أن الحياة المعاصرة تتصف بضعف وعدم تجانس التنظيم الاجتماعي للجماعات ، بحيث لا تستطيع هذه الأخيرة أن تباشر في مواجهة أعضائها الرقابة الكافية. ولا يتبقى حينئذ من قوى المنع أو المصدات إلا سلطة الرقابة الذاتية أو جهاز المقاومة الداخلي. فالملاحظ أنه كلما تشعبت مظاهر الحياة في المجتمع كلما اكتسبت الذات أهمية متزايدة كعامل رقابة Controlling agent. وتتوقف قوة الذات في مواجهة المغريات وقوى الدفع نحو الجريمة على الصورة التي يكونها الشخص عن نفسه وكذلك المفاهيم والقناعات الذاتية Self-concepts.

فكلما نظر الفرد إلى نفسه كشخص مسئول وتعمقت لديه القناعة بأهمية دوره في المجتمع فإنه سوف يتصرف كشخص مسئول ويأتي سلوكه مطابقاً للقانون ومتكيفاً اجتماعياً Favourable socialisation. وعلى العكس إذا ما تكونت لدى الفرد القناعة بأنه خارج حلبة الصراع المشروع من أجل الترقي الاجتماعي وضعفت المفاهيم التي يكونها الشخص عن نفسه كان ذلك مؤشراً ضعف الرقابة الذاتية وعلى عدم تكيفه مع المجتمع بطريقة سليمة Unfavourable socialisation ، وخاصة مع قيم الطبقة الاجتماعية التي تعلو طبقته في السلم الاجتماعي.

وجملة القول أن ركلس يرى بأن تفسير الظاهرة الإجرامية لا يمكن أن يتم إلا في ضوء تقدير مدى قوة عاملي الرقابة أو المفاهيم الذاتية والتنظيم الاجتماعي في الدفع إلى الجريمة.

ومن جانبنا لا يمكن أن ننكر مساهمة هذه النظرية في تفسير الظاهرة الإجرامية ، حيث استطاعت – ولو جزئياً – تفسير العلة التي من أجلها لا يتوحد تأثير العامل الإجرامي الواحد لدى كافة الأفراد. إذ أرجعت ذلك إلى تفاوت تأثير القوى المانعة أو المصدات ، النابعة من قوة التنظيم الاجتماعي أو قوة الذات ، على الأفراد.

بيد أن قصوراً قد أصاب تلك النظرية يتركز في الآتي :
- فقد عيب عليها أنها ركزت في تفسير الظاهرة الإجرامية على قوي المنع من الجريمة أي الجانب السلبي وكادت تنسى الشق الإيجابي من المشكلة ألا وهو بيان الأسباب والعوامل التي تدفع إلى ارتكاب الجريمة.
- وقيل أيضاً أن بعض المفاهيم التي استندت إليها يصعب قياسها وإخضاعها للتجربة العملية ، ومن ذلك قوة الرقابة الذاتية.
- كما قيل أنها تعجز عن أن تفسر لنا لماذا يخلع المجتمع أوصافا مختلفة على مرتكبي ذات الأفعال. مثال ذلك القتل ، الذي يعد أحياناً جريمة وأحياناً أخرى بطولة.


المطلب الرابع
نظرية الوسم الإجرامي أو خلع الأوصاف
Labeling Theory

تنسب نظرية الوسم الإجرامي أو خلع الأوصاف إلى العالم الأمريكي كاي إريكسون Kai Erikson ، الذي أوضح أن الإجرام ليس صفة ذاتية تلاحظ لدى بعض الأفراد ولا تلاحظ لدى غيرهم فتميز فريقا عن آخر ، ولكنه صفة ألصقها بعض الناس بالبعض الآخر. والبين أن تلك النظرية لا تحفل بالكيفية أو بالميكانيزم الذي يصبح الشخص من خلاله مجرماً ، أو بتفسير لماذا يصبح بعض الأفراد مجرمين دون البعض الأخر. فكل ما تحاول تلك النظرية الإجابة عليه هو لماذا يخلع المجتمع على بعض الأفراد دون البعض الآخر وصف المجرمين ؟

فقد لاحظ إريكسون أن كافة النظريات التي قيل بها في إطار التيار الاجتماعي لتفسير الظاهرة الإجرامية قد وقعت جميعها في خطأ المغالطة الثنائية لأنها تفترض أن للجريمة خصائص تميزها عن الفعل الذي لا يعتبر جريمة. والحق أن هذا التحليل غير دقيق ، ذلك أنه من الناحية العلمية الدقيقة فإن نفس الفعل المكون للجريمة – من حيث ماهيته – قد لا يكون مختلفا عن الفعل العادي. وإنما يكون الأول جريمة لسبب بسيط وهو أن المجتمع قد وصفه على هذا النحو ، ويعرف مرتكبه بأنه مجرم أن المجتمع قد خلع عليه هذا الوصف. فالأمر مرجعه تباين رد الفعل الاجتماعي تجاه الفعل الواحد.

وقد دلل إريكسون على صدق نظريته بأكثر من أمر : فالأحداث رغم أن عدد كبير منهم يرتكبون جرائم ، فإن نسبة قليلة من هذا العدد هي التي توصف "بالإجرام". ويرجع ذلك إلى السلطة التقديرية الواسعة التي تمنح للجهات التي تتعامل مع الأحداث الجانحين. كما يؤكد منطق هذه النظرية حالة من يفرطون في تناول المشروبات الكحولية ، إذ يطلق المجتمع على بعضهم وصف "المدمنين" بينما لا يلتصق نفس الوصف بالآخرين ممن لا يقلون عنهم إفراطا في الشرب. والأمر ذاته بالنسبة لمن يتصرفون بطريقة شاذة ، فمنهم من يودع في مستشفيات الأمراض العقلية ويطلق عليهم وصف "مرضى العقول" بينما ينجو بعضهم الآخر من نفس الوصف ، في حين أنهم جميعا من نفس الطائفة. ويؤكد ذات الأمر حالة المرأة التي ترتكب جريمة الزنا في المجتمعات الغربية ، حيث لا تحاكم عنها في الغالب ولا توصف بأنها منحرفة ، ولكنها عندما تلد طفلا غير مشروع يكون ثمرة هذه العلاقة ، فعندئذ يطلق عليها المجتمع وصف "المنحرفة".

وكشف أنصار هذه النظرية عن أن الوسم الإجرامي والمنحرف يتوقف على الكثير من العوامل ، أهمها على الإطلاق المركز الاجتماعي للشخص. فأبناء الطبقات الدنيا ، وكذا من يعتبرون خطرين على السلطة تزداد في مواجهتهم احتمالات الوسم الإجرامي إذا ما قورنوا بغيرهم من أبناء الطبقات العليا وذوي المراكز الوظيفية الهامة الذين يملكون الوسائل المادية والمعنوية للدفاع عن حقوقهم ، ويكونون محل احترام من القائمين على تطبيق القانون حتى وهم مقبوض عليهم.

