القواعد المتعلقة بوسائل وأساليب القتال أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية

د. حيدر كاظم عبد علي كلية القانون /جامعة بابل Haideer1973@yahoo.com
مالك عباس جيثوم كلية القانون /جامعة بابل








الملخص
تعد النزاعات المسلحة غير الدولية من النزاعات القديمة التي عرفها القانون الدولي, فقد تميزت هذه النزاعات بالطابع المأساوي نتيجة انتشار العنف والأسلحة فيها والانتهاكات الخطيرة للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني, ومع ذلك جاء هذا الأخير بتنظيم محدود وقاصر لا يكفي لضمان الحماية القانونية الدولية اللازمة والمساعدة الإنسانية لضحايا هذا النوع من النزاعات ,خصوصاً إذا ما نظرنا إلى التنظيم الدولي الخاص بالنزاعات المسلحة الدولية.
أما فيما يتعلق بالقواعد المتعلقة بوسائل القتال وأساليبه ,نجد ان القانون الدولي الإنساني قد نظم بشكل واضح وصريح معظم القواعد المتعلقة بوسائل القتال وأساليبه أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية, على الرغم من خلو المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 من الأحكام التي تتعلق بوسائل القتال وأساليبه ,إلا ان المشرع الدولي تدارك هذا النقص عام 1990 عندما أصدر الإعلان المتعلق بتسيير الأعمال العدائية أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية ,فقد احتوى هذا الأخير على العديد من المبادئ ذات الأهمية من أبرزها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين ,كما تضمن جانب من القواعد المتعلقة بحظر بعض الأسلحة أو تقيدها أثناء القتال.
في حين بقي البعض الآخر كقاعدة عرفية آمرة تسري أثناء نشوب هذا النوع من النزاعات المسلحة وتلتزم أطراف النزاع المسلح باحترامها ,فالتحديات التي تواجه النزاعات المسلحة غير الدولية والتي تفرضها بعض وسائل القتال وأساليبه تسري أيضا على النزاعات المسلحة الدولية نتيجة لوجود بعض الغموض في تنظيم هذه الوسائل لاسيما في ما يتعلق باستخدام بعض الأسلحة وخصوصا الأسلحة التقليدية ,كالأسلحة النووية مثلاً.



المقدمة

يتضمن القانون الدولي الإنساني بعض الاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى تنظيم الأعمال العدائية , واستخدام أدوات ووسائل القتال (قانون لاهاي), حيث توجد العديد من القواعد الدولية التي تحكم سير وإدارة العمليات العدائية , فهناك بعض الأحكام التي تحد من استخدام وسائل وأساليب معينة أثناء النزاعات المسلحة , سواء كان ذلك بحظر اللجوء إلى أساليب محددة في القتال أو حظر أو تقييد استخدام أنواع معينة من الأسلحة , ويأتي تكريس هذه القواعد في قانون النزاعات المسلحة تطبيقاً لمبدأ قانون الحرب الذي يقيد من سلطة أطراف النزاع في اختيار وسائل الأضرار بالعدو.
وتهدف القواعد المتعلقة بالحد من وسائل القتال وأساليبه , إلى تنظيم سير الأعمال العدائية ومراعاة مقتضيات الضرورات العسكرية في المقام الأول , وإذا كانت هذه القواعد تجد أساسها القانوني بشكل مباشر في اتفاقيات لاهاي , إلا إن قانون جنيف أخذ بالعديد من هذه القواعد خصوصا في نطاق البروتوكولين الإضافيين لعام 1977, فبعد اتساع دائرة المحظورات والقيود التي يفرضها قانون النزاعات المسلحة على حق أطراف النزاع المسلح واختيار وسائل القتال وأساليبه , أصبح مجال تطبيق هذه القواعد التي تتضمن تلك القيود والمحظورات من المجالات الأساسية للقانون الدولي الإنساني.
وقد أوردت الأحكام المتعلقة بالنزاعات المسلحة الدولية , القواعد التي تلزم أطراف النزاع المسلح بضرورة اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة عند اختيار وسائل القتال وأساليبه (المادة 57) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 , وعلى العكس من ذلك بالنسبة للأحكام المنظمة للنزاعات المسلحة غير الدولية , إذ لم تتضمن الأحكام المنظمة لهذا النوع من النزاعات أي إشارة صريحة لواجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
وعلى الرغم من الاهتمام المحدود بالنزاعات المسلحة غير الدولية , وضيق التنظيم القانوني الدولي لها مقارنةً بالنزاعات المسلحة الدولية , إلا إن معظم القواعد المتعلقة بالحد من وسائل القتال وأساليبه هي في الأصل قواعد عرفية , وعادة ما تتميز هذه الأخيرة بأنها قواعد عامة ومرنة تطبق على جميع النزاعات المسلحة.
وتعد مسألة تنظيم الحد من وسائل القتال وأساليبه من المواضيع المهمة , فإذا كان القانون الدولي الإنساني جاء لغرض الحماية الإنسانية بالدرجة الأولى , فيجب أن يقيد حق أطراف النزاع المسلح من خلال تحريم استخدام الوسائل والأساليب التي تخلف آثاراً تخرج عن إطار الإنسانية , أي بتعبير أخر أن تكون أحكام هذا القانون ذات طبيعة وقائية تهدف إلى حماية الإنسان وتجنبه مخاطر العمليات العدائية التي لا يمكن تداركها ومعالجتها فيما لو وقعت.
ولتسليط الضوء على القواعد والأحكام المتعلقة بوسائل القتال وأساليبه أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية , سنتناول هذا الموضوع من خلال مبحثين وكالاتي:-
المبحث الأول :- النزاعات المسلحة غير الدولية والمبادئ الأساسية في القتال.
المبحث الثاني :- أساليب القتال وقواعد الحظر والتقييد للأسلحة المستخدمة.



