العودة   منتدى دار العلوم القانونية والاسلامية والانسانية > منتدي العلوم القانونية > قسم القانون الدولي العام

قسم القانون الدولي العام يهدف الي معرفة الباحثين بتخصصات واهداف القانون الدولي العام

الإهداءات

 
كاتب الموضوع الدكتور المصري مشاركات 0 المشاهدات 264  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 11-17-2011, 09:32 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
مراقب منتدي الثقافة العامة
Cool الصراع حول المياه الدولية في ضوء القانون والاتفاقيات الدولية دراسة تطبيقية علي نهر النيل

الصراع حول المياه الدولية في ضوء القانون والاتفاقيات الدولية
دراسة تطبيقية علي نهر النيل

مقدمـــــــــة :

الحمد لله القائل (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ٌ) ، والصلاة والسلام علي رسولنا الأكرم الذي روي عنه ابن عباس قائلاً : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة فجاءتنا بإناء فيه لبن فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على يمينه و خالد على شماله فقال لي الشربة لك فإن شئت آثرت بها خالداً فقلت ما كنت أوثر على سؤرك أحدا ).
الماء مظهر ومصدر للحياة والنعم ، غير أنه بذات الأهمية يحمل أيضا المخاوف ويُثير الأطماع والنزاعات ويُنذر بالتالي بلأخطار. والماء حوّلته وظائفه المتعددة والضرورية إلي مدار هم واهتمام البشرية ، لذا كان سعي الإنسان أن يُنظم استعماله وإدارته على الدوام. وتكمن أهمية المياه في إرتباطها العضوي بغذاء كل الأحياء وكونها ركيزة كل نشاط ، وأنه والأرض يعتبران دون شك جزءً من الثقافة العربية التي تشربها إنسانه ، فالماء هطوله غيث ، والندي رمز القضائل والمكرمات ، والإبل الدواب الأقدر على تحمل العطش هي سفينة الصحراء وزينة الدواب وسمى الجمل جملاً لأن فيه جمالاً عند العرب لذلك أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى :]وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحيمٌ ] ، وكذلك أصحاب الحضارات العريقة في أودية الأنهار التاريخية كانوا يعظمون الماء ويقدسون أنهاره ولكنهم كانوا يفترضون وفرته هبةً إلهية ومباحاً طبيعياً .
وبصفةٍ خاصة يرتبط المسلمون بالماء بعلاقة أكثر ميزة وحميمية فمنها خلقهم وبها طهورهم من أدران الذنوب ومدخلهم للإسلام وجل عظائم العبادات ، منها منعهم ثم بها إفطارهم من الصيام ، وبها يغسلون عند موتهم ، وبها يشوقون للجنة ، وفيها قول رسولهم الأكرم (ص) فيما رواه عنه أبي هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما يسئل عنه يوم القيامة يعني العبد من النعيم أن يقال له ألم نصح لك جسمك ونرويك من الماء البارد ) .
أهمـــية البـــحث
ما تقدم جلب إهتمامي بهذه الدراسة ، ونسبة لأنه وبالرغم من أنه في الأزمان المعاصرة لم تنـشب حروب على موارد المياه إلا أن أهمية ترتيب قواعد استخدامات الماء تكمن في أن شحه أشد فتكا وأقدر تغلغلاً وانتشاراً من أشد أنواع السلاح تدميراً ، وقد يتحول عدم تنظيمه إلي أحد أسباب كل ذلك ، لذا فإن حل هذه المشكلة لن يكون إلا في احترام القواعد الإنسانية والقانونية والمقبولة عالمياً . وفي محاولة لتلخيص أهمية الماء وإجمالاً لما تقدم قي نقاط نورد أن أهمية المياه وضمان الأمن المائي ستظلان الشغل الشاغل للباحثين وصناع القرار والمهتمين علي كافة المستويات في العالم لأسباب كـثيرة ومتعددة منها :
أ‌. ما هو متعلق بندرة هذا المورد الهام والتلازم بين المياه والحق فى الحياة .
ب‌. دور المياه في التنمية الشاملة ، وازدياد السكان وارتفاع مستوى حياتهم يزداد طلبهم على المياه بزيادة حاجتهم لها .
ت‌. أسباب سياسية واستراتيجية تتعلق بتحول المياه إلى عنصر من عناصر قوة الدول وازدهارها ، وبذات القدر تعد أحد مصادر التوتر، مما يحتمل معه أن تكون الحروب القادمة في العالم بأجمعه هي حروب لأجل المياه ؛ وهنا يتضح دور الأنهار الدولية في هذا المجال .
ث‌. إدراك الشعوب والدول أهمية المياه بالدرجة التي تكاد تكون أن القاعدة هي من يملك مصادر المياه يملك مصادر التأثير في ظل غياب منظمات وتشريعات وقوانين ومعاهدات دولية جامعة تحكم العلاقات الدولية .
أما الصراع بين الدول والجماعات والأمم فهو أزلي أثبته الله تعالى في حق البشر لاستكمال حسن سير الكون ، فقد قال جل من قائل : (يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) .
كما أردت بهذه الدراسة تجميع أكبر قدر من القواعد والترتيبات العرفية والمعاهدات الدولية والدراسات التي تولي اهتماماً بعدم جعل القرن الحالي ومايليه ميداناً للصراعات بسبب موارد الأنهارأو المجاري المائية الدولية ، ولقلة ماهو مكتوب في المكتتبة القانونية السودانية.
وأنا أسطر خواتيم هذه الدراسة غنتنا الأخبار القادمة من وكالة الفضاء ألأمركية (ناسا) عناء ايجاد كلمات ألخص بها أهمية المياه حينما أعلنت أنها توصلت إلي إكتشاف أدلة علي وجود كميات كبيرة من المياه علي سطح القمر ، فالبحث عن الماء حتي خارج كوكب الأرض أصدق إنباءً من أى تعبير علي الحوجة الملحة له.
مشكلة البحث
وقد انحصرت في في إمكانية تطور الصراع أو النزاع حول المياه من توترات وتسويات دولية إلي نزاع تستخدم فيه القوة ، وتحديداً إمكانية حدوث ذلك بين دول حوض النيل وفرص تجاوز ذلك .
تبـــويب البـــحث :
وفي سبيل دراسة الموضوع قمت بتقسيم الدراسة علي النحو الآتي :
أولاً : القسم الأول : مفهوم الصراع الدولي حول المياه وعوامل تزكيته ، وقد قسم إلي أربعة مباحث :
المبحث الأول : الذي تناول مفهوم الصراع على المياه الدولية .
المبحث الثاني : وقد تناول أسباب وعوامل وتطور الصراع حول المياه .
المبجث الثالث: وقد خصص لتناول القواعد التي تنظم انهار الدولية .
المبحث الرابع: استشعار الأمم المتحدة للمياه كمصدر محتمل للصراع .
المبحث الخامس : وقد عرض فيه اتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية 1997 .
ثانياً :القسم الثاني وقد أفرد لتناول العوامل الطبيعية والسياسية والاجتماعية كمحاور للصراع في نهر النيل ، وقد قسم إلي ثلاث مباحث ، كلآتي :
المبحث الأول : وقد تناول الجغرافيا الطبيعية والسياسية لنهر النيل.
أما المبحث الثاني: وفيه فصل في تطورالوضع القانوني لنهر النيل.
المبحث الثالث : وفد تناول فرص واحتمالات الصراع بين دول حوض النيل.
ثالثاً : النتائج والتوصيات : وقد شملت رؤية الباحث حول مشكلة البحث .

القسم الأول
مفهوم الصراع حول المياه الدولية وعوامل تزكيته
المبحث الأول
مفهوم الصراع على المياه الدولية
الصٍراع لغة مصدرها صَ رَ عَ : صارَعَهُ فصَرَعَهَ من باب قطع في لغة تميم وفي لغة قيس صِرْعاً بالكسر والمَصْرَعُ بوزن المجمع مصدر وموضع ورجل صُرَعةٌ بوزن همزة أي يصرع الناس و الصَّرْعُ علة معروفة و التَّصْرِيعُ في الشعر تقفية .
والصراع لا يعنى بالضرورة استخدام العنف إذ أنه قد يكون نذراً له ، فالصراع حالة يصطدم فيها الأطرف ذوي الاتجاهات غير المتوافقة المختلفين مع بعضهم البعض وذلك دون اللجوء للقوة حيث يمكن أن يُحل بطريقة بناءه إذا غير الفاعلون اتجاهاتهم للتصرف بطريقة ترضى جميع الأطرف بنتائجها أو يتحقق مكسب من الموقف الجديد.كما قد يشير مفهوم الصراع إلى مصطلح التعاون الذى يمكن أن يتواجد إذا نظم الفاعلون سلوكهم للوصول إلى على أقل تقدير بعض الأهداف المشتركة، وهكذا يقدم التعاون تنظيم بناء للصراع .
ومن المتوقع ان تتأجج الصراعات من جراء اصرار الدول المنتجة للمياه العذبة (دول المنبع) على احتكار اكبر قدر من المياه النابعة من أراضيها أو احتكارها كلياً ، الامر الذي سيصيب الدول المستهلكة بنقص في المياه ، وهو مايوشك الحدوث بين تركيا وسوريا والعراق اذ تصر تركيا على اعتبار الماء النابع من أراضيها ثروة طبيعية تركية بصرف النظر عن اية اعتبارات ومواثيق دولية تنظم عملية اقتسام المياه بين الدول المتشاطئة وأعطت نفسها الحق في اقامة عدد كبير من السدود ومحطات الطاقة الكهربائية بما يفوق حاجتها.
تعبر كلمة (صراع) عادة عن الظروف التي تشتبك بمقتضاها جماعة بشرية محددة الهوية [سواء كانت قبلية ، أو دينية أو إقتصادية أو سياسية ] في معارضة واعية مع واحدة أو أكثر من الجماعات البشرية المحددة ، وذلك بسبب اتباع هذه الجماعات مالا يتوافق مع أهدافها أو ما يبدو كذلك ) .
محكمة العدل الدولية الدائمة عرفت النزاع الدولي بأنه خلاف بين دولتين على مسألة قانونية أو حادث معين ، أو بسبب تعارض وجهات نظرهما القانونية أو مصالحها ) . وهذا ما سارت عليه عند تعريف النزاع مع قدر من التفصيل ، حيث ذهبت للقول بأن ( الاختلاف المشار إليه في تعريف محكمة العدل الدولية الدائمة لاينبغي أن يستند فيه إلى معيار شخصي بل إلي معيار موضوعي ، وعلى ذلك فإن الخلاف الذي يولد النزاع يجب أن يكون واضحاً في مواقف أطرافه على نحو لايدع مجالٍ للشك في إمكانية وجوده ) .
تلافياً لاعتبار المياه أحد محفزات الصراع فمن المهم توفر ، وإشاعة مبدأ التعاون لامفر من السعي إليه العمل جميعاً بالوفاء بحد الأمان المائي (Water Stress Index) والذي يقصد به متوسط نصيب الفرد في بلد ما سنوياً من الموارد المائية المتجددة والعذبة لمواجهة إلشرب ،الزراعة والصناعة ، ولاستهلاك المنزلي (Domestic Use) أو ما يقاربه . ومن منظور عالمي أعتبر معدل الـ(1000) متر مكعب من المياه المتجددة للفرد هو الحد الذي دونه يتعرض البلد لمشكلة ندرة مياه تعرقل التنمية وتؤثر سلباً على صحة المواطن ، أما من المنظور الإقليمي الشرقأوسطي والمنطقة العربية بشكل خاص فهناك ترجيح لجعل (500 متر مكعب) للمناطق الجافة وشبه الجافة أو القاحلة ، ووفق تقرير لأمم المتحدة فإنه في العام 2025م سيرتفع عدد البشر الذين يعانون من أزمة نقص المياه في العالم إلي الضعف يتركز معظمهم في أفريقيا وأجزاء من غرب آسيا .
عطفاً علي ماذكر يمكن الإشارة إلي أن هناك الكثير من الدول التي كانت أو مازالت تعاني من مشاكل الصراع على مصادر المياه , منها:ـ
1. الصراع الهندي – الباكستاني حول مياه ( نهر اندوس ) وقد تمكنتا من عقد اتفاقية بينهما حول تقسيم مياه النهر في عام 1960,
2. الصراع بين جمهوريات وسط آسيا التي تقع جميعها في مناطق جريان الانهار التي تصب في بحيرة ( آرال) حيث تتعرض البحيرة الى الجفاف بسبب كثرة استعمال المياه ومانجم عنها من كوارث بيئية التي لايمكن معالجتها ألا بتوفير المزيد من المياه في بحيرة آرال .
3. انخفاض مستوى البحر الميت بأكثر من20 مترا بسبب انخفاض كمية المياه التي تصب في البحيرة مما أدى إلى فقد اكثر من 30% من مساحتها خلال الخمسين سنة الاخيرة نتيجة الصراع على مياه الانهار التي تصب في البحيرة بين الدول التي تشترك في حوض نهر الاردن . مما حدا بالأردن السعي إلي الشروع في إنشاء قناة لربط البحر الأحمر بالبحر الميت لزيادة منسوبه والمحافظة علي بيئته البحرية وتشير بعض مراكز البحوث أن نهر الأردن سيواجه أزمة حقيقية نتيجة لزيادة حاجة دولة الاحتلال للمياه بنسبة 30% ، بينما ستعاني الأردن من نقص يصل إلي 20% في الوقت الذي تم فيه استغلال السقف العلوي من النهر .
من جانب آخر فإن مستودعات الماء الجوفية العابرة للدول ـ كمصدر مائي هام ـ تتصاعد احتمالات نشوب نزاعات بشأنها كلما اشتدت ازمة المياه تفاقماً وكلما اصبح الحصول على الماء امراً مكلفاً بالنسبة للدول ، مثل ما هو متوقع بين مصر ، السودان ، ليبيا ، تشاد ، والنيجر حول مستودع الحجر الرملي النوبي ، وبين السعودية و الاردن حول خزان الديسي الجوفية .
الشريعة الإسلامية لم تغفل عن هذا الموضوع بل تناولته بكثير من التفصيل حيث ، عَدَت البشر شركاء في المياه ، ومن ثم حرمت منع الفائض من المياه وثبتت إباحة عامة لمياه تلك الأنهار غير المحازة مع كون رقبتها ملكاً للدولة التي تجري في إقليمها . وفصل الفقه الإسلامي الأحكام الشرعية للماء وكيفية التعامل فيه ومقدار حبس وحجزه مع مراعاة الظروف المكانية والزمانية ، والاستفادة من إمكانيات النهر في حدود حسن النية وحسن الجوار ، مع تأكيدها على عدم الإضرار بالآخرين ومنع تغيير المجرى . وإن كانت لم تَعْرِفَ المفهوم الدولي للنهر . وتعتمد الرؤية الإسلامية للماء أيضاً على كونه أصل الحياة لقوله تعالي]وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً ] وقوله تعالى [وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ] . وقوله تعالى (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) .وقوله تعالى )ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ) .

