فعالية السياسة المالية و النقدية
يدور الجدل حول فاعلية السياسة المالية و النقدية أساسا حول آليات انتقال أثر تلك السياسات على الاقتصاد الكلي.
حيث يرفض دعاة السياسة النقدية صيغة نموذج [1](IS-LM) التي يفترض فيها دعاة السياسة المالية تأثير عرض النقود على الدخل من خلال سعر الفائدة والإنفاق الاستثماري، وما يترتب على ذلك إعطاء النقود دورا ثانويا في النشاط الاقتصادي في حين يرى دعاة السياسة النقدية أنّ التعديلات التي تحدث جراء تغيير عرض النقود تكون على نطاق واسع من الإنفاق على الأصول المالية والعينية، وكذلك الخدمات وهو مالا يستوعبه جوهر إظهار نموذج ( IS-LM )هذا فضلا عن افتقاده للديناميكية وعدم ملاءمته للاقتصاديات المفتوحة[2].
وفي هذا الإطار يطرح دعاة السياسة النقدية وجهة نظر أخرى تنص على أنّ زيادة عرض النقود تؤدي إلى زيادة الإنفاق على الأصول العينية و المالية و الخدمات و تتضمن الزيادة في النفقات كل من الاستثمار و الاستهلاك و بالتالي الطلب الكلي مباشرة، كما ينفون الأثر السلبي لزيادة المعروض النقدي على سعر الفائدة وخاصة في حالة توقع أفراد المجتمع حدوث مزيد من التضخم.
كما جادل أنصار السياسة النقدية أيضا حول آلية انتقال أثر السياسة المالية، و يرون أنها ليست بصورة مباشرة، كما هو معتقد عند أنصار السياسة المالية، بل ينصرف أثرها بصورة غير مباشرة من خلال سعر الفائدة و سرعة تداول النقود[3].
و قد أتنهى الجدل الخاص بشأن فعالية السياسة النقدية باعتراف أنصار السياسة المالية بفعالية السياسة النقدية و أهميتها، التي تكاد تعادل أهمية السياسة المالية، بعد أن أثبتت الدراسات التطبيقية تأثير النقود بطرق شتى على الاقتصاد[4].
كما اتفقوا مع أنصار السياسة النقدية على عدم الاستناد على سعر الفائدة كمؤشر رئيسي للسياسة النقدية واستبدلوه بمعدل النمو في عرض النقود كمؤشر أفضل للسياسة النقدية.
كما اعترف دعاة السياسة النقدية بفاعلية السياسة المالية و خاصة إذا كانت مصحوبة بتغيرات في عرض النقود، و بهذا الشكل تقاربت و جهات النظر بين الجانبين حول فاعلية السياستين بصورة كبيرة و انحصرت الخلافات في أضيق الحدود[5].
لقد عاصر ذلك ظهور فريق ثالث رافض التحيز لأي من السياستين على حدى بل يؤيد المزج بينهما بالصورة التي تحقق أهداف السياسة الاقتصادية بأقل تكلفة ممكنة و حسب اعتقادهم يعد تحديد أي السياستين أكثر أهمية من الأخرى شيء غير مقبول إذ أن الأهم هو اختيار التوليفة المناسبة[6] و لهذا فإن كل سياسة اقتصادية يجب أن تتسلح بأدوات مساوية للأهداف أي أنه بقدر ما لدينا من أهداف بقدر ما ينبغي أن يكون لدينا من أدوات لتحقيق هذه الأهداف[7].
وقد قام الاقتصادي الكندي ROBERTA- MUNDELL[8] بتقديم نموذج مفيد في هذا المجال تم على أساسه وضع أسس و قواعد السياسات المختلطة موضحا أن الأدوات المختلفة ينبغي استخدامها لبلوغ الأهداف التي يكون لها التأثير المباشر عليها، أي أن كل أداة من أدوات تحقيق الاستقرار ينبغي استخدامها لتحقيق الهدف الذي تؤثر عليه تأثيرا مباشرا مع ملاحظة أن السياسة المالية تمارس تأثيرا مباشرا على التوازن الداخلي و تأثيرا غير مباشر على توازن ميزان المدفوعات من خلال تأثيرها على الطلب الكلي على الواردات، في حين أن السياسة النقدية لها الأولوية في تحقيق التوازن الخارجي.
على الرغم من تلك النظرة المتكافئة لأهمية دور كل من السياستين ( النقدية- المالية) في علاج الأزمات و تحقيق الاستقرار الاقتصادي إلا أن أنصار هذا الاتجاه لم يقوموا بالمساواة المطلقة بين عدد الأدوات المستخدمة في كل نوع.
كما لم يرو ضرورة استخدام كافة أدوات كل سياسة، بل آمنوا بوجوب ترك تحديد ذلك لظروف كل حالة، إذ يجب أن تتفاوت نسب المزج تبعا للفلسفة الاقتصادية السائدة، وكذلك درجة التقدم الاقتصادي و نوعية الأزمات الاقتصادية التي تواجهها الدول المعنية بتطبيق السياسة، و كذلك درجة الانفتاح على العالم الخارجي، ونظام سعر الصرف السائد[9].
3-تأثيرات السياسة النقدية على السياسة المالية
يمكن التمييز بين السياسة المالية
و النقدية وفقا لثلاثة معايير هي[10]:
أ- معيار جهة اتخاذ القرار، فالقرارات التي يتخذها البنك المركزي تندرج في السياسة النقدية، أما القرارات التي تتخذ بوسطة وزارة المالية تندرج تحت السياسة المالية.
ب- معيار حقوقي، فالسياسة المالية تحدد حجم الدين الحكومي في حين تحدد السياسة النقدية مكونات هذا الدين ( قرض بنكي أو اقتراض من الجمهور على شكل سندات).
جـ- معيار الهدف، فإذا كان الهدف من السياسة التأثير على الحاجات العامة و التوظف فهي سياسة مالية، أما إذا كان الهدف من السياسة التأثير على عرض النقود فهي سياسة نقدية.
وفيما يلي نحاول إيضاح التأثيرات المختلفة للسياسة النقدية على السياسة المالية.
3-1 أثر السياسة النقدية على عجز الموازنة
لتوضيح تأثير السياسة النقدية على عجز الميزانية نأخذ مجموعة من المتغيرات المختلفة التي تتأثر بالسياسة النقدية، و تؤثر هي بدورها على عجز الموازنة، بالرغم أن أثر كل متغير من هذه المتغيرات يكون صغيرا إذا أخذ على حدى، إلا أن الأثر الكلي لهذه المتغيرات مجتمعة يكون كبيرا، حيث أن معظم هذه المتغيرات ( الارتفاع في المستوى العام للأسعار، زيادة الإنفاق العام، نقص الإيرادات الضريبية، زيادة الدين العام) تؤدي إلى زيادة عجز الميزانية إذا ما تم إتباع سياسة نقدية انكماشية بسبب ارتفاع سعر الفائدة[11].
لذلك فإن التغير في الوضع المالي ككل ( الدين العام، عجز الموازنة) يتعقد نتيجة السياسة النقدية الانكماشية و بالتالي فإنه يجب التنسيق بين السياسة النقدية و المالية، وأن يأخذ في الاعتبار التأثيرات المتضمنة على الميزانية بسبب السياسة النقدية الانكماشية.