المبحث الأول
النزاعات المسلحة غير الدولية والمبادئ الأساسية في القتال

من المعلوم ان المبادئ الأساسية التي تنظم قواعد القتال وسلوكه تسري على أي نزاع مسلح , وبغض النظر عن طبيعة ذلك النزاع المسلح سواء كان دولي أم غير دولي , وسنحاول دراسة هذا المبحث من خلال مطلبين , نتناول في المطلب الأول مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية , ونبين في المطلب الثاني المبادئ الأساسية المتعلقة بقواعد القتال وسلوكه.





المطلب الأول
مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية

إن البحث في مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية , يتضمن الكثير من التفاصيل والأمور التي تحتاج إلى بحث مطول , خصوصاً إذا ما تطرقنا إلى موقف الفقه والقضاء الدوليين من هذا الموضوع , وسنحاول بيان مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية في ضوء ما ورد في الاتفاقيات الدولية فقط , إذ توجد ثلاث مفاهيم محددة للنزاع المسلح غير الدولي وردت في الاتفاقيات الدولية , لذا سنقسم هذا المطلب إلى ثلاثة فروع , نتناول في الفرع الأول مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية في ظل المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949, ونتطرق في الفرع الثاني إلى مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية طبقاً للبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 , ونكرس الفرع الثالث لبيان مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية وفقاً لنظام روما الأساسي لعام 1998.


الفرع الأول
مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية في ظل المادة الثالثة المشتركة

لعل من أبرز ما وردّ في اتفاقيات جنيف لعام 1949 , هو إخضاع النزاعات المسلحة غير الدولية للقانون الدولي بشكل رسمي , وذلك بموجب المادة الثالثة المشتركة لتلك الاتفاقيات( ). فقد شكل المؤتمر الدبلوماسي لعام 1949 الخطوة الأولى للدول في مجال معالجة مشكلة النزاعات المسلحة غير الدولية , من خلال وضع تشريع دولي قابل للتطبيق على هذه النزاعات , إلا إن هذه المادة لم تبين صراحةً المقصود بالنزاعات المسلحة غير الدولية لكي تنطبق عليها أحكامها.
و يلاحظ على هذه المادة بأنها لم تأخذ بالمصطلحات المستخدمة في ظل القانون الدولي التقليدي , للتعبير عن النزاعات المسلحة الداخلية , كالحرب الأهلية , والثورة, والتمرد , وإنما جاءت بمصطلح جديد لتطبق أحكامها عليه وهو مصطلح "النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي" , من دون أن تضع له تعريفاً واضحاً ومحدداً , وإنما اكتفت بذكر صفته غير الدولية , والدائر في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة( ), إذ تنص المادة المذكورة على أنه (في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي , في أراضي احد الإطراف السامية المتعاقدة , يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدنى الأحكام التالية......).
ويرى البعض , إن المؤتمرين في جنيف عندما ذهبوا إلى تبني مصطلح النزاعات المسلحة غير الدولية , كانوا يقصدون بذلك الحرب الأهلية بمعناها الفني الدقيق , التي بمناسبتها يبلغ التمرد أقصى ذروته ومنتهاه من جهة تفتيت الوحدة الوطنية داخل الدولة التي أندلع فيها التمرد , مما يعني إن التنظيم الدولي بموجب المادة الثالثة المشتركة , أنصرف إلى الحرب الأهلية دون غيرها من صور النزاعات المسلحة غير الدولية الأخرى( ).
وقد اقترحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر , بعض المعايير الموضوعية في محاولة منها لإيجاد تعريف محدد للنزاع المسلح غير الدولي , يمكن أن تنطبق عليه اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وتتلخص هذه المعايير بالاتي:-
أ‌- أن يملك الطرف المتمرد قوة عسكرية منظمة , وسلطة مسئولة عن أعمالها , تعمل على جزء من الإقليم ولديها القدرة على احترام أحكام اتفاقيات جنيف الأربع.
ب‌- أن تكون الحكومة الشرعية مضطرة لاستدعاء جيشها المنظم لمحاربة المتمردين.
ت‌- أن تكون قد اعترفت للمتمردين بصفة المحاربين , وأن تدعي أنها في حالة حرب.
ث‌- إذا كان النزاع قد أدرج في جدول أعمال مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة , على انه يهدد السلم والأمن الدوليين , أو يشكل حالة العدوان.
ج‌- أن يكون للمتمردين نظام تتوافر فيه بعض خصائص الدولة( ) , إلا إن المؤتمر الدبلوماسي لم يتمكن من وضع تعريف مقبول للنزاع المسلح غير الدولي( ).
وفي ظل غياب تعريف النزاعات المسلحة غير الدولية بموجب المادة الثالثة المشتركة , بسبب عدم اتفاق أعضاء المؤتمر الدبلوماسي لعام 1949 على ذلك , أصبح هذا الأمر موضع اهتمام اللجان والمؤتمرات الدولية , لذلك أعيد النظر في موضوع النزاعات المسلحة غير الدولية من جديد في المؤتمر الدبلوماسي المنعقد من عام 1974-1977, الذي انتهى إلى وضع البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني لعام 1977 وما يهمنا ضمن موضوع البحث الإشارة إلى البروتوكول الإضافي الثاني( ).
الفرع الثاني
مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية طبقاً للبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977