وعلى الرغم من أن تلك النظرية قد حاولت الإجابة على تساؤل قلما طرحته الدراسات الإجرامية ، إلا أنه تتعد في الواقع المآخذ التي تنال منها. ويمكننا أن نذكر خاصة الانتقادات التالية :
- فمن الواضح أن النظرية محل البحث تتفادى تماماً مشكلة العوامل الدافعة إلى الجريمة. ذلك أننا إذا سلمنا بأن التوصيف هو الذي يدفع إلى التمادي في طريق الجريمة فإننا سنظل في حاجة لمعرفة السبب الذي قاد المجرم إلى ارتكاب جريمته الأولى.
- ولا شك أن أنصار هذه النظرية يركزون على الدور السلبي للتوصيف المتمثل في التمادي في الإجرام ، مغفلين الدور الايجابي الذي قد تلعبه عملية الوسم الإجرامي المتمثل في الردع وعدم العودة إلى الإجرام.
- ويتصل بالنقد السابق أن سلبية أثر الوصف أو إيجابيته يختلف من شخص إلى أخر ، ويختلف لدى الشخص الواحد حسب مراحله العمرية. فذات الوصف قد يجعل رجلاً مجرماً يحترف الإجرام ، بينما يردع شخصاً آخر عن التمادي في الجريمة. أي أن التوصيف قد يؤدي دوراً في منع الجريمة لدى المجرم المبتدئ أكثر من نظيره لدى المجرم المحترف. كما أن الفرد يميل إلى ترك السلوك الإجرامي كلما كان وصف المجرم أو المنحرف الذي تم خلعه عليه قابلاً للزوال.
- كما عيب على تلك النظرية أنها افترضت أن معدلات الوصف الإجرامي والمنحرف يزيد بين أفراد الطبقات الدنيا وأعضاء الأقليات الاجتماعية وسكان المناطق المتخلفة إذا ما قورن بمعدلاته بين أبناء الطبقات العليا وذوي الهيبة الاجتماعية. وأن السلطة الحاكمة تستخدم سلاح الوسم الإجرامي على الطبقات الأخرى في المجتمع. فلدى أنصارها أن معدل الوسم الإجرامي يزيد لدى السود عن مثيله لدى البيض ولدى الرجال عن مثيله لدى النساء. ولا يخفى ما في هذه النتائج من شك ، إذ من الواضح أنها قد استندت إلى أفكار مسبقة فيما يتعلق بالعنصر والسن رغم كونهما عنصران غير حاسمين في تفسير الظاهرة الإجرامية.
- وأخيراً فإن هذه النظرية تعتبر الفرد مجرد موضوع سلبي يتحدد سلوكه على ضوء أوصاف يخلعها عليه أفراد آخرون ، الأمر الذي يجافي الطبيعة الإنسانية التي تؤكد أن السلوك النهائي للإنسان يتوقف على عدد من العوامل والبواعث والميول الغريزية.

الفصل الثالث
التفسير التكاملي للظاهرة الإجرامية
L’analyse globale du phénomène criminel

96- تمهيد وتقسيم :
كشف لنا استعراض النظريات السابقة عن تعذر رد الظاهرة الإجرامية إلى عامل واحد سواء اتصل بالتكوين الطبيعي للمجرم (الاتجاه التكويني) أو اتصل بالبيئة المحيطة به (الاتجاه الاجتماعي). وأبان لنا هذا العرض أن قصور التحليلات السابقة يرجع إلى أنها ركزت اهتمامها على عامل وأغفلت عوامل أخرى كثيرة ، أو حاولت أن تقدم تفسيراً جزئياً لنمط إجرامي معين على وجه التحديد. فضلاً عن هيمنة فكرة الحتمية على كافة النظريات السابقة ، بمعنى أن العوامل العضوية أو النفسية أو الاجتماعية واحة بعد الأخرى تقتضي حتماً ارتكاب السلوك الإجرامي ، على نحو يجعل الأخير يخضع لقوانين أقرب لقوانين الطبيعة والرياضيات.

ولما كان السلوك الإجرامي ظاهرة فردية في حياة الفرد وكذا ظاهرة اجتماعية في حياة المجتمع ، فيجب أن يأتي التفسير جامعاً لكلا الأمرين في ذات الوقت ، وإلا جاء التحليل قاصراً مشوباً بالعوار. فالظاهرة الإجرامية تستعصي بحسب طبيعتها على التفسير الأحادي الذي يردها إلى عامل بعينه. فما يصلح لتفسير إجرام السارق المحترف لا يصلح لتفسير إجرام القاتل أو إجرام الدم العارض. وما يصلح لتفسير جرائم الآداب لا يصلح لتفسير الجرائم الضريبية والجمركية...وهكذا. من هنا نشأ الاتجاه التكاملي في تفسير الظاهرة الإجرامية الذي يجمع بين الاتجاه التكويني والاتجاه الاجتماعي في إطار تفسير واحد تلتقي فيه عوامل شخصية بأخرى اجتماعية. فالظاهرة الإجرامية تنبع من "إنسان يعيش في مجتمع" ، أو هي بالأحرى فاعل وفعل ولا يمكن اجتزائها في أحدهما فقط.

ويتوزع هذا الاتجاه بين نظريات عدة لعل أهمها ما قال به العلامة الإيطالي أنريكو فيري Enrico Ferri ، ونظرية العالم الإيطالي بندا Penda. وتأتي نظرية التكوين الإجراميThéorie de la constitution délinquantielle ، التي صاغها الأستاذ الإيطالي بينينو دي توليو Beningno Di Tullio في مؤلفه حول "الأنثروبولوجيا الجنائية" في عام 1945 ، لتكون خير مثال على هذا الاتجاه.

المبحث الأول
التفسير التكاملي لدى أنريكو فيري

97- تمهيد :
على الرغم من أنريكو فيري Enrico Ferri (1856-1928) - عالم الاجتماع والنائب بالبرلمان الإيطالي وأستاذ القانون الجنائي بجامعتي روما وتورينو - يعد واحداً من أقطاب المدرسة الوضعية الإيطالية ، غير أنه نحى في دراسته لأسباب الظاهرة الإجرامية منحاً اجتماعياً يأخذ في اعتباره بعض العوامل الخارجية المحيطة بالمجرم ، ولا يقتصر فقط على دراسة العوامل الداخلية لهذا الأخير. وقد ضمن فيري أفكاره في مؤلفه الذي أصدره عام 1884 بعنوان "علم الاجتماع الجنائيLa sociologie criminelle" ، والذي سبق وأن نشره تحت عنوان "الآفاق الجديدة للقانون العقوبات" ثم أعيد طبعه في عام 1928 تحت عنوان "مطول قانون العقوبات". وسوف نعرض أولاً لمضمون نظرية فيري ، والتي يطلق عليها البعض "نظرية العوامل المتعددة La théorie multifactorielle ، قبل أن نكشف عن أوجه النقد التي وجهت إليها .