المبحث الثاني
عوامل وأسباب تطورالصراع حول المياه
هناك الكثير من العوامل التي تتضافر لتحفيز اندلاع الصراع على المياه بين الدول منها ماهو مباشر وماهو غير مباشر ، وسنقوم بايراد بعضها :
1. يوجد في العالم حوالي 214 نهر جريانهم تمر في اكثر من دولة ويعيش في حوض تلك الانهار حوالي 2 مليار نسمة,اي حوالي ،40% من سكان العالم, منها 56 نهراً في أفريقيا .وفي ذات الوقت تتفاقم ازمة المياه في العالم لأن الحاجة للمياه الاضافية تزداد بحوالي 90 مليا ر متر مكعب سنويا , مما يؤدي إلي تفاقم توترالعلاقات بين الدول المشتركة في في الاحواض المائية ( الأنهار والمياه الجوفية) في الدول ذات الانظمة الغير المهيئة للتجاوب مع المتغيرات ومنها المتغيرات المائية التي تعاني منها كثير من مناطق العالم ولاسيما في المناطق الجافة والصحراوية , لذا يتوقع خبراء المياه احتمال نشؤء صراعات بين الدول التي تشترك في مصدر مائي واحد ، كما أن حالة استعمال الدولة التي تنبع منها النهر المياه كميات هائلة مما يؤثرعلى كمية جريان المياه في النهر الأمر الذي يعتبر بحد ذاته اعتداءً على حقوق السكان القاطنين في حوض النهر للدول المتشاطئة .
2. ازدياد اعتماد الدول المتشاطئة على دولة منبع تستعمل المياه بكثرة وتعمل على تلوثها , فتزداد المشاكل المائية فيما بينهما وتنعكس على شكل خلافات وتوتر في العلاقات وتؤدي احيانا الى النزاعات .
3. أما دول الاتحاد الأوربي فلم تكن مشكلتها في كمية المياه , بل في نوعية المياه ، حيث تعمقت مظاهر واثار التلوث البيئي لتشمل اغلب مرافق الحياه ، ومنها مصادر المياة ,والتربة والهواء نتيجة جملة من العوامل ومن ابرزها التطور الصناعي والمضاعفات التي نجمت عنها ، وذلك خلافاً لمشكلة المياه في دول الشرق الاوسط التي تعاني من شح في كمية المياه .
4. بالرغم من أن الحجم الإجمالي السنوي لموارد المياه السطحية المتوافرة يقدر بنحو 277 مليار مت مكعب سنوياً ، إلا أنه لايبنع منها قي المنطقة العربية سوى 43% . كما جاء قي التقرير أن تلوث المياه في اللبلدان العربية تحدياً خطيراً ، وتعزى أصول التلوث المائي في المقام الأول إلى استخدام الأسمدة الكيماوية والمبيدات والمعالجات المستخدمة في الزراعة والطب البيطري والتي تترك آثاراً طويلة الأمد وتجد طريقها إلي المبادرة في نهاية المطاف .
5. التغير المناخي من جانب آخر فقد أدى إلي تدهور نوعية بعض مصادر المياه , لاسيما المصادر المشتركة بين اكثر من دولة مثل , نهري النيل والفرات وتدني المصادر الأخرى كلأمطار وانحسار القطاع النباتي .
6. عدم وجود اتفاقيات دولية أو ثنائية في منطقة الشرق أفريقيا والأوسط لتنظيم استخدام المجاري المائية
أما الصراع حول المياه فقد إن إنتهى المختصون بشؤون المياه إلي أن المخاطر التي قد تنجم من زيادة الطلب على المياه ستؤدي الى تحول المياه الى مصدر الصراعات الدولية , فكلما يأتي ذكر لكلمة المياه عدت اشارة الى التهديد باستخدام القوة المسلحة . كما تم الاستعانة بمصلح المياه كسلاح سياسي باستخدام عبارة (حرب المياه) بوسائل الاعلام منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ، ومقابل ذلك تم تداول عبارات تشير الى السلام أو الحلول من خلال حماية السلام العالمي, وهنا يمكن الاشارة الى بعض التصريحات التي تصور تصاعد استخدام المياه كمسبب للصراعات السياسية :
1/ في عام 1977 صرح الرئيس المصري السابق المرحوم السادات بعد ايام من توقيع اتفاقية الســلام مع اسرائيل( الماء هو القضية الوحيدة التي يمكن لمصر ان تدخل حربا من أجلها ) ولم يكن يعنى بها اسرائيل , بل اثيوبيا . كما جاءت اشارة بطرس غالي في عام 1989 عندما كان نائباً وزير خارجية مصر بان( سلامة الأمن القومي المصري مرتبط بمسالة المياه , لأن مسالة الأمن القومي المصري تقع في ايدي ثماني من الدول الافريقية الواقعة الى الجنوب من مصر والتي تمر فيهم مجرى نهر النيل , وكلما تزداد عدد الدول المشاركة في حوض النيل سيزداد خطورتها على الامن القومي المصري , فمثلا انقسام السودان مستقبلا الى دولتين سيكون لها مضاعفات سلبية على الامن القومي المصري) .
2/ في اسرئيل عبر النائب (مانسيا هو بيليد ) أحد جنرالات الجيش السابقين ( إن أحد أهم حروبنا ستكون من أجل المياه ، ولابد للعالم أن يتفهم بواقعية حاجات إسرائيل الاستراتيجية) . وقامت سرائيل بالتحضير لعمليات تستهدف نهر الأولى ونهر الليطاني .
3/ الموقف التركي من نهر الفرات باعتباره : عقدت تركيا حوالي عشر برتكولات والاتفاقات الثنائة والثلاثية مع كل من سوريا والعراق ورد بها تنظيم واستغلال مياه نهري دجلة والفرات مع سوريا لنهر القويق . بالرغم من كل ذلك أعلنت الحكومة التركية في الثالث عشر من يناير 1990 قطع منسوب نهر الفرات لمدة شهر بهدف الإسراع في في توصيل المياه لسد أتاتورك في إطار مشروع ري جنوب الأناضول ، الأمر الذي فسر في إطار النزاع الكردي التركي علي أنه إعتبار النهر بأنه نهر غير دولي ، واعتبار حوضي دجلة والفرات حوضاً واحداً مع إمكانية نقل مياه نهر دجلة إلى نهر الفرات من خلال منخفض الثرثار في العراق ، مع رفض مبدأ تقاسم المياه . التفسير التركي لتعبير الاستخدام الأمثل للمياه وخطتها عن المراحل الثلاثة للانتفاع الأمثل والمنصف والمعقول ثم التذرع بعدم وجود قانون متكامل للمياه الدولية ،وإنكار مبدأ الحقوق المكتسبة ، وحريتها بإقامة السدود على أراضيها ووقف تدفق مياه نهر الفرات لتعبئة سدودها . وهو موقف لا ينسجم مع المعاهدات والأعراف والمبادئ القانونية . وفي المقابل الموقف السوري من نهر الفرات باعتباره نهر دولي ، وما يترتب علي ذلك من ضرورة تحديد الوارد الطبيعي والاتفاق على الوارد السنوي للنهر ، تحديد الاحتياجات المائية للمشاريع القائمة أو التي هي قيد التنفيذ والمخطط لها ، تحديد حصص دول المجرى المائي والتوصل لاتفاق نهائي لقسمة مياهه ، ورفض اعتبار المياه الدولية مورداً طبيعياً كالبترول واعتبار أن بروتوكول عام 1987 بتمرير ما يزيد عن 500 م3/ثانية تدبيراً مؤقتاً خلال فترة ملء خزان أتاتورك ولا بد من التوصل لاتفاق نهائي . وفي نهاية الأربعينات سبق وأن قامت تركيا علي تحويل مجري نهر قويق الذي ينبع من أراضيها ويمر بسوريا ، فأدى ذلك لخسائر كبيرة للأخيرة ، هذا إضافة للتوتر التاريخي بين البلدين بسبب منح فرنسا لتركيا لمنطقة لواء الأسكندرون الغنية بالموارد المائية والزراعية ابان فترة الانتداب . وهذا ليس ببعيد عن المشادات السياسية منها وضع الأكراد وعلاقات تركيا مع إسرائيل .
أما العراق فإنه يعتبر حوضي دجلة والفرات حوضين منفصلين ، ضرورة التوصل إلى اتفاق ثلاثي يحدد الحصص المائية على أسس عادلة ومنصفة ، مراعاة قاعدة عدم الإضرار بالغير عند تنفيذ مشاريع الري على نهر الفرات ، وإن قاعدة الاستخدام الأمثل للموارد المائية لا تعني بأي حال تحديد أصناف التربة وضرورة التمسك بمبدأ الحقوق المكتسبة لكل بلد و بنظرية الوحدة الإقليمية المطلقة .
ومن أبرز الأمثلة لاستخدام أزمة المياه في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا كسلاح سياسي لحل المشكلات الأخرى يمكن الإشارة إلي الآتي :
أ‌. حالة القسر والإجبار : وذلك بالحد من وصول الماء أو الكميات الكافية من ، وذلك مثل الحالة التي كما أسلفنا أعلنت فيها تركيا قطع في الثالث عشر من يناير 1990 منسوب نهر الفرات لمدة شهر بهدف سرعة ملء سد أتاتورك الكبير لري مشروع جنوب شرق الأناضول ، بينما كان السبب الحقيقي لذلك هو قيام سوريا في أكتوبر 1989 باسقاط طائرة مسح تركية داخل أراضيها ، مما أدي لمطالبة تركيا بمبلغ يجاوز الأربع عشر مليون دولار ، ثم تهديد رئيس وزراء تركيا (ترقت أوزال ) بوقف تدفق مياه نهر الفرات إذا لم توقف مناوشات حزب العمال الكردي من داخل الأ{اضي السورية .
ب‌. حالة الاستيلاء : كما قد تستخدم قضية المياه كوسيلة لتحقيق أحد الأبعاد العامة للأمن القومي للدولة ، ويتمثل ذلك بصورة واضحة في حالة استيلاء اسرائيل علي كميات متزايدة من أنهار الأردن ولبنان المجاورة لها . كما أن واحداً من أهم أهداف اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل هو محاولة الحصول علي 10% من مياه النيل سنوياً وهي الكمية التي ستحل مشكلة إسرائيل الحالية والمستقبلية .
ت‌. حالة المساومة والتهديد : مثل الحالة القائمة بين مصر وأثيوبيا ، حيث هناك إعتقاد قديم واراسخ ثقافياً وسياسياً بقدرة الحبشة علي تحويل مياه نهر النيل . وبالتالي كانت أثيوبيا تستغل هذه الحالة لتحسين علاقاتها بالسودان ومصر ، ومطالبتهما بتحديد موقفهما من نزاعها الداخلي مع الحركات المتمردة ضدها ، وخارجياً علاقاتها مع أرترتيا ، ودعمها في نزاعها مع الصومال حول إقليم الأوجادين .
من المهم أن نستفيض في هذا المبحث لاستعراض جزءً من مكامن الصراع في موقف دولة الاحتلال الاسرائيلي من المياه ، التي بدأت مع هيرتزل مؤسس الدولة حيث ربط بين المياه وبقاء هذه الدولة . ولما أدرك قادتهم ذلك منذ مطلع القرن العشرين استعانوا بمساندة انجلترا وأمريكا لتضمين حدود فلسطين منابع مائية لم تكن ضمن حدودها قبلاً وفي مؤتمر فرساي 1919 حيث تمكنوا من اقتطاع جزء كبير من جنوب لبنان وضمه لفلسطين لضمان مياه نهر الأردن الشمالية كمصدر واحد علي الأقل ، إضافة لضم جزء كبير من الأراضي الواقعة على الضفة الشرقية في أعالى نهر الأردن على امتداد الحدود الشرقية لبحيرة الحولة وكل بحيرة طبريا ، لذا كان الموقف المائي الذي سيجعل علي الدوام أمنهم مهدداً خاصة في ظل الأهمية القصوى التي تحتلها الزراعة والاستيطان في الايدوجية الصهيونية ، وكان الحل علي ما فصلنا ضرورة الاعتماد علي الموارد المائية في البلدان المجاورة وقد تحقق لهم ذلل بقوة السلاح ، وقد وضع الصهاينة خريطتهم منذ البداية على أساس التحكم في مجمل المصادر الطبيعية للمياه ، بل خططت لتغيير خريطتها الطبيعية في مجاريها ومصباتها لحسابها ليس فقط لنهر الأردن الرئيسي ...بل وأيضاً لمنابعه وروافده العليا (الدان ، بانياس ، الحصباني) والوسطى (اليرموك) . وشملت خريطتها المائية الليطاني في لبنان ، بل ونهر النيل في مصر فأرض الميعاد من النيل إلي الفرات .
وفق إحصائية العام 1998 تحصل إسرائيل علي 1955 مليون متر مكعب من المياه العربية من كل من نهر الأردن ، هضبة الجولان ، نهر الليطاني ، نهر اليرموك ، الضفة الغربية ، وقطاع غزة ، بواقع 355 متر مكعب سنوياً وهو دون خط الأمن المائي ، الأمر الذي يفسر شدة الصراع حول الماء .
واستكمالاً لسعي دولة الاحتلال لشرعنة تواجدها تم تضمين المادة السادسة من اتفاقية وادي عربة مع الأردن مجموعة من المبادئ حاكمة لعملية توزيع المياه بينهما ، وهو أول اتفاق عربي إسرائيلي يتضمن فقرات عن المياه تتلخص في الآتي :
أ‌. الاعتراف بمبدأ التوزيع العادل للمياه بين الطرفين (نهري الأردن واليرموك ، أما المياه الجوفية وأنظمتها المرتبطة بها في وادي عربة فسوف تستمر إسرائيل باستخدامها ) .
ب‌. الأخذ بمبدأ التعاون في تنمية الموارد المائية وعدم الإضرار بالطرف الآخر .
ت‌. حماية البيئة النهرية والحفاظ عليها (من خلال مراقبة مشتركة ) .
يلاحظ أن هذه الاتفاقية قد أغفلت حقوق الفلسطينيين في مياه نهر الأردن والمياه الجوفية
وقد حدد بعض فقهاء المسلمين ضوابط للتعامل مع المياه ، تقليلاً لفرص الصراع ، وعلي سبيل المثال نورد ماروي عن فقيهم سعيد بن المسيب: ( سعيد بن المسيب : أن حريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعا نواحيها كلها وحريم العادية خمسون ذراعا نواحيها كلها وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها قال وقال الزهري وسمعت الناس يقولون حريم العيون خمسمائة ذراع) .
المبجث الثالث
القواعد القانونية التي تنظيم الأنهار الدولية
سبق أن ذكرنا أنه يوجد في العالم حوالي 214 نهر في جريانهم يمرون في اكثر من دولة ويعيش في حوض تلك الانهار حوالي 2 مليار نسمة,اي حوالي 40% من سكان العالم ، لذا فمن الأهمية بمكان الاستفاضة شيئاً ما في هذا المصدر ، فالنهر :الماء الجاري المتسع و الجـمع ( نُهُرٌ ) بضمتين و ( أَنْهُرٌ ) و ( النَّهَرُ ) بفتحتين لغة والجمع ( أَنْهَارٌ ) ،ثم أطلق ( النَّهْرُ ) على الأخدود مجازا للمـجاورة فيـقال جرى ( النَّهْرُ ) و جفّ ( النَّهْرُ ) النّهر و ( نَهَرَ ) بفتحتين سال بقوة ، الجعفر و الجَدْوَلُ النهر الصغير . و سَكَرَ النـهر سده وبابه نصـر . و الغَدِيرُ: النهر و الجمع ( غُدْرَانٌ ) . والفَلَجُ بالتحريك النهر، وقيل النهر الصغير ، وقيل هو الماء الجاري . و نَهَر النَّهْر حفره ونَهَرَ الماء جرى في الأرض وجعل لنفسه نهْرا ، وكُلُّ كثير جرى فقد نَهَر . ويدخل في المعنى اللغوي للنهر البحر ، والبَحْرُ : ضد البر سمي به لعمقه واتساعه والجمع أبْحُرٌ و بِحَارٌ و بُحُورٌ وكل نهر عظيم بحر ، ،وبَحَرَ أذن الناقة شقها وخرقها وبابه قطع ومنه البَحِيرةُ وهي ابنة السائبة وحكمها حكم أمها ، وتَبَحَّرَ في العلم وغيره تعمق فيه .
المادة الثانية من قواعد هلسنكي لاستخدم مياه الأنهار الدولية لعام 1966وهي أهم الاتفاقات والقواعد الدولية المعترف بها دولياً وفقاً لأحكام القانون الدولي .عرفت النهر الدولي (أو حوض النهر) بأنه:
(An international drainage basin is a geographical area extending over two or more States determined by the watershed limits of the system of waters, including surface and underground waters, flowing into a common terminus.).
والتي تعني أن حوض النهر الدولي هي المنطقة الجغرافية التي تمتد أكثر من دولتين أو أكثر من الدول التي تحددها حدود فاصلة نظام المياه ، بما فيها المياه السطحية والجوفية ، والتي تتدفق جميعها على أقاليم مشتركة . وفقاً للمادة الثالثة فإن دولة الحوض هي الدولة التي يمر بها حوض نهر يمر أراضي دولة أخري أو أكثر . وهذا التعريف تم تأكيده في المادة 2/ب من اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية 1997 عندما عرفت المجري المـائي الدولي أي مجرى مائي تقع أجزاؤه في دول مختلفة ) ، وقد جاء تعريف المجرى المائي بأنه شبكة المياه السطحية والجوفية التي تشكل بحكم علاقاتها الطبيعية بعضاً ببعض كلاً واحداً وتتدفق عادة صوب نقطة وصول مشـتركة ) .
أ‌. وقد عرف الدكتور محمد عوض حوض النهر بأنه مجموع الأقطار التي تغذيها مياهها وأمطارها ، والتي تنحدر نحو واديه جبالها وتلالها ولو كان بعض تلك الأقطار خالياً من المطر والعيون ، لأنه لو سقطت فيها أمطار أوتفجرت فيها عيون لأنحدرت إلى واديه. بالرغم من أن التعريف السابق قد اوضح بدقة مفهوماً واضحاُ ومحدداً لما يعنيه حوض النهر الدولي او المجرى الدولي ، غير ان المشكلة لا تتعلق بالتعريف بقدر تعلقها بالحقوق والواجبات المترتبة على كون النهر دولياً وذلك من خلال كيفية استخدام مياه الانهار بطريقة لا تلحق الضرر بمصالح الدول المتشاطئه الأخرى وتوجد صيغاً للتعاون بين الدول التي لها مشاكل مائية فيما بينهم ، لذا فمن الأوفق إستعراض الأتفاقيات الدولية ـ علي ندرتها ـ التي تنظم مياه الأنهار الدولية :_
1. صك فينا 1815م ذهبت إلي أن دولية النهر تتحقق باتفاق خاص إذا توفر أحد شرطين :
أ‌. المرور بإقليم أكثر من دولة .أو
ب. أن يكون النهر حداً طبيعياً بين دولتين أو أكثر .
2. في العام 1911 بحث معهد القانون الدولي مسألة المياه الدولية فكان إعلان مدريد الذي صدر عنه :
أ. لا يجوز للدولة المشاطئة إقامة منشآت لستغلال مياه النهر دون موافقة الدول الأخرى.
ب. لايجوز إنشاء المشاريع التي تستهلك كمية كبيرة من المياهـ.
ج. عدم انتهاك حقوق الملاحة في النهر الدولي .
د. تعيين لجان مشتركة دائمة لدراسة المشاريع المقترحة .
3. مؤتمر الصلح عام 1919 عمل على انجاز مهمتين : الأولي وضع نظام خاص بلأنهار الدولية التي تهم الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولي. والمهمة الثانية هي وضع نظام عام وصالح للتطبيق على جميع الأنهار الدولية ، أي بوضع نظام مشابه لنظام صك فينا مع شئ من التعديل وقد وضع ذلك النظام في 20 أبريل 1921 في مؤتمر خاص دعت إليه عصبة الأمم واشتركت فيه 42 دولة عقدت بمدينة لشبونة اتفاقية تنفيذاً لاتفاقية فرساي. وتعتبر هذه الاتفاقية مرحلة مهمة في تطور القانون الدولي الخاص بلأنهار، بالرغم من عدم قبولها بتطبيق مدى واسع . ويتصف هذا النظام بلآتي :
أ. أعلن مبدأ تدول الأنهار المشتركة بتوافر شروط معينة دون حاجة إلي اتفاق خاص يقضي بهذا لبتدويل .
ب. فضل استعمال تعبير (المجاري المائية ذات المنفعة الدولية) على تعبير (الأنهار الدولية) وهو تعبير أعمق وأشمل .
ج. احتفظ بالمعيار السياسي الذي أخذ به هذا المؤتمر أي اعتبار النهرلدولياً إذا كان يفصل بين دولتين أو يعبر عدة دول ، وأضيف عليه مفهوم الوظيفه الاقتصادية الأساسية كشئ متمم بحيث يجب أن يكون النهر صالحاً للاستخدام في الملاحة .
د. مجاري المياه تعتبر دولية بمقتضى قرارات فردية من الدول التي يجري فيها ، أو بمقتضى اتفاقية دولية تقرها الدول المحيطة بالنهر .
هـ. إشراف لجان دولية علي مجاري المياه التي تمثل فيها إلي جانب دول النهر دول أخرى لاتقع على ضفافه .
و. أقر نظام برشلونة مبدأين هامين : مبدأ تقليدي وهو حرية الملاحة أي الاستعمال الحر للمجرى النهري كطريق للمواصلات . ومبدأ جديد هو المساواه في المعاملة أي الامتناع عن التمييز بين الدول المتعاقدة التي تمارس الملاحة في المجرى .
ز. بالنسبة لإدارة المجاري المائية واجهت الاتفاقية ثلاث حلول . الأول : الإدارة الفردية بأن يكون لكل دولة متاخمة للنهر الحرية في إدارة الجزء من النهر الذي يعبر إقليمها .والحل الثاني : هو الإدارة الإقليمية بإن تشكل لجنة للإدارة والإشراف تشترك فيها الدول المتاخمة للنهر من منبعه لمصبه . أما الحل الثالث هو الإدارة الدولية بأن تنشأ لجنة نهرية للإشراف على النهر مكونة من دول متاخمة ودول غير متاخمة يعنيها أمر الملاحة فيه ، ولكن المؤتمر إمتنع عن إختيار حل معين واعتبر أن الحل هنا يتوقف علي عوامل محلية متغيره .
4. هناك معاهدات دولية تنظم كيفية استعمال المياه في المناطق المحتلة, هي اتفاقية لاهاي في عام 1907 , واتفاقية جنيف عام 1949 . حيث يجب على الدولة المحتلة بموجب تلك الالتزاملت المائية أن تعلن أنها ليست صاحب المياه , بل يمكن استعماله في نطاق محدود للمياه حتى لحظة أعادة المنطقة المحتلة( اعادة السيادة) على شرط ان يحافظ على المصادر الطبيعية المائية وعدم التأثير عليها ( بتلويثها مثلاً), وعلى المحتل ان يلتزم بالقوانين السائدةة في المنطقة المحتلة , ولايجوز له القيام بأي عمل يؤدي الى تغير الخارطة السكانية بالشكل الذي يؤثر علي المصادر الطبيعية . وهذا مانوهت إلية المادة 29ا من تفاقية استخدام المجاري المائية 1997 حيث تفرض حماية على المجاري المائية والإنشاءات والمرافق والأشغال الهندسية الأخرى المتصلة بها في النزاعات المسلحة .
5. في عام 1961 أقر معهد القانون الدولي مبادئ أساسية تتعلق بحقوق وواجبات الدول المتشاطئة بعد دراسات استمرت خمسين عاماً بشأن استغلال الأنهار الدولية للزراعة والصناعية منها :
أ. وجوب التعاون في استغلال مياه النهر الدولي .
ب‌. عدالة توزيع المياه .
ت‌. وجوب سداد التعويضات المناسبة عن أي ضرر محتمل بسبب سوء استغلال أحد الأطراف الآخرين المنتفعين .
ث‌. وجوب تسوية المنازعات بين الدول المنتفعة بالطرق السلمية كواجب يمليه حسن الجوار .
6. في عام 1966, كما ورد ذكره في صدر هذا المبحث فقد وضعت قواعد اتفاقية هلسنكي لاستخدم مياه الأنهار الدولية ، حيث حددت لأول مرة معايير عامة تحكم عملية الانتفاع المشترك والقسمة العادلة للانهار المشتركة منها :
أ. تعداد السكان .
ب. طبوغرافية حوض النهر .
ج. الظروف المناخية المحيطة بحوض النهر بصفة عامة .
د. كمية المياه المعتادة سابقا استخدامها من مياه النهر .
هـ. الاستعمالات الراهن مع ضرورة تفادي الإسراف غير الضروري والضرر غير الحتمي للدول المشاطئة .
و. الاحتياجات الفعلية من المياه بالنسبة لكل دولة .
ز. توافر وانعدام وجود مصادر بديلة للمياه .
ومن قبيل المزيد من التفصيل نورد أنه منذ زمن بعيد اكتسبت عملية إدارة الأملاك الاستراتيجية الدولية ومنها موارد وثروات مياه البحار بصفة عامة والموارد الأخري مثل عائدات المجاري المائية الدولية أهمية متصاعدة في ظل النقص المتوالي للمياه العذبة علي النحو الذي فصلناه في المبحث الأول ، لذا فقد تبنت الاتفاقات الدولية وفقهاء القانون الدولي نظريات ومناهج مختلفة للقواعد التي تتم تلك القسمة علي أساسها . وقد بلغ مجموع الاتفاقيات التى تناولت الانهار الدولية مايجاوز الخمسين اتفاقية والتي أهمها وأولها كمعاهدة خاصة بالمياه الدولية هى المعاهدة الموقعة بين هولندا والمانيا وهدفها تنظيم الاستعمال المشترك للحقوق المتعلقة بالانهار بين الدول المبرمة لها بتاريخ2/ 8/ 1785 , تلتها بعد ذلك معاهدة باريس الموقعة بين فرنسا والمانيا بشان الملاحة فى نهر الراين المؤرخة فى 30/ 5 / 1814 , اما بشأن نهر الدانوب فقد ابرمت معاهدتا باريس 1856 ولندن 1883 . والاتفاقية المبرمة بين مصر والسودان بشان مياه النيل سنة 1907 , وكذلك الاتفاقية الموقعة بتاريخ 17 /12 1914 بين فرنسا وايطاليا بشأن نهر رينو وروافده ومعاهدة فرساى سنة 1919، والمعاهدة المبرمة سنة 1922 بين روسيا وفنلندا وموضوعها عدم تحويل مجرى النهر او اقامة منشأت مائية تؤثر على تدفق المياه , ومعاهدة لوزان سنة 1923 التى اوجبت على الدول المشتركة بالانهار الحفاظ على الحقوق المكتسبة للدول المتشاطئة , والاتفاقية المعقودة بين فرنسا وسويسرا بشان نهر الراين عام 1926 , والمعاهدة الروسية الايرانية حول استغلال نهر اراكس الموقعة بتاريخ 11/ 8/ 1957 اضافة الى الاتفاقية الموقعة بين الهند وباكستان سنة 1960 بشان نهر الهندوس . وأخيراً أصدرت الأمم المتحدة 1997 اتفاقية استخدام المجاري المائية للأغراض غير الملاحية ، والتي لأهميتها سوف نتناولها بالتفصيل لاحقاً .
وبالرغم من اعتبار فقه القانون الدولي مصدراً ثانويا لهذا الموضوع , الا ان أحداً لا ينكر كونه واحدا من المصادرالمهمة له لكونها عصارة فكركبارفقهاء القانون الدولى والمختصين الذين اسهموا بشكل فاعل فى البحوث والدراسات المتعلقة بالمياه الدولية , ولاهمية هذا المصدر فقد اقرت به المادة 38/ أ من نظام محكمة العدل الدولية لأهميته فى تطوير القواعد القانونية الدولية واتخذت المحكمة المذكورة هذا الموضوع مصدرا لاحكامها , وقد تناول فقه القانون المياه الدولية حيث كان المنظر الوحيد لتاسيس نظريات خمس متعلقة بهذا الموضوع سنكتفي بلإشارة إليها باختصار، وهى : نظرية السيادة المطلقة وتسمى نظرية هارمون وهو قاض أمريكي ) ، وتأخذ قليل من دول العالم هذا المبدأ في استعمال مياه الأنهار تنبع فيها ، ثم جاءت نظرية الوحدة الاقليمية المطلقة ومفادها ان النهر من منبعه حتى مصبه يشكل وحدة اقليمية بغض النظرعن الحدود السياسية وهى النظرية التى يتمكسك بها العراق ، ثم جاءت نظرية االسيادة الاقليمية المقيدة والتي تطييقاً لها قام القاضي الأمريكي المذكور يودسن هارمون بتنفيذ هذا المبدأ في عام 1895 عندما حدث خلاف بين أمريكا والمكسيك حول استعمال مياه نهر( رايو كراند) حيث استعمل المزارعون وأصحاب الحيوانات في ولايتي ( كلورادو ونيومكسيكو) كميات مفرطة من مياه النهر , فاعترضت المكسيك علي ذلك, باعتبار أن الاستعمال المفرط لمياه النهر هو اعتداء على حقوق سكان المكسيك وأن المكسيك لها الحق التاريخي في استعمال مياه النهر المذكور أكثر من الامريكين ، فخسرت المكسيك دعواها بعد أن رفض( هارمون) طلبها ، وهذه النظرية هجرها الفقه والتطبيقات منذ زمن بعيد واصبحت من النظريات البالية, تبعتها نظرية الانتفاع المشترك ، اما النظرية الاخيرة فهى نظرية المنافع المتوازية والمستندة على مبدأ التقسيم العادل لمنفعة الانهار ومبدأ منع التصرف بالمياه الذى يشكل خطرا على الدول الاخري .
الشريعة الإسلامية الغراء قررت أن الماء متعدد المنفعة ، لذا فقد نظمت التعامل متعدد الأطراف مع مياهـ النهر والمياه السطحية (الآبار) تدور أهم محاورها العامة حول :
أ. تثبيت حقوق الملكية العامة للمياه (تقسيم المياه المشركة) لقوله تعالى (أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ الماء كل شيء حي) وقول رسوله (ص) (الناس شركاء في ثلاث : الكلأ والماء والنار ) ، وقوله تعالي (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المَاءَ قِسْمَةٌ بَينَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ) .ولقوله (ص): عن إبي هريرة (ر) قا قال رسول الله (ص) : (ثلاثة لاينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من إبن السبيل .) ، وواضح أن الماء هنا عامل من عوامل وحدة وتكامل البشر وسبيل لارتباطهم المادي والمعنوي ، فالماء يشكل مالا يقل عن 90% من جسم الإنسان وفي ذلك قال بن كثير ( أي أصل كل الأحياء) .
ب. جواز إقامة الحواجز والسدود ، لما روي عن عروة عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير ( اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ) . ووجه الاستدلال أن لكل دولة أو مجتمع الحق في حصة عادلة ومعقولة في مياه المجاري العامة ، وماتبقي لايتم حبسه أو بيعه .
ج. حماية المياه من التلوث ، الأصل في الماء أن يكون طهوراً عذباً وسلئغ شابه لقوله تعالي (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتاً) . وقوله (ص) : عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اتقوا الملاعن الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل ) .
د. عدم الإسراف في استعمال الماء . لمارو عن عبد اللع بن عمر بن العلص (ر) : أن رسول الله (ص) مر بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا السرف ؟) فقال : أفي الوضوء إسراف ؟ فقال: ( نعم وإن كنت علي نهر جار) . وذلك لأن الاعتدال في الاستخدام أصل في الاستعمال المتدام للمورد .