حاول المؤتمر الدبلوماسي لعام 1974-1977, أن يعالج النقص الوارد في المادة الثالثة المشتركة , والمتمثل بغياب تعريف النزاعات المسلحة غير الدولية , لذلك جاء البروتوكول الإضافي الثاني الذي يتمم ويكمل المادة الثالثة المشتركة بوصفه نتاجاً لسعيً جاد للتعريف بهذا النوع من النزاعات المسلحة , وقد نص بشكل صريح على تعريف النزاعات المسلحة غير الدولية , بأنها (النزاعات التي تدور على إقليم احد الأطراف السامية المتعاقدة , بين قواته المسلحة وقوات مسلحة منشقة , أو جماعات نظامية مسلحة أخرى , وتمارس تحت قيادة مسئولة على جزء من الإقليم من السيطرة , ما يمكنها من القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة , وتستطيع تنفيذ هذا البروتوكول)( ).
ويلاحظ إن البروتوكول المذكور, قد عرف النزاعات المسلحة غير الدولية من ناحية ايجابية , بأنها ليست نزاعات دولية أو بين الدول , وأنها نزاعات مسلحة تدور في إقليم احد الأطراف المتعاقدة ( ).
والحقيقة أن البروتوكول الإضافي الثاني , قد ضيق من مفهوم النزاع المسلح غير الدولي مقارنة مع المفهوم الوارد في المادة الثالثة المشتركة , خصوصاً عندما أشترط عنصر الرقابة الإقليمية , إلى جانب اشتراطهِ كون الدولة طرفاً في ذلك النزاع , وهي الشروط الكلاسيكية نفسها التي أخذ بها القانون الدولي التقليدي( ), مما يعني أنه أقتصر على تنظيم صورة واحدة من صور النزاعات المسلحة غير الدولية , وهي الحرب الأهلية بمعناها الفني الدقيق , وبالتالي فأن النزاعات التي تدور بين مجموعتين أو أكثر من الجماعات المتمردة , لا تعد على وفق هذا البروتوكول نزاعات مسلحة غير دولية , حتى وان استوفت العناصر المذكورة في أعلاه( ).
وعلى الرغم من أهمية هذا التعريف , إلا انه لم يعالج جميع المشاكل التي أثارتها المادة الثالثة , المشتركة للأسباب التي ذكرناها , وهي(السيطرة على جزء من الإقليم , وكون الحكومة القائمة طرف في النزاع) , لذلك لم يكن هذا التعريف محل اتفاق بين كثير من الدول التي ساهمت في وضع هذا البروتوكول , كما انه يعد السبب في عزوف العديد من الدول عن القبول بوصفها أطرافاً في هذا البروتوكول , والتزمت فقط بأحكام المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949, وهذا ما أكدته بعض الوفود المشاركة في المؤتمر الدبلوماسي 1974-1977 , ومنها الوفد التركي الذي قال بأن هذا البروتوكول , وأن كان يطور ويكمل المادة الثالثة المشتركة , ويعطي وصفاً دقيقاً للنزاع المسلح غير الدولي , إلا أنه مع ذلك لا يغطي جميع الأشكال التي تتخذها النزاعات المسلحة غير الدولية( ).
وفي ضوء ما سبق , يتضح لنا أن مصطلح النزاعات المسلحة غير الدولية الوارد في المادة (1/1) من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977, مرادف لمصطلح الحرب الأهلية بمعناها الفني الدقيق , لذا فهو مصطلح ضيق جدا.
الفرع الثالث
مفهوم النزاعات المسلحة غير الدولية وفقا لنظام روما الأساسي لعام 1998

عند إنشاء المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي , واجهت الدول الأطراف في هذا النظام مشكلة تحديد مفهوم النزاع المسلح غير الدولي , وقد ابتعدت الأطراف المشاركة في معاهدة روما كثيراً عن المفهوم الذي جاء به البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 , وتبنت مفهوم أخر مشابه للتعريف الذي وضعته المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة( ) , وذلك في المادة (8/2/و) من النظام الأساسي لمحكمة روما بنصها (.... المنازعات المسلحة التي تقع في إقليم دولة عندما يوجد صراع مسلح متطاول الأجل بين السلطات الحكومية وجماعات مسلحة منظمة , أو فيما بين هذه الجماعات)( ).