المطلب الأول
مـضـمـون نـظـريـة فـيـري

بدأ أنريكو فيري نظريته بنقد ما توصل إليه أستاذه لومبروزو ومبالغته في أهمية العوامل الداخلية في تفسير الظاهرة الإجرامية ، خاصة ما يتصل بالصفات الجسدية. فقد أثبتت الدراسات مثلاً خطأ النتائج المستخلصة فيما يتعلق بالربط بين الجريمة وبين قلة حجم ووزن الجمجمة إذ انه قد تأكد وجود الكثير من العباقرة ممن تقل أوزان جماجمهم عن وزن جمجمة الرجل العادي ومع ذلك لم ينجرفوا في تيار الجريمة.

ويرى فيري أن السلوك الإجرامي ما هو إلا ثمرة حتمية نتيجة لتفاعل ثلاثة أنواع من العوامل الإجرامية. أولها العوامل الأنثروبولوجية Facteurs anthropologiques ، المتصلة بشخص المجرم ، سواء التي تتعلق بالخصائص العضوية والنفسية للمجرم ، أو المتعلقة بالمميزات الشخصية له كالسن والجنس والنوع والمهنة والحالة الاجتماعية. وثانيها العوامل الطبيعية والجغرافية Facteurs physiques ou consmo-telluriques ، المرتبطة بالبيئة الطبيعية أو الجغرافية ، ومثالها الظروف الجوية وتأثير الفصول ودرجة الحرارة وطبيعة التربة والإنتاج الزراعي...الخ. أما آخر تلك العوامل فهي العوامل الاجتماعية Facteurs sociaux ، وهي مجموعة العوامل الخارجية التي تنشأ من البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها المجرم. ويمثل لتلك العوامل بتركيز السكان ، والرأي العام ، والمعتقدات الدينية ، والإنتاج الصناعي ، ونظام التعليم ، والتنظيم الاقتصادي والسياسي...الخ.

وانطلاقاً من الفرضية السابقة والتي مؤداها نسبة السلوك الإجرامي لتفاعل عدة عوامل فقد وضع فيري ما يسمى "بقانون الإشباع والتشبع الإجرامي" Loi de la saturation et de la sursaturation criminelles ، وهو قانون يشبه قانون الكثافة في علم الكيمياء ، ومؤداه أنه إذا تكاتفت عوامل طبيعية وجغرافية معينة ، مع ظروف اجتماعية معينة ، فينتج حتماً عدداً معيناً من الجرائم لا ينقص ولا يزيد. وطبقاً لهذا القانون أيضاً يصل فيري إلى القول بأن كل حدث غير طبيعي أو طارئ - كحرب أو ثورة أو وباء عام...الخ - يؤدي إلى اطراد سريع في معدل الإجرام سرعان ما يعود هذا المعدل إلى حاله السابق حالما يزول الحدث الشاذ.

وعلى الرغم من أن فيري لم يقع في خطأ التفسير الأحادي ، ورغم عدم إنكاره أهمية العوامل البيولوجية في الدفع نحو الجريمة ، غير أنه يضع العوامل الاجتماعية والطبيعية في المقام الأول باعتبارها المحرك لدفع المجرم إلى سلوك سبيل الجريمة .

وقد قسم فيري المجرمين إلى أنماط خمس ، بحسب تأثير طائفة معينة من العوامل في الدفع نحو الجريمة. فهناك من جانب طائفة المجرمين بالميلاد Criminels nés ، ويمثلون ذات النموذج الذي قدمه لومبروزو من قبل والمتعلق بمن ينجرفون للجريمة بفعل العوامل الأنثروبولوجية ، وإن كانوا لدى فيري غير مقودين حتماً إلى طريق الجريمة إلا إذا تدخلت عوامل أخرى اجتماعية. وهناك المجرمين من ذوي العاهة العقلية Criminels aliénés الذين يندفعون إلى سبيل الجريمة بفعل مرضهم العقلي بحسب الأصل وتحفيز من مؤثرات وعوامل اجتماعية وطبيعية.

وهناك من جانب آخر المجرمين بالاعتياد Criminels d’habitude ، وتباشر العوامل الاجتماعية دوراً مؤثراً – إذا ما قورنت بالعوامل العضوية - في دفع هؤلاء نحو السلوك الإجرامي. وتأتي طائفة المجرمين بالصدفة Criminels d’occasion والذين ينزلقون في تيار الجريمة لضعف التكوين البيولوجي ووطأة المؤثرات الاجتماعية المحيطة. وأخيراً أشار إلى طائفة المجرمين العاطفيين Criminels passionnels الذين يتميزون بالحساسية المفرطة فلا يستطيعون مقاومة بعض الظروف الاجتماعية العارضة فيقدمون علي ارتكاب السلوك الإجرامي.

المطلب الثاني
تـقـيـيـم نـظـريـة فـيـري

إذا وضعنا نظرية فيري على مائدة التقييم فإننا ندرك شمولية رؤية هذا العالم في تفسير الظاهرة الإجرامية إذا ما قورن ببعض النظريات السابقة أو اللاحقة عليه. كما تتجلى قيمة هذا العالم في إبرازه أن أحد طرق مكافحة الظاهرة الإجرامية تتمثل في الاهتمام بتغيير الظروف الاجتماعية المحيطة بالفرد من خلال انتهاج سياسة اجتماعية واقتصادية وثقافية تهدف إلى تحييد العوامل الدافعة للإجرام. وهنا تظهر قيمة قولته الشهيرة "أن مكافحة الجريمة في طريق مظلم لا تتأتى بزيادة أعداد رجال الشرطة في هذا الشارع وإنما بإنارته". كما أن محاولته لتصنيف المجرمين حسب نوع العوامل التي تقف وراء إجرام كل طائفة كان له أبلغ الأثر في تحديد طبيعة ونوع المعاملة العقابية في شأن كل طائفة.