المبحث الرابع
إهتمام الأمم المتحدة بالمياه الدولية كمصدر محتمل للصراع
لم يكن المجتمع الدولي ممثلاً في أجهزته الدولية لينأى بنفسه عن قضية المياه بأهميتها المتصاعدة وما تنذره من صراعات . فقد بدأ تأطير هذا الاهتمام وسناده بالمعاهدات والمواثيق ومن ذلك ما ورد في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة إلتزامها بأن تدفع بالرقي الاجتماعي قدماً، مكا نصت المادة 13/1/ب علي : (إنماء التعاون الدولي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحية، والإعانة على تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة بلا تمييز بينهم في الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء ) . أما مجلس الأمن فقد أختص بسلطات واسعة لتدارك أى تهديد أو صراع محتمل سواءً حول المياه أو غيره، حيث نصت المادة 39 من الميثاق علي أن ( يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاًً من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقاً لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصاب) . ولم يكتفي الميثاق بذلك بل شجع علي إقامة المنظمات الإقليمية وخول لها من السلطات ما يمكنها من ممارسة كل ما يلزم لتخفيف الصراعات بين دول الإقليم . ونجد أن الأمم المتحدة كمنظمة دولية قد عنيت بمباشرة ما يؤمن إنفلات الخلافات وتطورها إلي صراعات كما أننا نجد أن المادة الحادية من لحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية 1948 قد أقرتا لكل إنسان بالحق في (مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية) ، كما أنه الميثاق يلقي عى الدول الأطراف إلتزاماً (باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق ) وأنه اعترافاً ( بما لكل إنسان من حق أساسي في التحرر من الجوع ، تقوم الدول الأطراف في هذا العهد، بمجهودها الفردي وعن طريق التعاون الدولي، باتخاذ التدابير المشتملة على برامج محددة ملموسة واللازمة ( لتحسين طرق إنتاج وحفظ وتوزيع المواد الغذائية، عن طريق الاستفادة الكلية من المعارف التقنية والعلمية، ونشر المعرفة بمبادئ التغذية، واستحداث أو إصلاح نظم توزيع الأراضي الزراعية بطريقة تكفل أفضل إنماء للموارد الطبيعية وانتفاع بها، ) و( لتأمين توزيع الموارد الغذائية العالمية توزيعا عادلا ..) . أما المادة الثانية عشر من العهد فقد ذهبت إلي إلتزام الدول الأطراف بحق( كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه ) .
وفيما يختص بتمكين قضايا المياه وإبعادها من الدائرة المحتملة للصراع فقد أولت الأمم المتحدة عنايتها التامة حين باشرت بشأنها العديد من الأنشطة والقرارات نذكر منها :
أولاً : في إطار برامج حماية البيئة ، صدر إعلان استوكهولم 1972 الذي كان من ضمن محاوره ما قامت الدول بإقراره وإبرام عدة اتفاقيات في مجالات البيئة المختلفة ، وكان من ضمن إلتزامات الدول في المجال الداخلي وقف عمليات إلقاء المواد السامة والضارة الأخري التي تلوث المياه وثؤثر سلباً في النظم الايكولوجية المائية ومصائد الأسماك ، ويأتي أهمية هذا الإعلان في أنه حماية وقائية للأنهار الدولية حتي لاتكون مكباً لمواد في غاية الخطورة على صحة الإنسان في الدولة المشاطئة ويقلل من الاستفادة من نصيبها في مياه النهر .
ثانياً : في 25 مارس 1977 أقامت الأمم المتحدة أول مؤتمر عالمي للمياه في مدينة ماردل بلاتل بلأرجنتين مثلت فيه وفود 116 دولة و54 منظمة ووكالة دولية و47 منظمة غير حكومية كمراقبين ، وقد قدمت الأم المتحدة رؤيتها في العديد من القضايا ذات الصلة مثل الري ومشاكل التوطين والبيئة ودور المرأة وإدارة الموارد المائية وتدريب الأيدي العاملة في مشروعات المياه ، وقد انتهى المؤتمر إلي توصية ب صد إعتمادات مالية إضافية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتلبية احتياجاتها الفنية والبرامج المتصلة بإنماء الموارد المائية .
ثالثاً : في يناير من عام 1992 نظمت الأمم المتحدة المؤتمر الدولي للمياه والبيئة (ICWE) في دبلن ، وقد أسفر المؤتمر عن بيان دبلن الي تضمن عدداً من المبادئ التي تعني في مجملها إدارة الموارد المائية المشتركة وتحفيز التعاون المائي الدولي بين الدول المتشاطئة في الأحواض المائية الـدولية .
رابعاً: في قمة الألفية عام 2000 تبنت الأمم المتحدة ضمن اهداف الإنمائية الألفية اولتي وافقت عليها جميع الدول الأعضاء أهدافاً محددة للحد من الفقر والجوع والمرض والأمية وتدهور البيئة والتمييز ضد المرأة وخفض نسبة الأشخاص الذين لايمكنهم الحصول علي مياه الشرب المأمونة بحلول عام 2015 ووقف الاستغلال غير المستدام للموارد المائية والتعاون لحل قضايا المياه .
خامساً: جاءت قضايا المياه على رأس أولويات الأمم المتحدة حيث أعلنت إعتبار 1994 السنة الدولية لـ (الاهتمام بالموارد المائية) ، وفي الأعوام التالية كانت الموضوعات ذات صلة قوية بالمياه : عام 1995(المرأة والمياه) ، عام 1996 (المياه للمدن العطشانة) وفي العام 1997 (مياه العالم هل هي كافية ؟) وفي العام 1998 ( المياه الجوفية مورد خفي) ، العام 1999 (الجميع يعيش مع التيار ) ، العام 2000( المياه من أجل القرن الواحد والعشرين) وفي العام 2001 (المياه والصحة) العام 2002 (المياه من أجل التنمية) أما في العام 2003 فقد كان الشعار (عالم المياه العذبة)
سادساً: في 20/ديسمبر2000 وبموجب قرارها رقم 55/169 أعلنت الأمم المتحدة عام 2003 سنة دولية للمياه العذبة ، وأهابت بالدول الأعضاء والمنظمات الوطنية والدولية والقطاع الخاص أن يقدموا تبرعات وفقاً للمبادئ التوجيهية للسنوات الدولية ، وبالمقابل ذهبت إلي تشجيع الدول الأعضاء وجميع الجهات الفاعلة والاستفادة من السنة الدولية من أجل زيادة الوعي بأهمية المياه العذبة.
سابعاً : في الثاني من نوفمبر2002 ، أكدت لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الحصول على كميات كافية من المياه للاستخدام الشخصي والمنـزلي حق أساسي من حقوق الإنسان مكفول للجميع. كما أكدت اللجنة أن "حق الإنسان في الماء لا غنى عنه من أجل حياة تليق بكرامة الإنسان. وهو يمثل متطلبا أساسيا لإعمال حقوق الإنسان الأخرى." ورغم أن التعليق العام ليس ملزما قانونا للدول الـ 146 التي صدقت على العهد الدولي، فهو يهدف إلى تعزيز تنفيذ العهد وله بالفعل وزن وتأثير "القانون غير الملزم". وفي التعليق علي ما ورد في المادتين الحادية والثانية عشر من العهد الدولي شددت على أن الأطراف في العهد الدولي واجب أن تقوم تدريجيا بإعمال الحق في الماء الذي يكفل لكل فرد الماء الكافي، والزهيد التكلفة، والذي يسهل الحصول عليه فعليا، والمأمون والمقبول للأغراض الشخصية والمنـزلية. وينبغي لإعمال هذا الحق أن يكون قابلا للتنفيذ وعمليا، وأكد قرار اللجنة أن كفاية توفر المياه لا ينبغي أن تفسر تفسيرا ضيقا، بحيث تعني فقط الحجم والتكنولوجيات. إذ ينبغي معاملة المياه كسلعة اجتماعية وثقافية، وليس كسلعة اقتصادية بصفة رئيسية، مما ينم عن تحول صوب السياسات ذات الأساس السوقي التي تبين التكلفة الحقيقية للمياه، وتخفض الدعم، وتنطوي على إمكانية إشراك القطاع الخاص في خدمات الإمداد بالمياه
ثامناً : في 23 ديسمبر 2003 بموجب قرارها رقم 58/217 أصدرت الجمعية العامة قرارها تحت عنوان [العقد الدولي للمياه] [ الماء من أجل الحياة ] ، حيث قررت زيادة التركيز على المسائل المتصلة بالمياه علي جميع المستويات وتنفيذ ما يتصل بها من برامج ومشاريع ومستوطنات بشرية .
تاسعاً :وأخيراً قدمت الأم المتحدة في عام 1997 معاهدة دولية متكاملة لاستخدام المجاري المائية للأغراض غير الملاحية وهي أول معاهدة تعرف الأنهار الدولية كمصدر للاستخدامات الهامة للمياه العذبة مثل الشرب والري . وعند دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ سيتم التخلي عن تعبير (النهر الدولي ) وسيحل محله تعبير (المجري المائي الدولي ).