3-2 أثر استقلالية البنك المركزي على السياسة المالية
في ظل وجود بنك مركزي مستقل يتبنى سياسة ضد التضخم تقل توقعات السلطة المالية بقيام البنك المركزي بتدبير التمويل اللازم لعجز الميزانية، و يحد ذلك من قدرة السلطة المالية على إحداث هذا العجز.
إذا استطاعت السلطة النقدية أن تصمم على سياستها بنجاح و رفضت تمويل الدين الحكومي فإن السلطة المالية سوف تحاول العودة مرة أخرى إلى التوازن، ذلك أن تمويل الدين الحكومي، يعني إذعان السلطة النقدية للسلطة المالية، أما في حالة الرفض فإن السياسة المالية لن تجد مفرا من تقييد هذا العجز، من هنا فإن استقلالية البنك المركزي و التي برفض طلب الحكومة لمزيد من الائتمان، يؤدي إلى خفض التوسع في العجز المالي مما يعني الحد من التضخم و الاستقرار في قيمة العملة.
4- تأثيرات السياسة المالية على السياسة النقدية
تتأثر السياسة النقدية بالسياسة المالية المتبعة، فالنظام الضريبي المتبع له أثر على السياسة النقدية، و كذلك مستوى الانضباط المالي للحكومة فالتوسع المالي قد يضيع أثر السياسة النقدية الانكماشية في مجال تحقيق هدف تخفيض التضخم، كما أن الهيمنة المالية للسياسة المالية تجعل السلطة المالية تحقق عجزا ماليا كما يحلو لها، مما يعطل على السياسة النقدية تحقيق أي من أهدافها، و فيما يلي نحاول عرض التأثيرات المختلفة للسياسة المالية على السياسة النقدية.

[1]- مايكلابدجان: الاقتصاد الكلي النظرية و السياسات- ترجمة محمد إبراهيم منصور دار المريخ، الرياض، 1998ص ص 332-333.

[2]-K. Alec. Chrystal, simon P rice- controversies in macko, harvester wheatsheal- great Britain, 1994-P42.

[3]-جيمس جوارتيز، ريجارد استروب- الاقتصاد الكلي الاختيار العام و الخاص، ترجمة عبد الفتاح عبد الرحمن وآخرون، دار المريخ، الرياض، 1998، ص432.

[4]--مايكل ايدجمان، مرجع سابق، ص237.

[5]- سهير محمود معتوق، النظريات و السياسات النقدية، مرجع سابق ص ص 188-189.

[6]- S. Mitra, mony and Banking- theory: analysis ans poliey. A text book of readings" Random house- 1970, PP 515-516.

[7]- Ibid, PP 606-607.

[8]- Ibid- PP 606-607.

[9]- حمدي عبد العظيم، مرجع سابق، ص328.

[10]- محمد ناظم حنفي، مشاكل تحديد سعر الصرف و تقييم العملات، الهيئة العامة للكتاب 1999، ص ص 121-125.
- رضا العدل، التحليل الاقتصادي الجزئي والكلي، مرجع سابق، ص341.

[11]- D. ahan and mami/ the fiscal effect of monetary policyu. International monetary fund working paper N° 66.1998.