المطلب الثاني
المبادئ الأساسية المتعلقة بقواعد القتال وسلوكه

كان القانون الدولي التقليدي الذي يسلم بحق الدولة المطلق في شن الحرب يقوم على أساس إن "الضرورة العسكرية ترجح قواعد الحرب" , إلا إن تطور أساليب القتال( ) ,أقتضى ضرورة تقييد حرية المتحاربين في اختيار وسائل إلحاق الأذى , بالخصم عن طريق وضع قيود عديدة على سلوك أطراف النزاع أثناء العمليات القتالية , من أجل تخفيف المعاناة والآلام التي تخلفها النزاعات المسلحة سواء كانت دولية أم غير دولية , التي يعاني منها المدنيين والعسكريين على حدٍ سواء( ).
وتعد اتفاقيتي لاهاي لعامي 1899 و1907 , أول محاولة لوضع قانون ملزم يقيد حرية أطراف النزاع المسلح في اختيار وسائل القتال وأساليبه , فقد أوردت المادة (22) من اتفاقية لاهاي لعام 1907 المبدأ الذي يقيد حرية المحاربين في اختيار وسائل الأضرار بالخصم بنصها (ليس للمتحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو), كما ورد هذا المبدأ في البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 وتحديدا في المادة (35/1) منه( ).
وتشكل هذه القواعد بمجموعها سواء كانت عرفية أم اتفاقية , المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني , وهي في الحقيقة نتاج تسويةَ بين مبدأين متعارضين وهما مبدأ الإنسانية ومبدأ الضرورة العسكرية , ويحكم هذين المبدأين مبدأ ثالث يعمل على التوفيق بين تلك الاعتبارات الإنسانية والضرورة العسكرية وهو مبدأ التناسب , وهذا ما سنحاول بيانه من خلال ثلاثة فروع كالآتي:
الفرع الأول
مبدأ الإنسانية
يقتضي هذا المبدأ توفير حماية خاصة للإنسان , فيلزم إطراف النزاع المسلح بالكف عن كل ما هو دون الضرورة العسكرية , ويدعو إلى تجنب أعمال القسوة والوحشية في القتال , خصوصا إذا كان استعمال هذه الأساليب لا تجدي في تحقيق الهدف من الحرب وهو تحقيق النصر وهزيمة العدو , فقتل الجرحى أو الأسرى أو الاعتداء على النساء والأطفال أو على المدنيين غير المشاركين في الأعمال القتالية بوجه عام كلها أمور تخرج عن إطار أهداف الحرب , ومن ثم تعد أعمال غير إنسانية( ).
وعادة ما يميز هذا المبدأ قانون حماية ضحايا النزاعات المسلحة , وذلك لان مبدأ الضرورة العسكرية , لا يمكن أن يسوغ القضاء على من لم يعد قادرا على حمل السلاح ومواصلة القتال , أو من لا يشارك فيه أصلا( ), وقد قامت اتفاقيات جنيف لعام 1949على أساس الالتزام بتوفير المعاملة الإنسانية للأشخاص المحميين , وأوجبت أن يحكم هذا المبدأ أطراف النزاع المسلح بوصف ذلك حداً أدنى من جهة سلوك القتال والوسائل المستخدمة فيه , وهذا ما أخذ به البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977( ).
كما أخذ قانون النزاعات المسلحة غير الدولية بهذا المبدأ و أكده , إذ ألزم أطراف النزاع المسلح غير الدولي أن يعاملوا الأشخاص المحميين في جميع الأحوال معاملة إنسانية من دون أي تمييز مجحف يقوم على أساس العنصر أو اللون أو الدين أو المعتقد أو الجنس أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل أخر( ).

الفرع الثاني
مبدأ الضرورة العسكرية

يعد هذا المبدأ , من أهم المبادئ الأساسية التي قام عليها القانون الدولي الإنساني , ويقصد بمبدأ الضرورة العسكرية بشكل عام , هو التزام أطراف النزاع المسلح باستخدام القوة الضرورية لتحقيق هدف القتال الذي يتمثل بشل قوة الخصم والانتصار عليه , ومن ثم فإن كل استخدام للقوة المسلحة يتجاوز تحقيق الهدف من القتال يصبح دون مسوغ من مسوغات الضرورة العسكرية , ومن ثم يعد عملا غير مشروع( ) , فهذا المبدأ يدور في إطار فكرة تتمثل في إن استخدام أساليب القوة والعنف والخداع في الحرب , تقف عند قهر العدو وتحقيق الهدف من الحرب وهو الانتصار على العدو, ولا يجوز للطرف المنتصر الاستمرار والتمادي في مواصلة الأعمال العدائية ضد الطرف الأخر( ).
ولا يمكن الأخذ بهذا المبدأ بشكل مطلق , فقد وضع القانون الدولي الإنساني حدوداً له , إذ لم يُجز الدفع بوجود ضرورة عسكرية لتسويغ القيام بفعل محظور , كتدمير الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين أو مهاجمة الأهداف التي تحتوي على قوى خطرة حتى إذا كانت هدفاً عسكرياً في بعض الأحيان( ).
ويدخل هذا الأمر في ضمن واجبات القادة العسكريين في الميدان , فهم مُلزمون بالعمل على منع انتهاك القانون الدولي الإنساني , ومما لا شك فيه إن تجاوز حالة الضرورة العسكرية يشكل انتهاكاً لهذا القانون , فإذا كان عمل القادة العسكريين في الميدان يقتصر بشكل أساسي على هزيمة العدو والانتصار عليه , إلا إن هذا العمل مقيد بعدم تجاوز الحدود التي لا يقرها القانون الدولي الإنساني ومن ثم فهم ملزمون باتخاذ الاحتياطات اللازمة لحصر الخسائر والإضرار التي تلحق بالمدنيين والأعيان المدنية في أضيق نطاق ممكن( ).
وعلى الرغم من تباين أراء الفقهاء حول مشروعية العمليات العسكرية الحربية أو عدم مشروعيتها تلك التي تقع في ظل قيام حالة الضرورة ( ), إلا إننا نتفق مع الاتجاه الذي يذهب إلى أنها من المبادئ المهمة التي اخذ بها القانون الدولي الإنساني , ولكن يجب أن تقدر هذه الضرورة بقدرها فلا يجوز أن تتخذ ذريعةً لخرق قوانين الحرب و أعرافها , ففي هذه الحالة تنتفي الغاية من وجودها وتخرج من إطار الأعمال المشروعة وتصبح عملا محظوراً.
فمبدأ الضرورة يعني عدم تجاوز مقتضيات الحرب , وهي تحقيق النصر وإضعاف قدرة العدو بالطرق و الأساليب التي لا تخالف أي حكم من قوانين الحرب , سواء كان هذا الحكم قد تقرر بموجب قاعدة عرفية أو اتفاقية , فمثلا لا يجوز مهاجمة الأهداف المدنية حتى لو كانت خالية من السكان المدنيين لعدم وجود ضرورة تسوغ ذلك ( ).
وقد أخذت اتفاقيات جنيف لعام 1949 بفكرة الضرورة العسكرية التي قد تمليها ظروف القتال , وجعلت منها مسوغاً لبعض الانتهاكات الجسيمة لأحكامها , فقد أشارت هذه الاتفاقيات إلى أن تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها على نطاق واسع يُعد انتهاكا جسيما لهذه الاتفاقيات ما لم تبرره الضرورات الحربية ( ).
كما أخذ قانون النزاعات المسلحة غير الدولية بمبدأ الضرورة العسكرية , فقد أشارت المادة (15) من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977, إلى حظر مهاجمة المنشآت المحتوية على قوى خطرة حتى لو كانت أهدافاً عسكرية , إذا كان من شان ذلك أن يلحق خسائر فادحة بالسكان المدنيين , كما حظرت المادة (17) من البروتوكول ذاته الترحيل القسري للمدنيين , ما لم تبرره الضرورات العسكرية الملحة.
وأخذ بهذا المبدأ أيضا الإعلان المتعلق بتسيير الأعمال العدائية أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية لعام 1990 في الفقرة (8) منه , التي تلزم أطراف النزاع باتخاذ تدابير احتياطية عند شن أي هجوم.