بيد أن تلك النظرية لا تخلو من النقد ، ومن بين ما وجه إليها :
- قيل أن تصنيف فيري للعوامل الإجرامية تعوزه الدقة ، ودليل ذلك أنه يدخل الإنتاج الزراعي ضمن العوامل الطبيعية في حين يرى أن الإنتاج الصناعي يدخل ضمن العوامل الاجتماعية أو البيئية. وربما الذي دفع فيري إلى هذا التحليل هو دور الفرد المحدود بالنسبة للإنتاج الزراعي إذا ما قورن بدوره في الإنتاج الصناعي. كما أن احتكاك الفرد بغيره يقل في المجتمعات الزراعية عنه في المجتمعات الصناعية.
- كما انتقدت نظرية فيري لتمسكها بفكرة المجرم بالميلاد ، وتمييزه بين المجرم بالصدفة والمجرم العاطفي رغم وحدة الخصائص بينهما.
- وعيب أيضاً على فيري تمسكه بفكرة الحتمية الإجرامية ، فهذه الفكرة تعتبر دخيلة على علم الإجرام ولا تتفق مع كونه علماً إنسانياً وليس طبيعياً. فالحتمية ونقيضها حرية الاختيار فكرتان فلسفيتان ينشغل بهما علم مجرد هو الفلسفة ، في حين أن علم الإجرام علم تجريبي تفسيري لا يحفل كثيراً بالمفاهيم الفلسفية.
- كما قيل أن التسليم بتعدد الأسباب الدافعة إلى السلوك الإجرامي أم يمثل في حد ذاته إنكاراً للسببية الإجرامية برمتها. وهذا ما نبه إليه دوركايم عندما أنكر ما نادى به جون ستيوارت ميل من أن الأثر الواحد قد ينجم في حالات عن سبب معين وفي حالات أخرى عن سبب آخر. فقد كشف دوركايم عن أن لكل أثر سبب واحد دائماً A un même effet correspond toujours une même cause. الأمر الذي كان يوجب بدلاً من صياغة نظرية عامة تصلح لكل الأنماط الإجرامية التركيز على تحليل نظريات فرعية تصلح لتفسير طوائف إجرامية معينة.
- كما أن القول بتعدد الأٍسباب التي تقف وراء السلوك الإجرامي هو تحليل مخل لفكرة السببية الإجرامية ، إذ لا يتضمن هذا القول كشفاً عن القوانين العلمية التي تربط الجريمة والعوامل التي تقف ورائها. بمعنى آخر أن هذا التحليل المتكامل يعجز عن أن يبين لنا الكيفية التي يقع بها السلوك الإجرامي.
- وقيل أن تلك النظرة التكاملية إنما تشوه صورة البحث العلمي ، إذ أن منطقها يوجب على الباحث في علم الإجرام أن يعد قائمة طويلة من الأسباب والمقدمات السيئة (كالتفكك الأسري والفقر والجهل والبطالة) والتي يمكن أن تقف دافعاً وراء السلوك الإجرامي.
- وأخيراً فإن القول بأن السلوك الإجرامي يقف وراءه جملة من العوامل الأنثروبولوجية والاجتماعية دون اختيار العامل الفعال في توليد الظاهرة الإجرامية فيه إهدار لذاتية علم الإجرام كعلم قائم بذاته ، إذ لا يصبح هذا الأخير سوى تجميع لجملة من أفرع العلم المختلفة.

المبحث الثاني
التفسير التكاملي لدى بندا

مال العالم الإيطالي نيكولا بندا Penda - أحد أنصار المدرسة الطبيعية الحديثة في تفسير السلوك الإجرامي ، وواحد من كبار المتخصصين في علم وظائف الغدد بحكم وظيفته كمدير لمعهد علم النماذج الحيوية الإنسانية بروما - إلى تفسير الظاهرة الإجرامية تفسيراً ينبني على تعدد الأسباب Multifactorielle.

ووفقاً لبندا فإن السلوك الإجرامي يمكن رده إلى نوعين من العوامل :

- الأولى العوامل المحددة Facteurs déterminants ، وهي جملة العوامل ذات الطبيعة التكوينية. وتلك العوامل إما أن تكون عوامل فطرية موروثة كالتكوين العضوي ، وإما أن تكون عوامل مكتسبة من البيئة المحيطة بالإنسان. وأهم هذه العوامل في نظر بندا تكوين الجهاز العصبي الخاضع لسيطرة المخ مباشرة والذي يسيطر كذلك على سائر الخلايا والأنسجة.

- والثانية العوامل غير محددة Facteurs non déterminants . وتلك العوامل شرطية conditionnels ، بمعنى أنه يتوقف عليها تحقيق السلوك الإجرامي. ومثال تلك العوامل الظروف البيئية والوسط الاجتماعي.

وعلى ذلك فإن بندا يركز في تحليله للجريمة على دور العوامل التكوينية وبصفة خاصة نشاط الجهاز العصبي. فلديه أن الجهاز العصبي وخاصة المخ هو الذي يحدد ماهية السلوك الإنساني ، كما يحدد صفات الفرد وطباعه. وبما أن الجريمة صورة من صورة السلوك الإنساني ، فلابد وأن تتأثر بالحالة التي يكون عليها هذا الجهاز. غير أن تولد الجريمة في صورتها النهائية يحتاج إلى عوامل وظروف خارجية محفزة تباشر احتكاك بهذا الخلل أو الاضطراب ، يكون من شأنها أن تدفع الفرد إلى الإجرام.

وقد دلل بندا على صحة نظريته عندما تولى فحص عدد كبير من المجرمين ، فقد لاحظ وجود التهابات سحائية والتهابات في أغشية المخ ، الأمر الذي يجعل سيطرة "الأنا أو العقل" على الميول أو الغرائز ضعيفا ، نتيجة خروج الأنا ذاتها عن سيطرة المراكز العليا للمخ. فقد أكد على أن هناك منطقة تقع على جانب المخ يطلق عليها مصطلح "المادة الزرقاء" Regione Talamica وهذه المنطقة هي "مركز الأنا أو العقل" والتي تتحكم في توجيه جميع الميول والحاجات الغريزية والنفسية الكامنة في اللاشعور.

بل لقد لاحظ بندا في دراساته على مجموعات ضابطة من غير المجرمين أن الشخص المصاب بهذه الالتهابات يسلك سلوكاً يتسم بالأنانية المفرطة وبسرعة الغضب والاندفاع والثورة لأتفه الأسباب ، كما تصدر عنه أفعال منافية للأخلاق والآداب.

كما لاحظ بندا على المجرمين الذين أخضعهم للفحص وجود اضطرابات في الغدد الصماء Ductless glands . غير أنه أكد أن هذه الاضطرابات لا تصلح سبباً مباشراً لتفسير السلوك الإجرامي ، فالأمر لديه يحتاج كي تباشر هذه الاضطرابات أثرها في دفع الشخص إلى ارتكاب السلوك الإجرامي إلى وجود خلل مخي متمثل في التهاب الأغشية المخية ووجود محفزات خارجية وبيئية تؤدي إلى إهاجة بعض الاستعدادات الأنانية والحيوانية.