المبحث الخامس
اتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية 1997
United Nations Convention on the Law of the Non-navigational Uses of
International Watercourses [New York, 21 May 1997]
وكما أشرت من قبل قصدت إفراد مبحث مختص بهذه الاتفاقية لأنها أهم وأشمل الاتفاقيات التي أصدرتها الأمم المتحدة استشعارمنها لأهمية كفالة استخدام المجرى الدولي وتنميته وحفظه وإدارته وحمايته والعمل علي تحقيق الانتفاع الأمثل والمستديم لها للأجيال الحالية والقادمة .
تتكون الاتفاقية من سبعة وثلاثون مادة ، إعتمدتها الجمعية العامة في جلستها العامة رقم 99 بتاريخ 21 مايو 1997 . وهي كإي اتفاقية دولية يلتزم بها من صادقت عليها من الدول ، وتسري بعد ثلاثة أشهر من مصادقة خمسة وثلاثون دولة وهي تنظم :
أ‌. استخدام الدول المتشاطئة للمجاري المائية للأغراض غير الملاحية .
ب‌. استخدام الدول المتشاطئة للمجاري المائية للأغراض الملاحية إذا كان أي قدر من ذلك الاستخدام سيؤثر في الاستخدام غير الملاحي للمجري حيث تطبق الاتفاقية في ذلك الجزء.
وافقت علي الاتفاقية أو صادقت عليها 16 دولة منها العراق ، الأردن ،لبنان ، قطر، اليمن ، ليبيا وسوريا ،من دول العربية ، وبذا فإن الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ لعدم بلوغ النصاب المطلوب لنفاذها وفق المادة 36/1 من الاتفاقية وهو 35 دولة . ويلاحظ أن أياً من دول حوض النيل لم تنضم للاتفاقية ، وهذا يتطلب من السودان التريث والتنسيق مع دول الحوض خاصة مصر وأثيوبيا لدراسة الاتفاقية وتأثيرها الاستراتيجي علي الاتفاقيات والحقوق القائمة بين البلدان الثلاث .
وتستخدم الاتفاقية تعبير (المجرى المائي الدولي) بدلاً عن (النهر الدولي ) و(حوص الصرف الدولي ) وفق قواعدهلسنكي . وقد تعريف المجرى الدولي ("International watercourse") بأنه : أي مجرى مائي تقع أجزاؤه في دول مختلفة . كما أن الاتفاقية غيرت مفهوم (دولة الحوض) ألي (دولة المجرى المائي ) ، ولكن ماهو أجدر بالتوقف عنده أنها أضافت مفهوماً جديداً (لدول المجري المائي ) حين اعتبرت (المنظمات الإقليمية للتكامل الاقتصادي) "Regional economic integration organization التى في إقليم دولة أو أكثر من الدول الاعضاء فيها جزء من مجري مائي دولي تصادق على الاتفاقية دولة من دول المجري . فيما عرفت الفقرة (د) من المادة الثانية المنظمة الاقليمية للكامل الاقتصادي بأنها ( أي منظمة تشكلها دول ذات سيادة في منطقة إقليمية معينة وتنقل إليها الدول الأعضاء فيها الاختصاص فيما يتعلق بالمسائل التي تنظمها الاتفاقية الحالية وتأذن لها حسب الأصول ةفقاً لإجراءاتها الداخلية بأن توقعها وتصدق عليها وتقبلها وتوافق عليها وتنضم إليها ) . وهذا عنصر عملي جديد يقوي من الاعتداد بشخصية المنظمات كأحد أشخاص القانون الدولي .
بوضوح تام تذهب الاتفاقية إلي الإقرار بالحقوق المكتسبة ، وذلك بالنص على عدم المساس في أي حقوق أو إلتزامات لدولة مجري ناشئة عن اتفاقات سابقة معمول به متى صادقت علي هذه الاتفاقية مالم يكن هناك اتفاق يناقض هذا الاتفاقية ، إلا أن المادة (3) قد جوزت للدول الأطراف فى مراجعة مدى اتساق الاتفاقيات مع المبادئ الأساسية لهذه الاتفاقية. كما اتاحت تلك المادة من الاتفاقية الأخذ بها في جزء من المجري بين دولتين أو أكثر أو بمشروع أو ببرنامج متعلق بالمجري بموافقة صريحة مع باقي دول المجري التي قد تضرر.
وتجسيداً لمعاني التعاون الدولي فقد تم الحفاظ على حق باقي الدول المشاطئة وحماية لها من الضرر ، فقد جعلت من حقها رفض سريان الاتفاق علي أي جزء من المجري المائي أو أي برنامج أو استخدام معين ، كما جعلت من حقها الاطلاع علي كافة جوانبه بالمشاركة في المشاورات التي تجرى بشأنه وعند الاقتضاء المشاركة في التفاوض بحسن نيه بغرض أن تصبح طرفاً فيه بقدر تأثر استخدامها بهذا الاتفاق .
ومن أهم المبادئ المائية الدولية التي أرستها أو أعادت تقنينها في هذه الاتفاقية :ـ
أولاً :ـ مبدأ الانتفاع والمشاركة المنصفان : أتسقت الاتفاقية مع الحاجة الطبيعية والحيوية لدولة المجرى لموارده المائية حين أقرت به وجعلته من حقها ، يستخلص ذلك من المــادة 6 التي ذهبت إلي أنه يجب على دول المجري المائي ، بغية ضمان حق ليس سلطة مطلقة فقد تم تقييده بإشاعة ذلك الحق لكل دول المجري ومن هنا علق استخدام ذلك الحق بأن يستخدم بطريقة منصفة ومعقولة (utilize in an equitable and reasonable manner) وأن تعمل على تنميته بغية الانتفاع به بصزرة مثلي ومستديمة مع استصحاب مصالح دول بقية المجري وعدم الإضرار بالمجرى نفسه . وفي ذلك ذهب د. أحمد المفتى أن سلوك الدولة يجب أن يتفق مع الالتزام بالانتفاع المنصف ،وفي ذلك تأخذ في الاعتبار وعلى نحو مستمر جميع العوامل ذات الصلة لضمان احترام حقوق الدول الأخرى غير أن تلك المادة لا تنفي احتمال قيام لجان تقنية أو أجهزة مشتركة أو أطراف ثالثة بالاشتراك في مثل تلك التقييمات وفقاً لأية ترتيبات أو اتفاقات تقبل بها الدول المعنية . ولما كانت معايير العدالة والانصاف تقديرية ويمكن بالتالي أن تكون محل اختلاف ، فقد أوردت المادة السادسة أمثلةً لتلك العوامل شريطة أن يتم التفاض بشأنها متحلين بروح التعاون على أن يتم النظر فيها كحزمة واحدة مع إعطاء وزن لكل عامل منها حسب أهميته الفعلية بالمقارنة مع العوامل الأخر :
أ‌. الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لدول المجرى المائي المعنية .
ب‌. العوامل الجغرافية والهيدروغرافية والمناخية والإيكلوجية العوامل الأخرى التي لها صفة طبيعية .
ت‌. السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي .
ث‌. آثار استخدام المجرى المائي في إحدى دول المجرى علي غيرها من دول المجري .
ج‌. الاستخدامات القائمة والمحتملة للمجري .
ح‌. حفظ الموارد المائية للمجرى وحمايتها وتنميتها والاقتصاد في استخدامها وتكاليف التدابير المتخذة في هذا الصدد .
خ‌. مدى توافر بدائل ذات قيمة لاستخدام معين مزمع أو قائم .
ثانياً الالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأنObligation not to cause significant harm ) بموجب المادة السابعة من الاتفاقية يقع علي دولة المجرى التزام باتخاذ كل التدابير المناسبة للحيلولة دون التسبب في ضرر ذي شأن لباقي دول المجرى ، كما أنه عليها في حالة حدوث ذلك الضرر التشاور مع الدول المتضررة من أجل إزالته أو تخيفه والتعويض عنه . وحيث أن الاتفاقية لم تعرف المقصود بالضرر ذا الشأن ، فلابد من الاستعانة بالقانون الدولي لتوضيحه ، وقد ذهب إلي أن الضرر في القانون الدولى يقصد به المساس بحق أو مصلحة مشروعة لأحد أشخاص القانون الدولى ، و يمكن إن يتخذ أى صورة من الصور كالاعتداء على الحدود الإقليمية ، او إخلالاً بواجب تفرضه قواعد القانون الدولى كخرق اتفاق أومعاهدة دولية أو الضرر الذي يصيب احد رعايا الدول بعد استيفاء طرق التظلم في الدولة. والضرر قد يكون ماديا كما فد يكون الصرر معنويا . وشروط الضرر الموجبة للمسئولية الدولية ثلاث :
1/ وهي أن يكون الضرر قد لحق بدولة ما .
2/ أن يكون الضرر نتيجة عمل مشروع قامت به دولة معينة .
3/ أن تكون الدولة المشكو منها قد ارتكبت خطأً أو عملاً مخالفاً للقواعد الدولية .
ثالثاً : الإلتزام العام بالتعاون : لتحقيق التعاون الأمثل من المجري المائي الدولي والعمل على توفي الحمايه الكاملة لها ، ذهبت الاتفاقية إلي تعزيز ذلك التعاون بين دول المجرى مراعين المساواة في السيادة والسلامة الإقليمية والمصالح المشتركة ، بما في ذلك إنشاء آليات أو لجان مشتركة لتسيير ووضع التعاون بشأن اتخاذ التدابير والاجراءات ذات الصلة . وتثميناً لهذا المبدأ وجدنا أن المادة الثلاثين من اتفاقية استخدام المجاري المائية الدولية 1997 قد تطلبت إجراء اتصلات غير مباشرة _ عبر طرف ثالث ـ بشأن الوفاء بإلتزام التعاون ومطلوباته ، في خالة تعذر قيامها مباشرة . وقد نصت الاتفاقية على عددٍ من من الآليات التي يتجسد خلالها مبدأ الالتزام بالتعاون الذي لم يترك لحسن النوايا ومبادئ هي في الواقع أقرب للأخلاق والمثل التي يمكن أن تتهاوي عند أقرب بادرة نزاع أو مصلحة حالة أو إستراتيجية مثل حسن الجوار ، ومن تلك الالتزامات :
1/ التبادل المنتظم للبيانات والمعلومات المتعلقة بالمجرى خاصة البيانات والمعلومات ذات الطابع الهيدرولوجي ، الطقس ، الجيلوجيا المائية ، وايكولوجيا النهر (نوعية المياه) والتنبؤات المتعلقة بهذه البيانات . ويمكن لأي دولة مجرى أن تمد أي دولة مجري أخرى بتلك البيانات بمقابل يعادل تكلفة الحصول عليها . ويستثنى من ذلك ما للدولة حجبه من ما تراه بيانات ومعلومات حيوية للدفاع أو الأمن القومي .
2/ تبادل المعلومات المتعلقة بالتدابير المزمع اتخاذها ، حيث علي دول المجرى تبادل المعلومات وتتشاور وتتفاوض مع بعضها حسب الاقتضاء بشأن الآثار المحتملة للتدابير المزمع اتخاذها على حالة المجرى المائي .
3/ الإخطار المتعلق بالتدابيرالمزمع اتخاذها والتي يحتمل أن يكون لها أثر ضار أي من دول المجري : حيث تلزم الدولة التي تزمع اتخاذ مثل ذلك التدبير بإخطار الدولة أو الدول المعنية بالبيانات والمعلومات الفنية المتاحة وذلك قبل شروعها في تنفيذ التدبير أو أي وقت مناسب يمكن الدولة المُخطَرة من تقييم كافة الآثار المتوقعة للتدبير المزمع اتخاذه ، وبالتالي الوقوف على حجم الضرر الذي سيصيبها وإبلاغ الدولة المُخطِرة به خلال فترة لاتزيد عن ستة أشهر، يمكن تمديدها لفترة ستة أشهر أخر باتفاق الأطراف.
ولفترة الإخطار أهمية بالغة للأطرف ، حيث يقع عليهم إلتزامات يمكن تلخيصها في الآتي:
(أ) علي الدولة المُخطِرة التعاون مع الدولة أو الدول تزويد المُخطَرة كل هو يتوافر لديها من المعلومات والبيانات التي تطلبها أعمال التقييم الصحيح . وفي ذات الوقت تلتزم بعدم تنفيذ التدبير الذي أخطرت به دون موافقة الدولة أو الدول المُخطَرة .
(ب) تلتزم الدولة أو الدول المُخطَرة بالرد على الإخطار في أقرب فرصة بما لايتجاوز مدة الإخطار أو إمتدادها بالموافقة علي التدبير، أو بلاغاً بأن تنفيذ التدبير سيعرضها لضرر ذا شأن ، وفي الحالة الأخيره عليها أن ترفق الدراسة المدعمة بالمستندات للنتائج التي توصلت إليه . أما في حالة عدم حصول الدوله المُخطَرة علي رد للإخطار الذي وجهته خلال فترة الإخطار فلها الشروع في تنفيذ التدبير محا الإخطار وفقاً لبيانات الاخطار ، شريطة أن تراعي إلأتزامها عدم إحداث ضرر ذي شأن لدول المجري .
(ج) تلتزم الدولة المُخطِرة خلال فترة المفاوضات بعدم الشروع في تنفيذ التدبير المزمع انشاؤه لفترة ستة أشهر وذلك إذا ترتب على الإخطار تفاوض بينها والدولة المُخطَرة ، وطلبت الدولة المُخطَرة ذلك ، مالم يتفق بينهما على غير ذلك . على أنه يجب مراعاة حسن النية وايلاء قدرٍ معقول من الاعتبار لحقوق الدول الأخري ومصالحها المشروعة أثناء ذلك التفاوض .
5/ منع حدوث الأحوال الضارة والتخفيف من آثارها : تتخذ دول المجرى منفردة أومجتمعة اتخاذ ما يتطلب من تدابير لمنع أى أضرار طبيعية أو سلوك بشرى لدول المجرى أو التخفيف منها . ومن الأحوال الضارة التي أوردتها الاتفاقية : الفيضانات ، الجليد ، الأمراض المنقولة بالمياه ، ترسب الطمى ، التحات ، تسرب المياه المالحة للمجرى ، والجفاف والتصحر. كما أنه في حالة حدوث حالات طارئة تتسبب أو يحتمل أن تسبب ضرراً للمجرى فعلى الدولة وقع الضرر داخل إقليمها إخطار الدول الأخرى التى قد قد تتأثر بالضرر دون إبطاء ، وعلى الأخيرة اتخاذ التابير العملية التي يقتضيها الظرف بالتعاون مع الدول التي قد يعنيها الضرر ومع المنظمات المختصة عند الاقتضاء لتلافي أو تخفيف الآثار الضارة .
رابعاً : مبدأ الحماية والصون والإدارة بما أن استدامة الانتفاع من المجرى المائي يتطلب من دول المجرى مشتركة أومنفردة مراجعة كافة أنظمته وحماية نظمها الايكولوجية ، ومنع تلوثه أوتخفض معدلاته ، أو تؤدي لتلوثه أوالاضرار به أو بمستخدميه علي طول المجري . كما أن يشمل المبدأ العمل علي تخطيط التنمية المستديمة للمجرى وتنفيذ تلك الخطط والقيام بكل ما يعزز الانتفاع به وحمايته والتحكم فيه واستغلال كافة الفرص المتاحة للسيطره على تدفق مياهه بإقامة الأعمال الهندسية وصيانتها . أما إقامة الإنشاءات وحمايتها وحماية والمرافق والأشغال الهندسية المتصلة بالمجري فعلى الدول بذل قصارى جهدها كل في إقليمه ، ويمتد الأمر لحماية البيئة البحرية وصونها عند مصاب المجرى وفق المعايير الدولية المقبولة عالمياً. أما في حالة وجود ما يجعل إحدي دول المجري تعتقد بأنها قد تتعرض للضرر من تشغيل أو صيانة الانشاءات والمرافق ، فعلى دول المجري الدخول في مشاورات بشأن إزالة تلك الأضرار وتأمين الدولة المدعية من جهة ، وحماية تلك الانشاءات والمرافق والأشغال الهندسية مما قد تتعرض له من قبل أي دولة أو إهمالها أو بسبب العوامل الطبيعية .
خامساًً: مبدأ عدم التمييز : من الاضافات المميزه لمسيرة القانون الدولي ما ورد في هذه الاتفاقية بشأن ضمان حقوق لأشخاص غير دوليين عندما أشارت في مادتها الثانية والثلاثين إلي حماية حقوق الأشخاص الطبيعين والاعتبارين الذين قد يصابوا بضرر ذي شأن عابر للحدود أو المهددين بها نتيجة لأنشطة تتعلق بالمجرى الدولي .وفي شأن تلك الحمايه فقد أكدت علي عدم التمييز بين أولئك الأشخاص في نطاق ولايتها في اللجوء إلي القضاء أو أي إجراءات إدارية لإنصاف المطالبين بالحقوق أو التعويض وذلك على أساس الجنسية أو الإقامة أو مكان وقوع الضرر عند منحهم حق اللجوء .