الفرع الثالث
مبــــــــدأ التناسب
يعد مبدأ التناسب , أحد المبادئ الجوهرية التي يجب تطبيقها أثناء النزاعات المسلحة سواء كانت دولية أم غير دولية , لأنه يهدف إلى الحد أو التقليل من الخسائر و أوجه المعاناة المترتبة على العمليات العسكرية سواء بالنسبة للأشخاص أو الأشياء( ).
ويعد هذا المبدأ من المسائل الدقيقة التي يصعب تحقيقها في بعض الأحيان أثناء القتال وإدارة العمليات الحربية ( ) ,إذ يحظر القانون الدولي الإنساني الهجمات غير المتناسبة من أجل إنقاذ المدنيين والأعيان المدنية من آثار الحرب بقدر الإمكان.
ويقصد بالهجوم غير المتناسب , بأنه (الهجوم الذي يتوقع منه أن يسبب خسائر في أرواح المدنيين أو أصابتهم , أو يلحق أضرارا بالأعيان المدنية , أو أن يجمع بين هذه الخسائر والأضرار بشكل يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة).( )
ويعتمد مبدأ التناسب على تحقيق التوازن بين أمرين جوهريين , هما الميزة العسكرية المتوقعة من أعمال القتال من جانب , والخسائر التي تلحقها هذه العمليات بالمدنيين والأعيان المدنية من جانب أخر, ويشترط في الميزة العسكرية أن تكون متوقعة , وتتحقق عادة من خلال السيطرة على جزء من الإقليم أو تدمير القوات العسكرية للعدو أو أضعافها , كما يشترط فيها أن تكون "ملموسة ومباشرة" وقد أشار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998, إلى هذه الشروط بنصه (....بالقياس إلى مجمل الميزات العسكرية المتوقعة والملموسة والمباشرة)( ) ,بمعنى أن تكون هذه الميزة كبيرة ومباشرة نسبياً , ولا يجوز أن تكون محتملة الوقوع في المدى البعيد , وبخلاف ذلك نكون أمام مشكلة عدم التناسب بين الخسائر والأضرار المدنية الواقعة من جانب والميزة العسكرية المتوقعة من جانب آخر, وهو ما يشكل انتهاكاً صارخا لمبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي الإنساني , وفي حالة حصول شك أو تردد في مسألة تحقق مبدأ التناسب أو عدم تحققه , فيجب أن يفسر هذا الشك لمصلحة السكان المدنيين والقول بعدم تحقيق التناسب , لأن القانون الدولي الإنساني يشترط دائما إعطاء الأولوية في الاهتمام لمصلحة السكان المدنيين والأعيان المدنية , وذلك لأنه حتى في الهجمات التي قد تكون مشروعة وتستند إلى قاعدة التناسب وغيرها من المبادئ القانونية الأخرى تتسبب في معاناة رهيبة للمدنيين( ) .
وجدير بنا أن نذكر بأن مبدأ التناسب لم يرد في الأحكام المنظمة للنزاعات المسلحة غير الدولية بشكل صريح , لا في المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949, ولا في البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977وانما ورد بشكل ضمني , غير انه تم دمجه في نصوص أخرى تنطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية , إذ ورد المبدأ المذكور في الفقرة (8) من الإعلان المتعلقة بتسيير الإعمال العدائية في النزاعات المسلحة غير الدولية الصادر عام 1990( ).
كما أخذ به النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية , الذي عد إن "تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها ما لم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء ما تحتمه ضرورات الحرب , في ضمن الانتهاكات الجسيمة التي تعد من جرائم الحرب , إذ يشير هذا النص إلى مفهوم الضرورة العسكرية والى مبدأ التناسب التي لا يجوز الخروج عليها في النزاعات المسلحة غير الدولية( ).
فضلا عن ذلك , ورد مبدأ التناسب في القانون الدولي العرفي الذي يطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية ( ), لذا يمكن القول إن مبدأ التناسب يعد قاعدة عرفية تواتر على تطبيقها أطراف النزاعات المسلحة , واستقرت في ضمير الجماعة الدولية منذ القدم , وهذا بحد ذاته كفيل على توفير الحماية الدولية للمدنيين والأعيان المدنية ضد أخطار النزاعات المسلحة , كما أشار قانون لاهاي إلى هذا المبدأ في نصوص عديدة , فعلى سبيل المثال ورد مبدأ التناسب في البروتوكول الثاني بشأن حظر أو تقييد استعمال الألغام والإشراك والنبائط الأخرى لعام 1980, حيث نصت المادة (3/3) منه على أن (يحظر استعمال العشوائي للأسلحة التي تنطبق عليها هذه المادة , ويعد استعمالا عشوائيا أي نصت لمثل هذه الأسلحة......., ج- يمكن أن يتوقع منه أن يودي عرضاً إلى قتل مدنيين أو جرحهم أو إتلاف أعيان مدنية أو إلى مزيج من ذلك على وجه يكون مفرطاً بالقياس إلى الفائدة العسكرية الملموسة والمباشرة المنتظرة منه).
كما أخذ دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المنطق في النزاعات المسلحة في البحار الذي أعد في المدة من عام (1988-1994) بمبدأ التناسب إذ نص البند (46/ج) منه على انه (يجب الامتناع عن شن أي هجوم إن كان من المتوقع أن يسبب خسائر أو أضرار عرضية مفرطة , مقارنة مع الفائدة العسكرية المباشرة والملموسة التي يرتقب جنيها)
وخلاصة القول نرى انه يجب على الأطراف في أي نزاع مسلح , أن يلتزموا بقاعدة التوازن بين الاعتبارات الإنسانية والضرورة العسكرية , فإذا كانت الأعمال العسكرية مشروعة من الناحية القانونية من اجل إلحاق الهزيمة بالعدو وتحقيق النصر , فإن هذه الإعمال مقيدة بحدود معينة يجب أن لا تتجاوزها بما يؤدي إلى إلحاق الأذى بالمدنيين أو الأضرار بهم , فهذه الأمور تعد محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني , لذلك فعلى الأطراف المتحاربة أن لا يحدثوا من الأذى على الخصم بما لا يتناسب مع هدف القتال.
المبحث الثاني
أساليب القتال وقواعد الحظر والتقييد للأسلحة المستخدمة