وفي معرض تقيمنا لهذه النظرية يمكننا أن نؤكد على فضلها في محاولة الربط بين العالم النفسي والعالم العضوي للإنسان ، مؤكدةً على أن فهم السلوك الإنساني عاماً والإجرامي خاصة لا يتأتى إلا بالوقوف على العوامل الداخلية في تكوين العالمين النفسي والعضوي في دفع الفرد إلى السلوك الإجرامي.

بيد أن قصوراً قد شاب تلك النظرية من أكثر من ناحية :
- فقد قيل بأن هذه النظرية تعجز عن أن تفسر لنا السبب الذي من أجله لا يرتكب البعض ممن يعانون من التهابات في أغشية المخ أو خلل في وظائف الغدد سلوكاً إجرامياً. فالربطة بين هذه الأشكال من الاضطرابات والجريمة ليس حتمياً.
- كما عيب على هذه النظرية تجاهلها أن مبحث الغدد ووظائفها مازال أمراً يكتنفه الغموض وليس لدينا المعلومات العلمية الكافية عن العلاقة القائمة بين افرازات الغدد المختلفة وتأثير تلك الافرازات على السلوك الإنساني.
- فضلاً عن أن بندا لم يتأكد حال قيامه ببحوثه على المجرمين ما إذا كان الخلل الملاحظ لدى المجرمين في وظائف الغدد ليس أمراً لاحقاً على ارتكابهم للجريمة وناشئ عن طول المدة التي قضوها في المؤسسات العقابية أو ناجم عن خلل عصبي أو عقلي أدى بدوره إلى وجود اضطرابات غددية.
- كما أن القول بنسبة السلوك الإجرامي إلى وجود خلل عضوي يجعل من المجرمين مرضى يستوجبون العلاج لا العقاب وفي ذلك هدم للمفاهيم التي يقوم عليها القانون الجنائي حول المسئولية الجنائية.

المبحث الثالث
التفسير التكاملي لدى دي توليو

98- تمهيد وتقسيم :
تعتبر النظرية التي صاغها الطبيب الإيطالي بينينو دي توليو Benigno Di Tullio في مؤلفه حول علم طبائع المجرم (الأنثروبولوجيا الجنائية) عام 1945 - والتي تعرف بنظرية الاستعداد الإجرامي Théorie de la constitution délinquantielle - أشهر النظريات التي تتبنى اتجاهاً تكاملياً في تفسير الظاهرة الإجرامية . ويجدر بنا لتفهم حقائق تلك النظرية أن نعرض لمضمونها ، ثم بيان أوجه النقد التي وجهت إليها.

المطلب الأول
مضمون نظرية دي توليو

99- أولاً : فكرة الاستعداد الإجرامي :
تعبر الجريمة عند دي توليو عن وجود نوع من عدم التوافق الاجتماعي Inadaptation sociale ، ناشئ عن وجود "حالة استعداد خاص للجريمة " Etat de prédisposition spécifique au crime كامنة في شخص المجرم ولم تخرج إلى النور إلا بسب وجود خلل عضوي ونفسي يضعف من قدرة الشخص على التحكم في نزعاته وميوله الفطرية (قوى الدفع للجريمة) ، ويجعل الشخص أكثر استجابة للمؤثرات الخارجية المحفزة أو المفجرة للسلوك الإجرامي.

فالسلوك الإجرامي عند دي توليو شأنه شأن المرض ، فكما أن الناس يتعرضون جميعهم لأنواع عدة من الميكروبات ورغم ذلك لا يصابون جميعهم بالأمراض ، بل لا يصاب بها إلا من ضعفت مقاومته في التصدي لهذه العوارض الخارجية ، وكذلك السلوك الإجرامي ، فلدى الكل استعداد إجرامي نحو الجريمة غير أن البعض فقط هو الذي يدخل إلى طور التنفيذ نتيجة وجود خلل في تكوينهم العضوي والنفسي يجعلهم أقل قدرة على التكيف مع متطلبات الحياة الاجتماعية وأقل قدرة على كبح جماح غرائزهم الفطرية ، وفي ذات الوقت تقل أو تنعدم لديهم القوى المانعة من الجريمة أو ما يسمى بالغرائز السامية.

فلدى الكافة - بحسبان أنهم بشر - غرائز أساسية فطرية ، مثل الغريزة الجنسية وغريزة التملك وغريزة الاقتتال والدفاع ، وهذه الغرائز تكون تعبيراً عن "القوة الدافعة للجريمة". غير أن تلك الغرائز تتهذب بفعل عناصر مكتسبة Eléments acquis منذ مرحلة الطفولة على أثر التعليم والثقافة وتلقين القيم الدينية والأخلاقية. ويؤدي هذا التهذيب إلى نشوء غرائز ثانوية سامية ، يطلق عليها تعبير "القوة المانعة من الجريمة".

فإذا التقى الاستعداد الإجرامي بمثير خارجي ، نشأ صراع بين نوعي الغرائز. فإذا تغلبت الغرائز الأساسية (القوة الدافعة للجريمة) على الغرائز السامية (القوة المانعة للجريمة) أقدم الشخص على ارتكاب السلوك الإجرامي ، والعكس بالعكس. الأمر الذي يفسر لنا علة ارتكاب البعض دون البعض الأخر للسلوك الإجرامي رغم وحدة الظروف البيئية.

ويقسم دي توليو الاستعداد الإجرامي إلى نوعين : الأول هو الاستعداد الإجرامي الأصيل ، وهو الذي يتصف بالثبات والاستمرار ويكشف عن ميل فطري نحو الجريمة نتيجة خلل في العناصر الوراثية Eléments héréditaires والخلقية Congénitaux المرتبطة بالتكوين العضوي والنفسي للفرد. ويدفع هذا النوع من الاستعداد نحو ارتكاب الجرائم الخطيرة والاعتياد عليها. أما النوع الثاني فهو الاستعداد الإجرامي العارض والذي يرجع إلى تأثير عوامل بيئية واجتماعية - كعوامل الفقر والغيرة الشديدة أو الحقد - تقلل من قدرة الفرد على ضبط مشاعره والسمو بغرائزه. ويتوافر هذا النوع من الاستعداد لدى المجرمين بالصدفة والمجرمين العاطفيين.

ولا يجب أن يفهم من ذلك أن الاستعداد الإجرامي يكون رهناً عند دي توليو بوجود وراثة إجرامية خاصة. فالحق أن دي توليو يعترف فقط بوجود ميول إجرامية Tendances criminogènes ليس لها في ذاتها طبيعة جنائية. غير أن تلك الميول يكون من شأنها أن تدفع الفرد إلى السلوك الإجرامي إذا ما صادفت مثيراً خارجياً اتحد معها فأيقظها وتفاعل معها .