القــسم الثاني
العوامل الطبيعية والسياسية والاجتماعية كمحاور للصراع حول نهر النيل
المبحث الأول
الجغرافيا الطبيعية والسياسية لنهر النيل
ورد في صحيح البخاري نقلاً عما رآه رسولنا الكريم عليه وآله الصلاة والسلام ليلة مسراه فيما روي عن أنس بن مالك أنه قال : قال رسول الله صـلى الله عليه وسلم ( .. رفعت إلى السدرة فإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فأما الظاهران النيل والفرات وأما الباطنان فنهران في الجنة ...) ، ولن نستطيع أن نزيد علي ماورد عن الرسول الأكرم عليه وآله الصلاة والسلام تعظيماً وتشريفاً لهذين النهرين ، ولكفاية ما ذكر سأتناول من الجغرافيا الطبيعية ما نقدرأنه يساهم بدرجة معقولة في احتمالية تطور الصراع بين دول الحوض .
نهرالنيل يعد أطول أنهار العالم ، وهو الظاهرة الجغرافية الأبرز في النصف الشرقي لأفريقيا شمال خط الاستواء تتشارك حوضه عشر دول وهي من المنبع إلى المصب كما يلي: بوروندي ورواندا وتنزانيا وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا وإثيوبيا وإريتريا والسودان ومصر . تبلغ مساحة حوض النيل زهاء اتسعمائة ألف ومليونين كلم مربع ، بينما يبلغ طوله 6567 كم من منبع كاجيرا حتي مصبه في دمياط أي ما يعادل عشر مساحة قارة أفريقيا. يخالف نهر النيل أكثر أنهار أفريقيا الكبري بأنه يجري من الجنوب للشمال بينما الأخرى اتجاهها في الغالب من الشرق إلى الغرب ، تتساقط فوق الهضبة الاستوائية أمطار بمعدل 1200مم سنوياً وكلما إتجهنا شمال خط الاستواء الذي يبلغ فيه المعدل 1500مم تقل كمية تدريجياً الأمطار الصيفية .
أما النظام الهايدرولجي لنهر النيل فيمكن تناوله بوجهين الأول : معرفة مقدار ماجرى من الماء في النهر كل عام ، والأمر الثاني : يقصد به نظام جريان النهر في مختلف الأشهر طول العام . وتشكل الهضبة الأثيوبية أهم منابع وأخطرها علي الإطلاق ، إذ تمد النيل الرئيس بنحو مليار متر مكعب أي 85% من متوسط الآيراد السنوي عند أسوان . كما تمد كل من حوض بحر الغزال وحوض الهضبة الاستوائية بمتبفي وارد المياه .
أما في الجانب السياسي سوف أبدأ بالمدى الذي بلغته بوادر النزاع حول مياه النيل بين دول الحوض في آخر مراحله ، حيث إن كلاً من كينيا وأوغندا وتنزانيا يتزعمون الدول المطالبة بإعادة النظر في اتفاقيتي 1929 التي وقعت إبان الاستعمار البريطاني للمنطقة، واتفاقية 1959 التي وقعت بين مصر والسودان لتنظيم الاستفادة من موارد النهر، حيث ترى هذه الدول أنها غير ملزمة بهذه الاتفاقيات لأنها تمت في الحقبة الاستعمارية ، ومن ثم طالبت بتعديلها ، فعقد في السادس والعشرون من يوليو من العام التاسع بع الألفين إجمتاع في الأسكندرية سيطرت عليه حالة من التوتر في مواقف الدول بشأن إنشاء اتفاقية الإطارية لكل دول الحوض بعد تهديدات دول المنبع بالتوقيع بشكل منفرد على اتفاق إطاري لإعادة تقسيم مياه النيل . في مارس 2009 وبعد مفاوضات استمرت أربعة أيام، إنتهت بإرجائها لستة أشهر بناءً على اقتراح تقدم به الوفد السوداني للتشاور والاتفاق بواسطة لجنة فنية حول نقاط الخلاف المتمثلة في شوط الموافقة المسبقة لدولتي المصب على ألا يكون في تعديل للاتفاقية والأمن المائي والحقوق التاريخية لمصر والسودان في مياه نهر النيل وذلك .
وتعتمد مصر في تحقيق رؤيتها الاستراتيجية المعلنة في الحقوق التاريخية المكتسبة على اداتين:ـ
الأولي: الهيئة الفنية الدائنة المشتركة لمياه النيل :والتي أنسئت عام 1959 بين السودان ومصر لدراسة الإرصاد الجوي النهرية ومسح مناطق تجمع الأمطار التي تغذي بحيرات فيكتوريا،كيوجا ،والبرت.وتحظى الهيئة بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، ومنظمة الإرصاد العالمية .بهدف أساسي هو تنظيم عملية استغلال مياه النهر بواسطة الدول المطلة عليه. ومن المهم في هذه المناسبة أن نشير إلي أن اتفاقية اسخدام المجارى المائية الدولية 1997 قد ذهبت في مادتها العاشرة الفقرة الأولي قد قطعت بعدم تمتع أي استخدام للمجرى الدولي بأي أولوية على غيره من الاستخدامات ، في ظل غياب اتفاق أو عرف مخالف ، في حالة التعارض بين تلك الحقوق التاريخية ومبدأي الانتفاع والمشاركة المنصفان والمعقولان ، والالتزام بعدم تسبيب ضرر ذي شأن لأي من باقي دول المجري فإن ، فإن النزاع يحل بما يتفق والحاجة الحيوية للإنسان .
الثانية : الأندوجو : وهي تجمع تعاوني لدول الحوض أنشئ عام 1983 بإقتراح مصري وتأييد سوداني انطلاقاً من خطة عمل لاغوس 1980 التي أكدت على أن الأنهار الأفريقية هي البنية الأساسية الضرورية للتعاون الإقليمي .
من جانب آخر فإن مشهد العلاقات الدولية بحوض النيل يعرض أن دول المنبع الجنوبية وفي أحيان كثيرة الكنغو ويوغندا وكينيا شهدوا يشهددون صراعات وحروب أهلية تقلل من فرص الاستقرار السياسي وبالتالي من برامج التخطيط الاستراتيجي للاستفادة القصوى من موارد المجرى المائية بإحداث نقلة هيكلية في الوضع القانوني أو علي الأقل قدر من رضا مستقر يدعمه الواقع علي المجري ، لذا فإنه بين الحين والآخر يطلقون تصريحات عدم الرضا ، منها ماعبر عنه بوضوع أحد صناع الفكر والرأي د. أوديدي أوكيدي عميد معهد دراسات البيئة بجامعة مويإن كينيا تسهم في مياه النيل بفضل روافد تنبع فيها وتصب في بحيرة فيكتوريا المنبع الأكبر لبحر الجل ، ومع ذلك فإن ثلثي أراضي كينيا قاحلة ، إن علينا أن ننقل المياه ونستغلها في الزراعة) وأضاف ( إن القانون الدولي القابل للتطبيق في حالة موارد مياه النيل يتطور بسرعة شديد وهو الآن _ 1990_ أوضح مما كان عليه في الماضي ، وعلي دول الحوض أن تعمل بصورة مشتركة للوصول لنظام إقليمي جديد يتفق مع احتياجاتهم . إن الاتفاقات الموروثة من عهد الاستعمار لا تتماشى مع حقوق دول المنبع ولا مع ضرورات التنمية فيها ). فضلاً عن النزاع بينها والسودان حول مثلث اليمي الحدودي. ولا شك أن هذه العبارات ومثلها نطق بلسان حال دول جنوب الحوض . كما أنه يجب الإشارة إلي أن كل تنزانيا ورواندا وبورندي يرتبطون ببعضهم بهيئة إقليمية تدعي منظمة دول حوض نهر الكاجيرا ، ويقومون معاً باستغلال مياه ذلك النهر بمساعدة الأمم المتحدة ، ويعد نهر الكاجيرا أهم الأنهار التي تغذي بحيرة فكتوريا ، ويؤثر ذلك الاستغلال علي كمية المياه الواردة للنيل .