نظم القانون الدولي الإنساني القواعد المتعلقة بوسائل القتال وأساليبه , وأورد عليها بعض القيود التي يتعلق بعضها بأساليب القتال ويرد البعض الآخر على الأسلحة المستخدمة فيه , ولبيان هذا الموضوع وجدنا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين , نتناول في المطلب الأول القيود المفروضة على أساليب القتال , ونتطرق في المطلب الثاني إلى القواعد المتعلقة بحظر أو تقييد بعض الأسلحة أثناء القتال.




المطلب الثالث
القيود المفروضة على أساليب القتال

إذا كان تنظيم وسائل القتال وأساليبه قد ورد بشكل أساسي في اتفاقيات لاهاي لعامي (1899-1907), فإن هذه الأخيرة تتضمن قواعد قليلة تتعلق بتنظيم أساليب الحرب , مقارنة بالتطور اللاحق على اعتماد هذه الاتفاقيات في مجال وسائل الحرب وطرق استخدامها , لذلك ظهرت الحاجة إلى وضع قواعد جديدة تتماشى مع التطور الحاصل في أساليب القتال , وقد تضمنت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977 الأحكام التي تتعلق بتنظيم بعض وسائل القتال وأساليبه.
وسنحاول بيان القيود المفروضة على وسائل القتال وأساليبه الواردة في القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة غير الدولية, بوصفها داخله في نطاق بحثنا, وذلك من خلال أربعة فروع على النحو الأتي:

الفرع الأول
التمييز بين المحاربين والأشخاص المدنيين
يعد مبدأ التمييز بين المحاربين والمدنيين , من أهم القيود الواردة على وسائل القتال وأساليبه المطبقة على النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية , ويلعب هذا المبدأ دورا أساسيا في الحد من آثار النزاع المسلح لاعتبارات إنسانية ( ), وقد ورد هذا المبدأ لأول مرة في إعلان سان بطرسبرغ , الذي نص على إن الهدف المشروع الوحيد الذي يجب على الدول أن تسعى إلى تحقيقه أثناء الحرب , هو إضعاف القوات العسكرية ( ), كما ورد بشكل ضمني في لائحة لاهاي لعام 1907( ).
وقد واجه تطبيق هذا المبدأ صعوبات كبيرة , على الرغم من إن المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977, بينت أهمية التزام أطراف النزاع المسلح بهذه القاعدة من أجل تأمين احترام السكان المدنيين والأعيان المدنية وحمايتهم من آثار القتال , بسبب الغموض الذي يكتنفه خصوصا عندما أصبحت الشعوب أطرافا في النزاعات الحديثة , كما إن هنالك عوامل أخرى ساعدت على انهيار هذا المبدأ , منها على سبيل المثال زيادة عدد المقاتلين , وتطور أساليب الحرب وفنونها , واستخدام الحرب الاقتصادية , وتزايد النزاعات لمسلحة ( ).
وإذا كان الأمر كذلك فإن النزاعات المسلحة غير الدولية تمثل التحدي الأكبر أمام تطبيق هذا المبدأ , وذلك بحكم طبيعة هذه النزاعات التي تدور بين طرفين احدهما على الأقل ليس من أفراد القوات المسلحة , ولا يرتدي زيا عسكريا لغرض التمييز , كما في النزاعات المسلحة الدولية هذا من جانب( ), ومن جانب آخر إن البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977, لم ينص صراحة على مبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين , كما هو الحال بالنسبة للبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977, إلا إن بعض مواد البروتوكول الثاني لعام 1977 أشارت ضمنا إلى هذا المبدأ , فمثلا تحظر المادة (13/2) من هذا البروتوكول جعل السكان المدنيين وكذلك الأفراد المدنيين محلا للهجوم , كما تشير الفقرة الثالثة من المادة ذاتها من البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 , وكذلك المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 إلى "حماية الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية".
وهذا يعني إن شرط التمييز بين المقاتلين والمدنيين يسري على النزاعات المسلحة غير الدولية , وقد أكد الإعلان الصادر عن المعهد الدولي للقانون الدولي الإنساني عام 1990 هذا المبدأ بشكل صريح فقد جاء في ديباجته على "أن القواعد التالية تعتبر من قواعد القانون الدولي الوضعي الذي هو في طور التكوين" وقد أشارت الفقرة الأولى إلى إن "الالتزام بالتميز بين المحاربين والأشخاص المدنيين , هو قاعدة عامة تسري أثناء أي نزاع مسلح غير دولي , وتحظر بخاصة الهجمات العشوائية"( ).
كما جاء النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 ببعض الأحكام القانونية التي تتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية , وقد أكد بعضها على وجوب التمييز بين المدنيين والمقاتلين( ).
ولكن مع ذلك توجد بعض التحديات التي تواجه تطبيق مبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين في النزاعات المسلحة غير الدولية , ومن أهمها هو كيفية التميز بينهما , ففي النزاعات المسلحة الدولية عادة ما يعرف المقاتلون من جهة مشروعية مشاركتهم في القتال من خلال كونهم أعضاء في القوات المسلحة , ويرتدون الزي العسكري للطرف الذي ينتمون إليه , ولكن الوضع يختلف تماماً بالنسبة للنزاعات المسلحة الداخلية لأن أحد أطراف النزاع أو كلاهما لا ينتمون إلى القوات المسلحة النظامية , ولا يرتدون زياً محدداً , فما هو معيار التمييز إذاً بين المدنيين والمقاتلين؟
في الحقيقة يرى بعض الفقهاء إن معيار التمييز بين المقاتلين والمدنيين في النزاعات المسلحة غير الدولية , يتحدد من خلال المشاركة بصورة مباشرة في العمليات العدائية , فالمقاتلون هم فقط الأشخاص الذين يكون لهم دور مباشر في العمليات القتالية , ومن ثم يفقد المدنيون صفتهم هذه ويصبحون مقاتلين أو محاربين عندما يقومون بدور مباشر في العمليات القتالية , ويفقدون الحماية الدولية الممنوحة لهم , وذلك أستناد إلى المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 المادة (13/3), إذ يعدان الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية , من طائفة المدنيين الذين يجب أن يتمتعوا بالحماية العامة من خطر الأعمال العدائية( ).
وهذا يعني إن أطراف النزاع المسلح غير الدولي ملزمون بتطبيق هذا المبدأ , وقد أكد القضاء في نيجيريا ذلك في قضية رفعت أمام محكمة نيجيريا العليا , وقررت بأنهُ لا يجوز للمتمردين التظاهر بأنهم مدنيون أثناء اشتراكهم في العمليات القتالية ( ).
ونقترح أن أفضل سبيل لهذا التمييز , هو سلوك الاتجاه نفسه الذي اخذ به البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 بالنسبة لمقاتلي حروب التحرير الوطني , إذ اشترط "العلامة المميزة , وحمل السلاح بشكل ظاهر" بوصفهما شرطين أساسين لتمييز المقاتلين , بل نقترح إن يكون توافر أحد هذين الشرطين يكفي لتمييز المقاتلين في النزاعات المسلحة غير الدولية , وعلى الأخص الشرط الثاني المتمثل بحمل السلاح بشكل ظاهر.
الفرع الثاني
حظر اللجوء إلى الغدر إثناء القتال مع جواز الحيل الحربية
لقد فرق القانون الدولي الإنساني بين الغدر والحيل الحربية من جهة مشروعية كلّ منهما أثناء القتال , فقد حظر الأول وأجاز الثاني بوصفه وسيلة من وسائل القتال( ).
والواقع أن هذه القاعدة الراسخة في قانون النزاعات المسلحة ليست قاعدة حديثة , بل هي قاعدة قديمة العهد , تستمد أصولها من قوانين الحرب وأعرافها قبل تجسيدها في لائحة لاهاي( ) ,إذ عدت هذه الأخيرة , أن من بين المحظورات الواردة فيها على الأخص "قتل أو جرح أفراد الدولة المعادية أو الجيش المعادي باللجوء إلى الغدر"( ), وقد نص البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على حظر الغدر بوصفه أسلوباً من أساليب القتال , وذلك في المادة (37/1) التي عرفت الغدر بأنه (الأفعال التي تستثير ثقة الخصم مع تعمد خيانة هذه الثقة , وتدفع الخصم إلى الاعتقاد بأن له الحق في الحماية , وأن عليه التزاماً بمنح الحماية طبقا لقواعد القانون الدولي المنطبقة في النزاعات المسلحة)( ).
ولم يرد في المادة الثالثة المشتركة ولا في البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 نص صريح يحرم اللجوء إلى الغدر أثناء القتال , ولكن حرم إعلان المعهد الدولي للقانون الإنساني لعام 1990الغدر بشكل صريح في الفقرة (4) التي نصت على "حظر قتل أي شخص أو إصابته بجروح أو اعتقاله باللجوء إلى الغدر هو قاعدة عامة تسري أثناء أي نزاع مسلح غير دولي.....".
هذا على خلاف الحيل الحربية أو ما يسمى بالخداع أثناء الحرب , فهي ليست محظورة ولا تعد من أفعال الغدر, وقد أشار البعض إلى أن الحيل الحربية تعد من المبادئ المشتركة التي وردت في قانون لاهاي وقانون جنيف.( ) لأنها لا تثير ثقة الخصم بقصد خيانته( ).
ويعرف البعض الخدع الحربية , بأنها (الأفعال التي يقصد بها تظليل العدو)( ) ,أو هي (الأعمال التي تستهدف إيقاع الخصم بالخطأ , أو جعله يقوم بأفعال ليست حذرة , ولكن بدون أن تخرق أي قاعدة من قواعد القانون الدولي المنطبق في النزاعات المسلحة)( ).
وتُمثل الخدع الحربية بوصفها أسلوباً مباحاً في أثناء النزاعات المسلحة بأعمال عديدة , مثل "استخدام التمويه أو التظليل , أو الإيهام أو الترويج لمعلومات خاطئة , أو استخدام عنصر المفاجأة أو الكمائن , أو إصدار إشارات غير صحيحة للطائرات المعادية التي تهبط في إقليم العدو , و غيرها من الأساليب الأخرى"( ).
وعلى الرغم من خلو البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 من أي حكم ينص صراحة على إباحة الخدع الحربية بوصفها أسلوباً من أساليب القتال , إلا إن هذه القاعدة وردت في كتيبات الدليل العسكري التي تنطبق أو جرى تطبيقها في النزاعات المسلحة غير الدولية( ), وقد أقرت المحكمة الدستورية في كولومبيا ضمنا بإمكانية تطبيق الخدع الحربية في النزاعات المسلحة غير الدولية , وذلك في الحكم الذي أصدرته عام 1997 , عندما أشارت إلى أن استخدام التكتيك العسكري والخدع الحربية , يجب أن يكون على وفق القواعد الدستورية( ).
الفرع الثالث
حظر الأمر بعدم إبقاء احد على قيد الحياة