100- ثانياً : أساليب الكشف عن الاستعداد الإجرامي :
لما كان الاستعداد الإجرامي لدى دي توليو يضم عناصر وراثية وأخرى بيئية ، ويعد بمثابة ميل نحو الجريمة ، ناشئ عن نقص أو خلل يصيب الفرد في تكوينه العضوي أو النفسي ، يؤدي إلى غلبة الغرائز الأساسية الفطرية على القوة المانعة منها ، فإن الكشف عن وجود هذا الاستعداد يستلزم حتماً فحص الشخصية الإجرامية من ثلاث نواحي :

101- أ- الفحص الخارجي :
يجب فحص أعضاء الجسم الخارجية للشخص للوقوف على ما إذا كانت ذات تكوين طبيعي واستكشاف ما بها من شذوذ. ويدخل في هذا الفحص تعيين الجنس Race الذي ينتمي إليه الشخص ، والكشف عما يوجد به من عيوب خلقية وتشوهات ، مثل تلك التي توجد بالرأس والجبهة. ولقد أكد دي توليو وجود نسبة كبيرة من التشوهات لدى المجرمين ، ترجع في الغالب أمراض أو التهابات أصيبت بها الأم في فترة الحمل فأثرت على تكوين الجنين العضوي أو النفسي.

102- ب- الفحص الداخلي :
ويهدف هذا النوع من الفحص إلى الوقوف على ما بأجهزة الجسم المختلفة (الجهاز الهضمي والعصبي والدوري والبولي والتناسلي...الخ) من خلل. كما يدخل في هذا الجانب فحص الجهاز الغددي (خاصة الغدة الدرقية) ، فلقد ثبت أن الخلل في افرازات الغدد بالنقص أو بالزيادة يؤثر على الحالة النفسية للفرد وبالتالي على مسلكه الشخصي العام.

ومما لاشك فيه أن العيوب الخارجية والاختلالات الوظيفية لأجهزة الجسم الداخلية التي تظهر نتاج هذين النوعين من الفحص أمراً ليس وقفاً على المجرمين وحدهم ، بل قد توجد أيضاً لدى غير المجرمين ؛ ومن ثم يتعذر اعتبارها سبباً مباشراً للسلوك الإجرامي. وكل ما يمكن تأكيده هو أن هذه العيوب والاختلالات يلاحظ انتشارها بين المجرمين بنسبة أكبر من غيرهم من الأفراد العاديين ، وأنها قد تسهم في خلق اضطراب نفسي يدفع إلى السلوك الإجرامي.



103- ج- الفحص النفسي :
يهدف الفحص النفسي إلى الكشف عن الحالة النفسية للمجرم والكشف عما يصيب غرائز الفرد وميوله من خلل أو اضطراب. ولقد أكد دي توليو على أن العديد من المجرمين يتميزون بسمات نفسية خاصة لا توجد لدى غير المجرمين أهما شذوذ الغرائز ، كشذوذ غريزة التملك ، الأمر الذي يدفع إلى ارتكاب جرائم الأموال ، وشذوذ غريزة الاقتتال والدفاع ذلك الخلل الذي يدفع لارتكاب جرائم الدم. كما يتميز المجرمون من الناحية النفسية بضعف التعلق بالمثل العليا وضعف القوى المانعة من الجريمة ، مما ينجم عنه الشعور بالارتياح عقب ارتكاب أو على الأقل عدم الشعور بالذنب.

هذه الاختلالات العضوية الخارجية أو الداخلية أو النفسية تزيد من عمل قوى الدفع للجريمة وترفع حالة الاستعداد الإجرامي لدى الفرد ، بحيث إذا ما التقى هذا الأخير بعوامل خارجية محفزة ومفجرة تفاعل معها واندفع الشخص نحو الإجرام.

104- ثالثاً : تصنيف المجرمين لدى دي توليو :
اعتمد دي توليو في تصنيفه للمجرمين على فكرة "السقوط في الجريمة" Le seuil délinquantiel ، وما إذا كان هذا السقوط أو إنتاج الجريمة يرجع إلى غلبة عوامل عضوية نفسية Biopsychologique ، أم إلى غلبة عوامل خارجية تنبع من البيئة المحيطة بالفرد. فإذا كانت الجريمة في جميع الأحوال تقوم على ضرورة تفاعل هذين النوعين من العوامل في إنتاج الجريمة ، إلا أنه من المؤكد أن الأفراد يتفاوتون في طبيعة الاستعداد الإجرامي ومدى تأثره بالعوامل الخارجية. فقد يكون تأثير الاختلالات العضوية والنفسية في إنتاج الجريمة أكبر ، بحيث يمكن اعتبارها السبب المباشر للجريمة وما العوامل الخارجية إلا مثيرات ومهيئات لتحريك العوامل الأولى. في حين أن إجرام البعض الآخر قد يعود إلى التأثير الأكبر الذي تلعبه العوامل الخارجية والبيئية إذا ما قورنت بالعوامل التكوينية العضوية والنفسية.

وفي ضوء ذلك قسم دي توليو المجرمين إلى طوائف ثلاثة كبرى وبداخل كل طائفة تقسيمات فرعية : المجرم ذي التكوين الإجرامي ، والمجرم المجنون ، والمجرم العرضي.

105- أ : المجرم ذي التكوين الإجرامي :
المجرم ذي التكوين الإجرامي شخص دون الرجل العادي (الذي يتطابق سلوكه مع مقتضيات المجتمع) Conformiste من حيث الملكات النفسية والوازع الخلقي ، ويتوافر لديه استعداد إجرامي أصيل ، يكشف عن كثافة القوة الدافعة إلى الجريمة وتخلف قوى المنع منها. وعادة ما يرجع إجرام هذا النمط إلى وجود شذوذ غريزي كمي أو كيفي ، يسهم في حدته عيب في التكوين العضوي أو خلل في الجهاز العصبي وفي الملكات الذهنية.

وقد أوضح دي توليو أن هذا النمط الإجرامي عادة ما يتميز بخصائص موروفولوجية ونفسية خاصة ، كالتكوين العاطفي المعيب ، والقابلية للاستثارة بسهولة ، وسرعة الانسياق وراء الأفكار التسلطية ، والأنانية المفرطة والاعتداد بالذات ، وحدة المزاج ، والميل للكذب. وقد يتميز البعض من أفراد هذا النمط بنمو جثماني ناقص – أقرب لما قال به لومبروزو في شأن المجرم بالميلاد – ناشئ عن خلل بيولوجي.

وعادة ما تتوافر هذه السمات لدى المجرمين المحترفين ومرتكبي الجرائم الخطيرة ، وعلى الأخص كلما كانت السببية الإجرامية ترجع إلى عوامل نفسية وداخلية متصلة بوظائف أجهزة الجسم المختلفة.