المبحث الثاني
تطورالوضع القانوني لنهر النيل
مر الوضع القانوني بالعديد من الاتفاقات الثنائية ، وقد تم غالب تلك الاتفاقيات في ظل إحتلال معظم دول الحوض ونيابة عنها الأمر الذي جعلها محطاً للمزيد من المحاذير السياسية الشكوك القانون حول شعيتها ومدي إلزاميتها للدول بعد استقلالها .
وسأقوم بإستعراض مختصر لأهم بنود تلك الاتفاقيات حسب تدرجها التاريخي والتي لاتحتوي على أي مبدأ استثنائي ، إنما تؤكد وحسب المبادئ التي سبق للفقه والعرف الدولين قبولها والتعارف عليها ، بالرغم لعدم وجود أهمية خاصة للملاحة الدولية لوجود شلالات وجنادل تعترض أكثر من موق في مجراه ، مع ملاحضة أن ذلك لاينفي أهميته في الملاحة الداخلية . كما أن جل تلك الاتفاقيات تؤكد أيضاً حقوق دول المصب (مصر والسودان) التاريخية المكتسبة من جراء إعتمادها الكلي على مياه النيل كمصدر رئيس للمياه منذ سنين بعيدة :
1. برتكول بين بريطانيا العظمى وإيطاليا بشأن تحديد مناطق نفوذ كل من الدولتين في أفريقيا الشرقية : في يوم 15 أبريل/نيسان 1891 بين كل من بريطانيا بإسم مصر والسودان إتفاق مع إيطاليا التى كانت تحتل إريتريا في ذلك الوقت تعهدت بمقتضاه الحكومة الإيطالية بالإمتناع عن إقامة آية أعمال أو منشآت على نهر عطبرة يكون من شأنها التأثير بدرجة محسوسة على مياه نهر النيل .
2. اتفاقية 1902 بين بريطانيا وأثيوبيا
أبرمت هذه الاتفاقية في 15مايو 1902بشأن الدود بينها والسودان وارتريا في أديس أبابا بين بريطانيا (نيابة عن مصر والسودان) وإثيوبيا تعهدت إثيوبيا بمقتضاه أمبراطورها منليك عدم القياه بأعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو السوباط تؤدى إلى التأثير في مياه النيل إلا بعد موافقة الحكومة البريطانية والسودان .
3. اتفاقية 1906 بين بريطانيا والكونغو :
أبرمت بين بريطانيا ممثلة للسودان،والكونغو تلتزم بمقتضاها الكونغو بعدم إقامة أي منشآت بالقرب من أو على نهرى السمليكى وتانجو من شأنها أن تقلل من المياه التى تصب في بحيرة البرتا بدون موافقة حكومة السودان ، مع الأخذ في الاعتبار المصالح المحلية للدول .
4.اتفاقية 1906 بين فرنسا وبريطانيا وايطاليا : وتهدف للحفاظ على سلامة ووحدة أراضي أثيوبيا والظروف السياسية للإمبراطورية الأثيوبية ، حيث جاء ببندها الثاني بكفالة عدم إضرار ايطاليا كدولة محتلة لأثيوبيا بمصالح فرنسا وبريطانيا عند الحصول على امتيازات زراعية وتجارية وصناعية .أما بنها الرابع فقد ذهب إلى أن يتم التشاور فيما بين الدول الثلاث فيما يختص بالحفاظ علي مصالح بريطانيا العظمى ومصر في حوض النيل وبوجه خاص ما يخص تنظيم مياه النيل وروافده
5.اتفاقية 1925تبادل رسائل بين إيطاليا وبريطانيا :
أبرمت بين إيطاليا وبريطانيا وتتضمن إعتراف إيطاليا بالحق المسبق لمصر والسودان في مياه النيل الأزرق والأبيض وتتعهد بألا تقيم عليهما أو على فروعهما أو روافدهما أى إنشاءات من شأنها أن تؤثر تأثيرا ملحوظا فى المياه التى تصل إلى النهر الرئيسي .
6. اتفاقية مياه النيل لسنة 1929
وهي مذكرات متبادلة بين رئيس مجلس وزراء المصري والمندوب السامي لحكومة ملك بريطانيا في 7 مايو 1929 . وكانت بريطانيا تنوب عن السودان وكينيا وتنزانيا وأوغندا فيه إعترفت بريطانيا بحق مصر الطبيعي والتاريخي في مياه النيل وإعتبار المحافظة عليه مبدأً أساسيا ، كما تقرر عدم إقامة أو إجراء أى أعمال بخصوص الري أو توليد الطاقة على النيل وفروعه أو البحيرات التى ينبع منها والتي قد تمس بأية صورة مصالح مصر ، سواء بتقليل كمية المياه أو تعديل منسوبها أو طريق وصولها إلا بإتفاق مع الحكومة المصرية ، كذلك تقرر أن يكون لمصر الحد في مراقبة مجرى النيل ومنبعه إلى مصبه نصيب مصر بالإتفاق مع السلطات المحلية ، وقد حدد هذا الإتفاق نصيب مصر ب 48 مليار متر مكعب سنويا ويعد ذلك من الحقوق المكتسبة لمصر .
7. اتفاقية بين الحكومة المصرية وبريطانيا بشأن شلالات أوين بيوغندا لسنة 1949
حيث أبرمت مصر إتفاقا مع بريطانيا نيابة عن أوغندا عبر تبادل المذكرات بخصوص تصميمات وإنشاء سد على شلالات "owen" لتوليد الطاقة ولرفع مستوى المياه في بحيرة فيكتوريا لكي تتمكن مصر من الإستفادة منها وقت التحاريق على أن تدفع النفقات اللازمة وتعويض الأضرار التى تصيب أوغندا من جراء إرتفاع منسوب المياه في البحيرة . وقد إكتملت المذكرات المتبادلة بين الحكومتين في 5 يناير 1953 م .
8. اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل لسنة 1959 بين مصر والسودان . Agreement Between The Republic of Sudan and the United Arab Repulic for the full Utilisation of the Nile Water
وهي الاتفاقية السارية بين البلدين حالياً ، وقد تم توقيعها في الثامن من نوفمبر1959عقب الإستقلال السوداني وإنفصاله عن مصر بثلاث سنوات . وكانت أثيوبيا غير راضية بهذه الاتفاقية بل انتقدت السودان تنفيذاً لتوجهات الولايات المتحدة .
حيث أشير في ديباجتها أنه (بالنظر إلي أن إتفاق 1929 قد نظمت بعض الاستفادة من مياه النيل ولم يشمل مداها ضبطاً كاملاً لمياه النهر ، تم عقد هذه الاتفاقية ) التي تضمنت عدة نقاط منها الآتي:
أ. الإعتراف بالحقوق المكتسبة للدولتان على أساس 48مليار متر مكعب لمصر سنويا فضلا عن الزيادة التى تحققها المشروعات الجديدة لضبط النهر وذلك مقابل 4 مليارات للسودان.
ب. اقامة مشروعات لضبط وتوزيع مياه النيل بحيث تتولى مصر إنشاء السد العالي عند أسوان كأول حلقة من سلسلة مشروعات التخزين المستمرة لمياه النيل ،وأن يتولى السودان إنشاء خزان الروصيرص على مياه النيل الأزرق ، وغبره من المشروعات الضرورية لإستغلال نصيبه من مياه النهر . علي أن يتم توزيع الإيراد المتحصل بعد إنشاء السد بين مصر والسودان والمقدر ب84 مليار مكعب على النحو التالي :
أولاً: تطرح بداءة الحقوق المكتسبة لمصر والسودان وفاقد التخزين المستمر في السد العالي ثم يوزع الصافي المقدر ب22مليار متر مكعب بنسبة 14.5 مليار لمصر و7.5 مليار للسودان، وإذا زاد الصافي عن 22مليار يوزع صافى الزيادة مناصفة بين الدولتين
ثانياً: تلتزم الحكومة المصرية بدفع مبلغ 15مليون جنيه مصري كتعويض شامل عن
الأضرار التى تلحق بالأموال السودانية بسبب إقامة السد العالي.
ثالثاً: إنتهاج مبدأ التعاون بين مصر والسودان فى مشروعات إستغلال المياه وذلك بالإشتراك فى النفقات وإقتسام العائد طبقا للأسس التالية :
أ. أن يتولي السودان مشروعات زيادة إيراد النيل لمنع المياه الضائعة على أن يوزع العائد بالتساوي وتتحمل الدولتان النفقات بالتساوي .
ب. يسمح السودان لمصر بإستخدام المياه اللازمة للقيام بالمشروعات اللازمة لزيادة عائد النهر على أن ترد مصر نصيب السودان بعد أن تفي مصر نصيبها فى تكاليف المشروع.
ج. يتم إنشاء جهاز مشترك من الدولتان للقيام بأبحاث ودراسات متصلة بضبط النيل وزيادته.
د. توحيد وجهتى نظر البلدين عند الدخول فى مباحثات أو إتفاقات مع دول حوض النيل.
هـ. أن يمنح السودان سلفة مائية في حدود مليار ونصف متر مكعب سنوياً من نصيب السودان عند السد العالي وفق ما تحدده حاجة مصر الفعليةـ بعد خمس سنوات ـ لمقابلة التوسع الزراعي حتى نوفمبر 1977 .
ثالثاً : مشروعلت استغلال المياه الفاقدة في حوض النيل في جنوبي السودان (قناة جونقلي) وذلك مناصفة بين البلدين ، وبالمقابل يتقاسما العائد مناصفة .
9. اتفاق القاهره 1993 بين مصر وأثيوبيا : وهو اتفاق تعاون اطاري لتنمية موارد النيل وتعزيز مصالحها الاقتصادية والسياسية ، والذي يتعهد الطرفان في أحد بنوده الامتناع عن أي نشاط يؤدي إلي إحداث ضرر بمصالح الطرف الآخر بمياه النيل والتشاور والتعاون في المشروعات ذات الفائدة المتبادلة التي تعمل علي زيادة حجم التدفق وتقليل الفاقد من مياه النيل في إطار خطط تنمية شاملة ومتكاملة . كما شمل الاتفاق انشاء آلية مناسبة للمشاورات حول مايهم الطرفين بما فيه مياه النيل من أجل السلام والاستقرار في المنطقة ، وتعهدا بالعمل من أجل التوصل إلي اطار للتعاون بين دول حوض نهر النيل لتعزيز المصلحة المشتركة لتنمية حوض النهر .
أحسب أن هذه الاتفاقية هي أهم الاتفاقيات وأكثرها ايجابية علي الأمن المائي المصري وبالتبعية السوداني ، ذلك إذا وضعنا في الاعتبار أن حوالي من 85% من واردات نهر النيل ترد من أثيوبيا ، وبالتالي تم تحييد أثيوبيا أو علي الأقل تخفيف قدرتها علي ممارسة أى ضغوطات مائية مستقبلة ليس من ماء النيل الأزرق إنما من وارد نهر السوباط الذي يغذي النيل الأبيض بشكل رئيس ، وبالمقابل لابد من رعايتها وترتيب المواقف السياسية بما لايصادمها من ناحية ، وعلي السودان السعي للإنضمام لهذه الاتفاقية وإضافة بنود توفر وتضمن حقوقه ، خاصة وأن أثيوبيا يمكن أن تتخذ من التدابير ما قد يؤثر علي موارد النيل السودان فيتم خصمها من فائض المتاح حالياً من حقوق السودان ويتم تسوية الأمر بما لايحقق الفائدة القصوي له . وقد تم أنعاش هذه الاتفاقية باجتماع في يونيو 2004 بشرم الشيخ بمصر بين الطرفين إضافة للسودان توصلوا فيه لإنشاء عدد من المشاريع المشتركة التي تتضمن استخدام مياه نهر النيل في الري ومياه الشرب والطاقة.
10. مبادرة دول حوض النيل (NIB) (Nile Basin Initiative).: وهي عبارة عن قناة للحوار أنشأت في 5/12/1998 ، يقوم بها الاتحاد الدولي للتعاون في حوض النيل بلاشتراك مع البنك الدولي وصندوق دعم التنمية التابع للأمم المتحدة ومجموعة بنوك تنمية أفريقيا والفاو وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ومنظمات أخرى ، وكما تشارك دول أخري منها كندا ، ألمانيا فرنسا ايطاليا النرويج بريطانيا إضافة للإتحاد الأفريقي ، إضافة لدول الحوض . هيكل المبادرة يتكون من مجلس وزراء دول الحوض العشر ـ عدا ارتريا التي ضمت كمراقب ـ مقرها عنتبي بيوغندا . وتسعي المبادرة لتحقيق هدف رئيس مشترك (The Shared Vision project is comprised of grant based activities to foster trust and cooperation and build an enabling environment for investment )
ترجمتها في ـ وأرجو أن أكون موفقاً ـ كالآتي ( مشروع الرؤية المشتركة التي تتضمن التأكيد على رعاية الأنشطة التي تساهم وتهيئ البيئة االتي تعين علي الاستثمار) . وفي مارس 2001 وبمدينة الخرطوم تم تجسيد هذه الرؤية بلاتفاق على رؤية مشتركة تبدأ بتنفذ إعادة هيكلة قطاع الطاقة بدول الحوض ، وقد تمثلت تلك الأهداف في :
أ. تطبيق مشاريع تدريبية. ب. مشاريع بناء الثقة
ج. تبني مشاريع لتقوية العلاقات التجارية الإقليمية
د. إقامة مشاريع مشتركة للتعاون
هـ. تبني مشاريع اجتماعية وإقتصادية مشتركة.
و. تبني مشاريع لمواجهة المؤثرات البيئية التي يسببها المجري لدول الحوض.
ز. اتباع سياسة زراعية فعالة ترشد من إستعمالات المياهـ .
ح. تبني مشاريع لإدارة مصادر المياه .
11. مشروع التيكونيل في إطار اتجاه الفكر السياسي المصري أكثر ميلا للتعاون مع دول أعلي النهر‏,‏ فكونت في ديسمبر ‏1992‏ مع السودان وأوغندا ورواندا وزائير وتنزانيا لجنة التعاون التقني لتشجيع التنمية وحماية البيئة لحوض النيل‏(‏ التيكونيل‏),‏ وهو منتدي متعدد الأطراف للتعاون‏.‏ في مساعدة الدول المشاركة في تحديد إمكانياتها المتساوية لاستخدام النيل‏,‏ كما كان الغرض من التيكونيل وضع إطار لاتفاقية للتعاون بين كافة دول الحوض‏ وقد أنشئ التجمع في ديسمبر/ يستهدف تعظيم الاستفادة من المياه المشتركة وفاقد المياه واستغلاله لصالح دول الحوض، كما تشمل إيجاد إطار قانوني ومؤسسي للتعاون بين هذه الدول من أجل التنمية المستدامة م بمشاركة 6 أعضاء عاملين (مصر، والسودان، وتنزانيا، وأوغندا، ورواندا، والكونغو الديمقراطية)، وحصلت باقي الدول على صفة مراقب، وفي إطار التعاون التقني كان قد تم إعتماد 22 مشروعاً تستهدف زيادة الاستفادة من المياه المشتركة وفاقد المياه واستغلاله لصالح دول الحوض، كما تشمل إيجاد إطار قانوني ومؤسسي للتعاون بين هذه الدول من أجل التنمية المستدامة وحماية البيئة . وقد استمر مشروع "التيكونيل" خلال الفترة من 1992 حتى31/12/ 1998م .
المبحث الثالث
فرص واحتمالات الصراع بين دول حوض النيل

بما أن أسباب ومحفزات الصراع حول المياه في عدد من العوامل أهمها علي الإطلاق دواعي تحقيق الأمن المائي أو القدر المتيسر منه ، وإستدعاء شبح الندرة لأستخدامها في لتحقيق أهداف سياسية أو لتحقيق أعماق ومكاسب أمنية أو إقتصادية .
بالنسبة لنهر النيل فإن مفهوم الأمن المائي يعتبر أحد أهم أعمدة التعامل المنهجي والواقعي مع قضاياه . وينطوي حوض نهر النيل على أهمية خاصة في دراسات الأمن المائي بحكم الخلافات القانونية القائمة بين بعض دول الحوض حول قضايا تقاسم المياه وعدم اعتراف بعض دول الحوض بلاتفاقيات المنظمة له وبالذات تلك الموروثة منذ العهد الاستعماري ، علاوة علي غياب معاهدة شاملة بين جميع دول الحوض تنظم العلاقات المائية فيما بينها . وقد نشأت مدرستين رئيسين :
الأولى : تذهب إلي أن هذه الخلافات ربما تكون سبباً لصراعات عنيفة بين دول الحوض لاسيما في ظل الندرة المتوقعة للمياهـ . ويمكن هنا استدعاء عامل خارجي براجماتي لتأجيج الصراع: أولها: إسرائيل التي لديها مصلحة في ذلك بغية الضغط على مصر أو لمضاعفة مواردها المالية بشتى الطرق منها انشاء سوق للمياه في المنطقة بعد اتبعاد مشروع التحلية ، لذا فإن الحصول على حصة من مياه النيل تصبح من أولوياتها . والثاني : الولايات المتحدة التي سبق في العام 1964 أن تبنت إقامة 26 سداً لري مشاريع زراعية في أثيوبيا كورقة ضغط سياسي على مصر نتيجة لتدهور علاقتها بمصر لاتفاقها مع الاتحاد السوفيتي على إنشاء السد العالي . فضلاً عن تنبأ المخابرات الأمريكية بأن تتسبب المياه في اندلاع الحروب في عشر مناطق في العالم معظمها في الشرق الأوسط .
استراتيجية الصراع حول مياه النيل ودوافعه على الأرجح هي بين دولة المنبع الشرقية (أثيوبيا) من جهة ودولتى المصب (مصر والسودان) وباقي دول المنبع الجنوبية ( تنزانيا ، بورندي ، رواندا ، يوغندا ، والكنغو ، وكينيا ) ودولتي المصب من جهة أخري , ولكن الواقع أن مصلحة أثيوبيا وقدرتها علي التأثير السلبي علي السودان ومصر تختلف عن تلك المتاحة لدول المنبع الجنوبية لأسباب كثيرة سبق أن ذكرنا بعضها في هذا البحث .
بالنسبة لأثيوبيا تتركز مشكلتها في الحاجة لتخزين المياه لطول فترة الجفاف ، بينما لاتمتد فترة الإرواء لأكثر من أربعة أشهر ، وكثيراً ما تصاب لموجات قاحلة من الجفاف أودت مع تضافرعوامل أخرى بحكومات هيلاسلاسي ومنقستو لذا فهناك حاجة ملحة لتنمية الموارد المائية لتأمين الأمن الغذائي ، وزيادة توليد الكهرباء . لذا فإن وجهة النظر الأثيوبية تتركز في التمسك بحقها في استغلال واستثمار موارد النيل في أراضيها بما تراه محققاً لمصلحتها القومية في حالة عدم الحصول على موافقة دول الحوض بمشاريعها، وفق تصريحات ممثلها في قمة لاغوس 1980 لاتعتد باتفاقية 1959 الموقعة بين مصر والسودان لأنها ليست طرفاً فيها بالرغم من وجودها كدولة مستقلة ، كذلك تري أن اتفاقية 1902 مجحفة التي وقعتها نيابة عنها ايطاليا ، وتطالب باتفاقية واسعة تشمل كل دول النهر. استمر هذا الموقف حتى عقدها اتفاقاً مع مصر عام 1993 لتنهي بذلك مرحلة طويلة من الصراع مع مصر والسودان ، وإن كان هذا الاتفاق يستلزم تطويراً يسانده في مجالات التعاون الأخر بما فيه المشاريع المائية بين البلدان الثلاث . هذا إذا وضعنا في الاعتبار أن الدراسات قد أثبتت وجود مساحات واسعة من الأراضي الأثيوبية الصالحة للزراعة المروية تبلغ 2,3،000 فدان تقع في حوض النيل بمنطقتي النيل الأزرق ونهر السوباط ، إضافة لإمكانية إنتاج 38000 ميغاوات ، والتقدير لحوجتها 7 مليارات متر مكعب . وبالرغم من اتفاق 1993 التي أنعشت 2004 إلا أن يبدو أن أثيوبيا مازال ينتابها فوبيا الأمن المائي وانتاج الطاقة الكهرومائية يسيطران عليها حيث أفصح مندوبها في المؤتمر السابع لدول حوض النيل بالقاهرة في مارس 1999 عن وجوب إعادة توزيع مياه النيل بما يكفي حاجة كافة الدول قاطعاً بأن ( الذي يجري في حوض النيل حالياً لايمكن أن يستمر في المستقبل لأن فيه استخداماً غير متوازن لمياه النيل ، لذا فإن اتفاقيات حوض النيل الخالية يجب أن تلغى لتحل محلها اتفاقية تقوم على مبدأ الاستخدام العادل لموارد النيل المائية ) .
أما في الموقف المصري ، فسنبدأ من آخر مواقف الحكومة التي صرح مسئول الموارد المائية ووزير ريها السيد محمود أبوزيد لصحيفة الأهرام والتي أكد فيها أن (وارد النيل إليها سيكفي حاجتها من المياه حتى عام 2017) . كما أضاف ( ليست لدينا مشاكل مع أي من دول حوض النيل ) . أما الموقف القانوني والاستراتيجي حول موارد النيل المائية فإنها تري أن لها حقوقاً تاريخية مكتسبة من اتفاقيات واضحة محددة للحقوق والالتزامات لايجوز التعرض لها ، وأن لمصر الحق في الحصول على نصيب معقول من أي إيرادات إضافية تنتج عن تقليل المفقود عن المنابع ، لذا يجب التشاور معها من قبل دول حوض النيل قبل الشروع في أي ترتيبات من شأنها أن تؤثر على الموارد الحالية والمستقبلية .
واستكمالاً لمواقف بقية دول حوض النيل وهي دول المنابع الحنوبية، نقطتف ما إورده السيد الصادق المهدي أنها ( تتطلع لزيادة استهلاكها من المياه التي تغذي النيل النيل الأبيض للزراعة ولديها إمكانيات كبيرة لإنتاج الطاقة الكهورومائية وهذا يتطلب إقامة مشروعات تضاعف ما تستهلكه من مياهـ النيل حالياً لعشر مرات ) .
في إطار العلاقة الوطيدة المتجذرة في الأعماق والتاريخ والتي لافكاك منها بين السودان ومصر فإن موضوعية وواقعية الدراسة تقتضيان استدعاء أمرين هامين :
أ. ما أورده الوزير السوداني الأسبق السيد عبد الرحمن علي طه أن (سياسة مصر بالنسبة لنهر النيل والتي رسمت منذ عهد سعد زغلول تتلخص في العبارتين ( السيادة ، والرقابة على المياه ) ، وأن تلك السياسة سارعليها عدلي ، ثروت ، ومحمد محمود ، النحاس ، النقراشي ،و الزعماء من خلفهم ) . وهو هاجس لدي كثير من الباحثين وقادة الرأي في السودان ، عززرها الكثير من المواقف المصرية التي عزلت العلاقة في مستواها الصفوي وهو أمر لافرار من بائه ، وربما قلل من غلواء الوضع اتفاقية الحريات الأربعة وإمتداد الطريق البري بين البلدين وما يقدمه الشعبان لبعضهما البعض .
ب. النزاع (النائم) بين السودان ومصر حول حلايب وشلاتين ومناطق شمال مدينة حلفا التي طفت على السطح منذ العام 1959 وحرك حينها الجيشان ، وظلت المشكلة عالقة بالرغم من البلوغ بها لمجلس الأمن ، والتي يقابلها سياسة الأمر الواقع التي عمدت مصر لفرضها بالسعي الحثيث لمصرنة مثلث حلايب وحصارها شبه المحكم للقوات السودانية المتواجدة بالمنطقة وتغيير هويات المواطنين ، في الوقت الذي يدعوا فيه السودان إلي جعل المثلث منطقة تكامل . وكان آخر مظاهر الصراع قد تبلورت في أكتوبر 2009 عند قيام مفوضية الانتخابات بإعلان المثلث دائرة انتخابية .
كما أن من المهددات السافرة التي سثأثر علي المستوين القانوني والسياسي نشوء دولة جديدة علي حوض النيل إذا ما قرر جنوب السودان الانفصال في 2011، مما يستدعي إمعان النظر في تأثير ذلك علي :
أ. اتفاقية الانتفاع الكامل لمياه النيل بين السودان ومصر 1959 ، خاصة إذا ما ادعت الأخيرة أن نصيبها في النيل وفق الاتفاقية يجب أن يحسب عند بحيرة ناصر .
ب. إحتمال إنضمام الدول الجديدة بما عرف عن قادتها بالنزعة الأفريقية إلي توالي مطالب دول الحوض الجنوبية ، وإعتبار نفسها ضمن منظومة دول المنبع .
ج. التأثير الإسرائيلي علي مخططات استفادة الدولة الحديدة من النيل بما يخالف، الرؤية السودانية المشتركة باعتبارها دول مصب ، وبصفة خاصة المشروع الخاص بزيادة موارد المجري المائي المعول عليه بإنشاء قناة جونقلي .
د. إحتمال قيام تنسيق مصري مع الدولة الجديدة بمعزل عن السودان باعتباره نوع من السعي لتأكيد حقها التاريخي المكتسب ، فتتم بينهما تسوية يترك في السودان الشمالي في يواجهه مصير نقص مياه النيل الأبيض ، ومن ثم يتعذر الإستمرار في مشاريع التنمية في المنطقة الواقعة علي النيل الأبيض .
هـ. احتمال استجابة الدولة المصرية للضغوط الإسرائيلية الغربية لتوصيل مياه النيل إلي إسرائيل ، في ظل ما يرشحه بعض قادة الرأي في مصر بأن ذلك ضمن في الشروط السرية لكامبد ديفيد ، وما يقابله من نفي حكومي ، إن لم يكن قد وقع فعلاً .
أما الدور الإسرائيلي في مياه النيل فهو العامل الأخطر والأقوي لإذكاء جذوة الصراع حول مياه النيل ، وقد انتهي إلي تواجد قوي لها في منابع النيل بكل من أثيوبيا ويوغندا ودول أخري . لذا فلابد من التوسع بعض الشئ في تحقيق رغبات دول الحوض الجنوبي من خلال المبادرات والاتفاقيات لأن نوايا إسرائيل ورغباتها الجشعة في مياه النيل قد برزت منذ وقت مبكر ، ففي العام 1903 تقدم ثيودور هيرتزل الى الحكومة البريطانية في عهد الملكة فيكتوريا وآرثر بلفور إلي الحكومة المصرية في عهد عباس الثاني ومصطفى باشا فهمي وبطرس غالي والمعتمد البريطاني اللورد كرومر بطلب لتحويل مياه النيل إلى سيناء وتوطين اليهود فيها.
أما في العقود الأربع الماضية فإنه فقد ظلت معاناة إسرائيل من قلة الموارد المائية المتاحة لها والتي تأتي من خارجها مستفحلاً ، وضرورتها الوجودية في استقبال المزيد من المهاجرين ، فقد تلخصت أهدافها في :
1. التحكم في مصادر المياه .
2. مضاعفة مواردها المائية بشتى الطرق .
3. تنمية مواردها من المياه الجوفية .
4. تحقيق مشروعها بسحب مياه النيا إلي النقب لأنها الأفضل إقتصادياً من أي خيار آخر .
5. العمل على إنشاء سوق للمياه في المنطقة .
6. الإدارة المركزية المشتركة لمياه المنطقة .
وبالمقابل ونسبة لأن مساهمة النيل الأزرق تساوي ضعف مساهمة النيل الأبيض في مياه نهر النيل، فقد شجعت إسرائل أثيوبيا بالانقلاب على الاتفاقيات والمطالبة بالمحاصصة المتساوية في نهر النيل، ومطالبة مصر والسودان بدفع أثمان المياه القادمة من بحيرة فيكتوريا ، وذلك في ظل علاقاتها المميزة بأثيوبيا منذ عهد الإمبراطور هيلا سلاسي ، وتلوح حالياً بحقها في ضرورة الانتفاع بمياه النيل بإقامة سدود الأمر الذي يشكل تهديداً مباشراً للأمن المائي لمصر والسودان خاصة في ظل سعي الأيدي الإسرائيلية للإمساك بملف المياهـ .
أما علي مستوي النظر فعن إمكانية وإحتمال نشوب صراع مسلح حول مياه النيل ، هناك مدرسة ترى إمكانية ذلك في إطار إمكانية نشوب حروب للمياه علي الصعيد الدولي ، وذلك إضافة لعدد من المؤشرات التصريحات التي أشرنا إليه في القسم الأول من هذا البحث والتي نضيف إليها بصفة خاصة تصريح الدكتور إسماعيل سراج الدين عام 1995 حينما كان نائباً لرئيس البنك الدولي والذي أشار فيه إلي أن (الحروب في القرن الحادي والعشرون ستكون حول المياه وليست حول النفط كما كان الوضع في القرن العشرين ) ومقولات روبرت كابلان عام 1994 عن الفوضى القادمة ( منطقة حوض النيل تعتبر إحدى أبرز المناطق المرشحة للفوضى والصراع بسبب مشكلات ندرة الموارد المائية والخلاف حولها فيما بين دول النهر ) .
في المقابل هناك مدرسة أخرى ترى أن القول بإمكانية نشوب صراعات عنيفة بين دول حوض نهر النيل تنطوى على مبالغة شديدة وذلك لعدد من الحج منها :
1. الصراعات الدولية أو الإقليمية يمكن أن تنشب حول الموارد الطبيعية القابلة للنضوب مثل البترول ، إلا أنه من الغير الممكن أن تنشب حول الموارد الالمتجددة ، لأن الأخيرة بحكم طبيعتها تمتلك فرصاً للتجدد وترشيد إستخدامها ، وهو ما يعني أن مساحات التعاون أكبر مما هو عليه الحال في حالة الموارد القابلة للنضوب .
2. لم يحث أن إندلعت صراعات رئيسية أو عالية الحدة بسبب المياه حول النيل .
3. الحلول العسكرية لايمكن أن تفيد في التعامل مع نزاعات المياه سواء من حيث السيطرة علي المنابع والمصاب ، أو منع طرف معين من تنفيذ مشروعات مائية ، إضافة لآرتفاع تكلفة التصعيد العسكري.
وبالتالي فإن هذه المدرسة أن التعامل الأمثل في النزاعات عموماً وفي حالة نهر النيل بصفة خاصة يتمثل في الوسائل والأدوات التعاونية التي تتيح التوفيق بين مصالح كافة الأطراف ، بل وإمكانية خلق مصالح مشتركة جديدة من أجل تفادي التصعيد وتسوية النزاع ، ومن ثم فإن آليات التعاون لن تفيد فقط في تسوية الخلافات المتعلقة بتقاسم المياه ،ولكنها يمكن أن تكون ركيزة لتطوير العلاقات الشاملة فيما بين الدول المعنية .
ويري السيد الصادق المهدي أنه لابد من زيادة عرض المياه العذبة من غير مياه النيل بإستخدام وسائل تدخل ضمن تفعيل الإدارة القطرية للمياه منها :
1. تدوير المياه المستعملة من مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي ومالجتها .
2. المياه الجوفية التي تتدواجد بكثرة في دول الحوض .
3. تحلية مياه البحر.
ويخلص إلى أن الخلافات العميقة القائمة الآن بين دول الحوض تسمم مناخ الاستخدام الحالي لمياه النيل وتحول دون أي إجراءات مطلوبة لزيادة دفق مياهه ، وأن النيل كنهر دولي يعاني من نقاط ضعف مهمة:
أ. النيل لدي منابعه أقل مجاري المياه تنمية .
ب‌. نسبة مايحصدهـ النيل في مجراه من الأمطار الكثيفة التي تهطل على حوضه لا تتجاوز الـ 7% وهي نسبة قليلة جداً .
ج‌. التعاون الجماعي بين دول الحوض في أضعف حالاته .
وفي سبيل الإصلاح ، فلابد من تبلور إرادة سياسية تقضي على حالة التغافل الحالية والتستر على الخلافات وتوزيع المجاملات التي تحافظ على علاقات عامة جيدة ولكنها تبقي الخلافات مستمرة ، ويري السيد الصادق المهدي أن الحل يقتضي :ـ
1. عقد اتفاقية شاملة أو اتفاقيات متكاملة ذات صفات دولية تحترمها كل الدول .
2. إقامة هيئة مشتركة لحل النزاعات السلمية سلمياً ، أو الاستعانة بآلية المنازعات المنصوص عليها في اتفاقية استخدام المجاري المائية 1997.
3. إنشاء إدارة مشتركة لمياه النيل للإشراف على التزام الدول بالحصص ، الاشراف علي مواعين تخزين المياه والمشروعات الأخرى مثل توليد الطاقة والمحافظة على البيئة.