وقد فرق دي توليو داخل هذه الطائفة بين أربعة نماذج : المجرم ذو التكوين الناقص Le constitutionnel à orientation hyperévolutive ، وهو الشخص الذي يرجع إجرامه إلى خلل موروث أو مكتسب نتاج مرض في الطفولة في النمو العقلي يؤثر على قدراته الذكائية والشعورية. والمجرم ذو الاتجاه النفسي العصبي Le Constitutionnel à orientation psychonévrotique ، وهو من تدفعه اضطرابات نفسية وعصبية نحو الجريمة. والمجرم ذو الاتجاه السيكوباتي ، وهو من يدفعه للجريمة وجود اختلالات في الشخصية تؤثر على حالته المزاجية. وأخيراً المجرم ذو الاتجاه المختلط ، وهو المجرم الذي يجمع في شخصيته بعض خصائص واضطرابات الأنواع السابقة .

106- ب : المجرم المجنون :
المجرم المجنون Délinquant fou هو من يجتمع مع جنونه – أي انعدام القدرة على الإدراك والتمييز - استعداد إجرامي ناشئ عن خلل عضوي أو نفسي على نحو سبق ذكره ، بحيث يكون هذا الأخير هو السبب المباشر في دفعه نحو الجريمة ، وما الجنون إلا عاملاً يضاعف من قوة وحدة هذا الاستعداد. ولما كان هذا النمط يرجع إجرامه إلى عوامل تكوينية تتصف بالثبات والاستمرار سابقة على الجنون ، فإن شفاء مثل هذا المجرم من جنونه لا يحول دون معاودة نشاطه الإجرامي.

وهذا النمط يختلف – في رأي دي توليو – عن المجنون المجرم Le fou délinquant الذي لا يرجع إجرامه إلى تكوين إجرامي بل إلى الجنون كظاهرة مرضية. ولذا فإن شفاء المجنون المجرم من جنونه يعني زوال سبب إجرامه.

ولا شك أن للتمييز بين النوعين من المجرمين أثره البالغ حال تحديد المسئولية الجنائية وقدر الخطورة الإجرامية وما يرتبط بهما من جزاء جنائي (عقوبة أو تدبير) في مرحلة المحاكمة ، وكذا حال تحديد الأسلوب المناسب لتنفيذ هذا الجزاء في مرحلة التنفيذ العقابي.

107- ج : المجرم العرضي :
المجرم العرضي أو بالصدفة Criminel d’occasion هو الذي يرجع إجرامه إلى تأثير عوامل خارجية وبيئية أزادت من القوة الدافعة للجريمة وأضعفت من القوة المانعة لها. وبزوال العامل أو المثير الخارجي يزول الخلل بين تلك القوتين فلا يكرر هذا النوع من المجرمين جرائمه. وبالتالي فإن هذا النمط لا يتوافر لديه استعداد أو ميل إجرامي أصيل أو كامن. كما أن العيب العضوي أو النفسي (العامل الداخلي) - رغم اشتراكه في إنتاج الجريمة – ليس له إلا دور ثانوي في هذا الصدد. فهذا الأخير ليس كفيلاً بمفرده أن يدفعه نحو الجريمة متى لم يتوافر مثير خارجي يمكن أن يخل بالتوازن الموجود لديه بين القوة الدافعة والمانعة للجريمة.

وقد فرق دي توليو داخل هذه الطائفة الإجرامية بين ثلاثة نماذج من المجرمين : المجرم بالصدفة المحض ، والذي يرتكب أفعالاً قليلة الأهمية تحت وطأة ظروف استثنائية بحتة. والمجرم بالصدفة العاطفي ، الذي يرجع إجرامه إلى خلل نفسي ناشئ عن ثورة انفعال عاطفية. والمجرم بالصدفة الشائع ، والذي يرجع إجرامه لفساد في العادات الاجتماعية أو سوء الصحبة...الخ ، وهو النمط الغالب من المجرمين العرضيين أو بالصدفة.

وإذا كانت العوامل الداخلية المرتبطة بالتكوين العضوي والنفسي قد تشارك في تخليق السلوك الإجرامي لدى المجرم بالصدفة (كالخلل في الجهاز العصبي الذي يؤدي إلى سرعة الاستفزاز والتعدى العرضي بالإيذاء) ، إلا أنه في بعض الأحيان قد يضعف دور العوامل التكوينية في المشاركة في جريمة المجرم بالصدفة ، بحيث لا تعزى هذه الأخيرة في مجملها إلا لعوامل خارجية استثنائية محضة. ومن ذلك الجرائم التي تكون وليدة جهل بالقانون أو خطأ غير عمدي مبني على الإهمال أو عدم التبصر أو مخالفة القوانين واللوائح ، ومنها أيضاً تلك الجرائم التي ترتكب تحت وطأة اضطرابات سياسية أو اجتماعية أو ظروف حرب تضعف من ثقة الناس في سلطان القوة الحاكمة.