خاتمة ونتائج الدراسة
1. في ظل الحاجة المتزايدة للمياه ، هناك معادلة ثابتة غير خاضعة للتعديل أو أي قراءة مخالفة مفادها أن الصراع حول الماء من أكثر الصراعات المباشرة والغير مباشرة إحتمالاً في المرحلة القريبة القادمة ، لوجود مبرر واقعي وأخلاقي لذلك الصراع ، فالمياه يتعلق مباشرة بوجود الحيوان في الكون ، فلا شئ عند الإنسان أحق بالصراع عنه أكثر من النفس .
2. لامفر من الاعتراف بأن الأصل في الماء أنه شراكة فطرية بين البشر وكل كبد رطب ، وهذا يفسر ويؤصل بأن الصراع يقع للمطالبة بنصيب مستحق من تلك الشراكة وقت الحوجة الملحة لها ، عندها لابد من التعاون لإزالة العوامل التي تحول بين دون ذلك والسعي لتنظيم ذلك الحق والعمل على تنمية مصادره .
3. دول حوض النيل يتهددها إندلاع نزاعات وصراعات حول استراتيجة الانتفاع المتشرك من مياهه لعدم وجود مظلة قانونية شاملة مقر بها من جميع دوله ، إضافة لتزايد إحتمالات إستخدام المياه كسلاح سياسي ، الأمر الذي يتطلب إعداد العدة الفنية والقانونية لمفاوضات شاقة ولابد منها لإقرار اتفاقية تستوعب كافة المصالح وتطورات القوانين والاعراف الدولية الخاصة بالمجاري المائية .
4. تكثيف التنسيق بين مصر والسودان باعتبارهما دولتي المصب المعتمدتين بالقدر الأكبر والمقدار الأوفر من فائض موارد مجري نهر النيل استعداداً لاحتمال ميلاد الدولة العاشرة في حوض النيل وما سيترتب عليه من مساس بحقوقهما المكتسبة بموجب اتفاقية 1929 ، فضلاً عما ينتظرهما من صراعات ومنغصات سياسية من قيام دولة في جنوب السودان ستكون حتماً أفريقية الهوى والهوية وما يعنيه ذلك من المساومة بتحقيق للمطامع الإسرائيلية في مياه النيل .
5. بالنظر إلي الأهمية الخاصة التي تتبوأها أثيوبيا في موارد نهر النيل ، فإن ذلك يستلزم كمحور أول تفعيل الاتفاقية الثنائية بين مصر وأثيوبيا 1993 ورعايتها وتوسيعها إلي معاهدة إقليمية بضم السودان إليها ، خاصة وأن العلاقات السودانية الأثيوبية في المجالات الاقتصادية تشهد تطوراً متزايداً ، وبعد إكتمال الطريق البري الرابط بين السودان وأثيوبيا ومصر بالسودان يمكن تطوير تلك الصلات الثلاثية ، مع دراسة مدى فعالية إسهامها في التحضير لمفاوضات لاحتمال ميلاد الدولة العاشرة من دول الحوض.
6. إعادة إحياء مشروع اتفاق التيكونيل كمحور ثان بإعتباره أشمل مشروع للتعاون الفني عرفه حوض النيل لما يمكن أن يقدمه من دعم وتقدم الموقف السياسي ، ويسهم بطريق غير مباشر في التوافق وتحييد الصراع من جانب ، ومن جانب آخر سيمكن من الاستفادة القصوي من المنظمات والهيئات والبيوتات المالية (كشركاء في المشروع ) في المجالات التي تخدم الاستخدام المستدام للمجري .
7. الاستمرار في الموقف السياسي الاستراتيجي السوداني المعتدل تجاه ما هو عادل من قضايا حوض النيل ودوله دون إفراط أو تفريط ، مع الوضع في الاعتبار وحدة المصير المائي لكل من السودان ومصر بإعتبارهما دولتي المصب الوحيدتين .
8. إعداد الدراسات والبحوث المفصلة حول اتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري المائية للأغراض غير الملاحية 1997 بإعتبارها اتفاقية أممية قد يتم الاستعانة بها بصورة أو أخري في أي صراع محتمل حول مجري نهر النيل .
9. رفع درجة التحسب والجاهزية لدفع التدخلات الإسرائيلية الرامية للسيطرة علي منابع النيل ، من جهة ، ومن جهة أخري عدم الرضوخ للضغوط الإسرائيلة أوالغربية لإمداد كيان الاحتلال الإسرائيلي من مياه النيل ، إلا بإتفاق معلن ، لايهدر أياً من حقوق دولتي المصب ، وبموافقة مع كافة فصائل الشعب الفلسطيني وإلا كان ذلك دعماً للإحتلال ومدخلاً للصراع بسبب المياه مع الفصائل الفلسطينية .
10. إنشاء مركز دراسات سوداني متخصص في دراسات مياه النيل يعنى بدراسات المياه الدولية (السطحية والجوفية) من النواحي الفنية والقانونية والعلاقات الدولية .







ثبت المراجع

1. القرآن الكريم .
2- تفسير بن كثير .
3. مختار الصحاح ، الموسوعة الشاملة ، قرص مضغوط.
3. صحيح البخاري ، ،، ،، ،، .،،
4. صحيح مسلم ، ،، ،، ،، . ،،
5. سنن بن ماجة ، ،، ،، ،، . ،،
6. سنن إبي داؤد ، ،، ،، ،، . ،،
7. سنن الترمذي ، ،، ،، ،، ،،
8. د. أحمد فؤاد أرسلان ، نظرية الصراع الدولي ، دراسة في تطور الأسرة الدولية المعاصرة . مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، رقم ايداع 4170 ، 1986
9. د. أحمد إبراهيم محمود ،هاني رسلان ، محمد فايز فرحات ، د. محمد سالمان طابع . حوض النيل فرص واشكاليات التعاون / مركزالأهرام الدراسات السياسية الاستراتيجية 2009 .
11. د. محمد المجذوب ، الوسيط في القنون الدولي العام ، الدار الجامعية للطباعة والنشر1999م ، بيروت .
12. .صلاح مغاوري ، مشكلة المياه في الشرق الأوسط : التنسيق العربي المطلوب . الكويت الرأي العام أغسطس 1996 ،ص 14 .
13. د. محمد عوض محمد ، نهر النيل ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2009 ، رقم إيداع 10497/2009
14. د. محمد سامي عبد الحميد ، د. محمد السعيد الدقاق ، د.مصطفى سلامة حسين ، القانون الدولي القام . دار الهدى للمطبوعات الاسكندرية ، 2003.
15. عبد الرحمن علي طه ، السودان للسودانيين ـ طمع فنزاع ووثبة فجهاد، تحقيق فدوي عبد الرحمن علي طه .دار جامعة الخرطوم للنشر ،1992 .
16. د. عادل عبد الرازق ، بؤر التوتر والنزاع حول المياه في حوض النيل والعالم العربي والاستراتيجية المصرية للياة المائية في حوض النيل ، دراسة تحليلية وقانونية في إطار العقلاات السياسية الدولية ، الهيئة العامة للكتاب 2004
17.الإمام الصادق المهدي ، مياه النيل الوعد والوعيد ، مركز الأهرام للترجمة والنشر ت القاهرة ، الطبعة الأولى 2000 .
18. د. رمزي سلامة ، مشكلة المياه في الوطن العربي احتمالات الصراع والتسوية . منشأة المعارف بلاسكندرية جلال حزي وشركاه 2001.
19. المهندس عبد العزيز محمود المصري ،قانون المياه في الإسلام ، دار الفكر المعاصر بيروت ودارالفكر دمشق الطبعة الأولي 1999 .ص 15.
20. المنظمة العربية للتنمية الزراعية [ استعمال المياه للأغراض الزراعية ومؤشراتهاالمستقبلية وترشيد استخدام الموارد المائية في الوطن العربي ] ، العلم والتكنلوجيا مجلة معهد الإنماء العربي ببيروت العدد 17/ بتاريخ 18 يوليو 1989 .
21. تقرير وزارة الري والموارد المائية المصرية عن أعمال المؤتمر [استعمال المياه للأغراض الزراعية ومؤشراتهاالمستقبلية وترشيد استخدام الموارد المائية في الوطن العربي ] المذكور المؤرخ في 14/4/1977م.
22 . منشورات إدارة شؤون الإعلام بالأمم المتحدة – تشرين الثاني/نوفمبر 2004 .
Robert D Kaplan. The Coming Anarchy, Atlantic Monthly . Vol. 273.No.2.Feb.23 1996P.P 44-76 .
23. موجز تقرير التنمية العربية والإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في أكتوبر 2009 .
24. موقع: www.bbcarabic.com بالشبكة العنكوبوتية
25. موقع : http://www.nilebasin.org/index.






رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
نهر النيل


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العدالة الجنائية الدولية والمحكمة الجنائيــــــــــة الدولية الدائمة_ ابو عاصم قسم المحكمة الجنائية الدولية 0 11-12-2011 09:15 PM
الصراع النفطي وتوتر العلاقات السياسية الدولية عمر عادل قسم الدراسات السياسية 0 07-15-2010 12:44 PM
ضياع مكانة مصر الدولية سبب فشل مبادرة النيل ابوعمر قسم التحقيقات الصحفية 0 04-17-2010 06:33 PM
المسؤولية الدولية للمنظمات الدولية الدكتور المنصور قسم القانون الدولي العام 0 03-25-2010 12:59 PM
المحاكم الدولية المؤقتة والمحكمة الجنائية الدولية الدكتور عادل عامر قسم المحكمة الجنائية الدولية 0 09-22-2009 10:34 AM


الساعة الآن 03:06 PM.


د/ عادل عامر
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi
    by Egys team