المطلب الثاني
تقدير نظرية دي توليو

ليس لأحد أن ينكر فضل تلك نظرية دي توليو في توجيه الباحثين نحو الاهتمام بدراسة السلوك الإجرامي دراسة متكاملة باعتباره نتاج عوامل فردية واجتماعية ، مما يجعلها تتفادى عيوب التفسير الأحادي للظاهرة الإجرامية. غير أنه قد وجهت لها بعض الانتقادات والتي تدور في مجملها حول فكرة الاستعداد الإجرامي ، ومن بين تلك العيوب ما يلي :
- قيل أن التحليل التكاملي وفق منطق تلك النظرية يشوبه العوار. ذلك أن هذه النظرية قد قطعت بأن العوامل الاجتماعية لا يمكن أن تحدث أثراً إلا إذا صادفت استعداداً إجرامياً ، تكشف عنه إذا كان أصلياً أو تثيره إذا كان عرضياً. والحق أن بعض الجرائم قد لا يقف ورائها أي استعداد إجرامي. ومنها على سبيل المثال بعض الجرائم التي تقع بسلوك سلبي (كعدم التبليغ عن المواليد في المواعيد المقررة أو عدم الحصول على بطاقة شخصية عند بلوغ سن معينة) ، والجرائم المبنية على الإهمال ، وبعض الجرائم السياسية التي يدفع إليها غايات سامية تنبع من الغيرة على الوطن. ويمكن أن يمثل لها أيضاً بقتل الزوج لزوجته وشريكها بناء على توافر عذر الاستفزاز حال مفاجئته زوجته متلبسة بالزنا (المادة 237 عقوبات).
- كما عيب على فكرة الاستعداد الإجرامي أنها لا تصدق إلا على الجرائم الطبيعية التي تتعارض مع القيم الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية الراسخة في الضمير الإنساني. أما الجرائم المصطنعة فلا ينسجم تفسيرها مع فكرة الاستعداد الإجرامي ، على اعتبار أنها مخلوق قانوني من صنع المشرع ورهن بإرادته سواء في وجودها أو في بقائها. فهذه الأخيرة إذاً أمر يتغير بتغير الزمان والمكان ، مما لا يسوغ معه القول بأن هناك استعداداً فطرياً لإتيان فعل أهم سماته التبدل والتغير.
- وقيل أيضاً أن الأخذ بمنطق هذه النظرية معناه الحكم على من يأتي فعلاً كان مباحاً ثم جرمه المشرع بأنه ذو ميل إجرامي على الرغم من أن عناصر شخصيته لم يطرأ عليها أي تبدل. وبالمثل فإن منطقها يعني أن الاستعداد أو الميل الإجرامي قد زال عن المجرم الذي يستمر في إتيان فعل كان مجرماً ثم أباحه المشرع على الرغم من أن عناصر شخصيته لم يطرأ عليها أي تغير يذكر.
- وقد انتقد الفقيه الإيطالي جرسبيني نظرية دي توليو من حيث كونها سعت إلى تفسير السلوك الإجرامي في جزء منه على أساس الخلل العضوي ، رغم أن الجريمة - وقبل كل شئ - إرادة إجرامية آثمة تتولد نتيجة التفاعل بين عدة عوامل نفسية. لذا كان يتعين على هذه النظرية أن تبحث عن السبب المباشر للإرادة الإجرامية في نطاق هذه العوامل النفسية ، أما العوامل العضوية فليس لها على هذه الإرادة تأثير مباشر.
- وأخيراً فقد عيب على تلك النظرية أنها أرجعت الخلل النفسي إلى وجود خلل عضوي سابق عليه ، على الرغم من كون الأخير ذو طبيعة مادية ، في حين أن النوع الأول ذو طبيعة معنوية ، ولا يتأتى الكشف عنه إلا باستخدام أسلوب التحليل النفسي وهو ما لم يتبعه دي توليو.

ولقد حاول دي توليو وأنصاره الدفاع عن منطق تلك النظرية وذلك بالرد على الانتقادات التي وجهت إليها ، وقد تلخص مجمل دفاعهم في الآتي :
- فقد قيل رداً على النفر من الفقه القائل بأن بعض الجرائم قد لا يقف ورائها أي استعداد إجرامي وإنما يكون مرجعها فقط إلى توافر عوامل خارجية اجتماعية ، بأنه يتعين تحليل هذه الجرائم في ضوء تقسيم دي توليو للاستعداد الإجرامي إلى استعداد أصلي واستعداد عارض. وفي ضوء ذلك يكون التفسير الصحيح للجرائم التي يخيل للبعض أنها لا تقع إلا بتأثير العوامل الاجتماعية وحدها ، أنها ثمرة التقاء هذه العوامل باستعداد إجرامي عارض وليس استعداداً إجرامياً أصلياً. فدور العامل الاجتماعي يتوقف عند حد إثارة أو استنفار الاستعداد الإجرامي عارض. فتلبس الزوجة بالزنا يثير ثائرة الزوج وتحرك بداخله مشاعر الغيرة ويقع أسيراً للاضطراب النفسي ، الذي يتمثل والحال هكذا استعداد عارض للإجرام ، فيتوافر بذلك عاملان يولدان جريمة الزوج : الأول خارجي يتمثل في رؤية زوجته متلبسة بالزنا ، والثاني داخلي وهو الاستعداد الإجرامي العارض. وللتدليل على صدق ذلك أن ليس كل زوج يفاجئ زوجته متلبسة بالزنا يقتلها حتماً ، بل قد يكتفي البعض بفصم عرى الزوجية ستراً للفضيحة وحماية لسمعته وسمعة أولاده ، بينما قد يلجأ البعض للقضاء أملاً في الانتقام القانوني من زوجته.
- كما رد البعض على القول بأن الاستعداد الإجرامي فكرة لا تصدق إلا على الجرائم الطبيعية وحدها ، بقولهم أن هذا النقد في غير موضعه. ذلك أن البحث في علم الإجرام – كما سبق القول - لا يعتد إلا بالمفهوم القانوني للجريمة ، مما ينبغي معه فهم الاستعداد الإجرامي على أنه ميل إلى خرق القوانين وانتهاك النظم الاجتماعية السائدة. ولعل هذا هو ما يفسر إقدام البعض على ارتكاب الجرائم المصطنعة دون البعض الآخر. هذا فضلاً عن كون التفرقة بين الجرائم الطبيعية والمصطنعة أمر محل نقد ، إذ أن كون الجريمة مصطنعة لا ينفي عنها أنها سلوك مناهض لقيم المجتمع التي يحرص الشارع الجنائي على حمايتها.
- أما ما وجهه الأستاذ جرسبيني من نقد فلا يتعدى – في رأي أنصار تلك النظرية - كونه مجرد تحفظ على نظرية الاستعداد الإجرامي دون أن يمس ذلك بجوهرها.

وهكذا نكون قد عرضنا للنظريات التي قيلت من أجل محاولة تحليل وتفسير الظاهرة الإجرامية ، منتهين إلى أن المنطق السليم يوجب النظر لهذه الأخيرة على أنها خليط من مجموعة عوامل فردية داخلية وأخرى اجتماعية خارجية. غير أنه يبقى السؤال قائماً حول قدر مساهمة العوامل الفردية والخارجية في الدفع نحو ارتكاب السلوك الإجرامي. والحق أن الإجابة على هذا التساؤل تفرض علينا أن نتحرى صلة كل عامل على حدة بظاهرة الإجرام ، وهو ما سوف نخصص له الباب التالي من هذا المؤلف.







رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الظاهرة الإجرامية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الظاهرة الإجرامية الدكتور المصري قسم علم الاجرام والعقاب 0 05-17-2013 07:34 PM
دور التدابير الوقائية في مكافحة الظاهرة الإجرامية ابوعمر قسم علم الاجرام والعقاب 0 01-29-2012 02:14 PM
العوامل الإجرامية الداخلية والعوامل الإجرامية الخارجية الدافعة للاجرام هام عاصم عادل قسم الفرقة الاولي حقوق 1 06-17-2011 11:00 PM
الظاهرة الإجرامية عند المرأة – أنواع جرائم النساء: الجرائم الخاصة والعامة اشرف فواز قسم الدراسات القانونية 2 08-05-2010 01:36 PM
تعريف الظاهرة الإجرامية و سبل الوقاية منها ابوعمر قسم علم الاجرام والعقاب 0 06-24-2010 03:30 PM


الساعة الآن 07:33 PM.


د/ عادل عامر
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi
    by Egys team