يحظر القانون الدولي الإنساني إدارة العمليات العدائية على أساس أعطاء الأمر بعدم إبقاء احد على قيد الحياة أو تهديد الخصم بذلك , فهذا القانون وان كان يبيح استخدام الوسائل والأساليب الضرورية لتحقيق الهدف من القتال في إطار مبدأ التناسب , بما في ذلك قتل مقاتلي الطرف الخصم طالما ظلوا قادرين على مواصلة القتال , إلا انه يحظر قتل الأفراد (المقاتلين) الذين يعلنون عن نيتهم بالاستسلام بعد أن يلقوا السلاح ويصبحون عاجزين عن القتال , ومن ثم لا يجوز أن يكونوا هدفاً للقتال , فهذه القاعدة تستهدف حماية المقاتلين العاجزين عن القتال , بسبب استسلامهم و إلقائهم السلاح ووقوعهم في قبضة الخصم فعليا( ).
فهذه القاعدة تعني أن الطرف الذي يصدر الأمر بعدم إبقاء احد على قيد الحياة يعلن صراحة انتهاكه للقواعد القانونية المتعلقة بأسرى الحرب , التي تُعد من أهم المبادئ التي أكدها القانون الدولي الإنساني( ), ومنعت أكثر القوانين والاتفاقيات الدولية الأمر بعدم إبقاء أحد على قيد الحياة , فقد ورد عليه الحظر في قانون ليبر وإعلان بروكسل ودليل أكسد فورد( ) ,كما تم حظره في دليل سان ريمو بشان القانون الدولي المطبق على النزاعات المسلحة في البحار( ).
كما وردت هذه القاعدة في بعض الاتفاقيات الحديثة للقانون الدولي الإنساني , منها مثلا البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الذي نص في المادة (40) بشكل صريح على "حظر الأمر بعدم إبقاء احد على قيد الحياة أو تهديد الخصم بذلك , أو أدارة العمليات العدائية على هذا الأساس"( ).
وعلى قدر ما يتعلق الأمر بالنزاعات المسلحة غير الدولية , أشار البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 ,إلى حظر مبدأ إعطاء الأمر بعدم إبقاء احد على قيد الحياة , فقد نصت على ذلك المادة (4/1) التي جاءت تحت عنوان "الضمانات الأساسية" بنصها (.....ويحظر الأمر بعدم إبقاء احد على قيد الحياة) , كما اعتبر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن "إعلان انه لن يبقى احد على قيد الحياة" يعد من الانتهاكات الجسيمة التي تشكل جريمة حرب أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية( ).
بالإضافة إلى ذلك تتضمن كتيبات الدليل العسكري المنطبقة أو التي جرى تطبيقها في النزاعات المسلحة غير الدولية , حظر إعطاء أمر بعدم إبقاء احد على قيد الحياة.( ) فهذا العمل يشكل انتهاكا جسيما لجميع الأحكام المنظمة للنزاعات المسلحة غير الدولية , لأنه يؤدي إلى قتل الأشخاص العاجزين عن القتال( ) .
وقد أشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مبدأ حظر الأمر بعدم إبقاء احد على قيد الحياة , ففي أثناء النزاع المسلح الداخلي الذي وقع في انغولا عام1992 أطراف النزاع (..... بوجوب الامتناع دائما عن الأمر بقتل جميع الباقين على قيد الحياة .....)( ).

الفرع الرابع
حظر الأعمال الانتقامية والآلام التي لا مبرر لها

أكد القانون الدولي الإنساني , ضرورة تجنب الأعمال الانتقامية في النزاعات المسلحة , لذلك استقر مبدأ حظر الأعمال الانتقامية ضد الأشخاص المحميين في القانون الدولي العرفي والتشريعي , وتعد الأعمال الانتقامية التي تتخذ أثناء النزاع المسلح إجراءات استثنائية وغير مشروعة في ذاتها , يطبقها طرف في النزاع لإجبار الطرف الأخر على احترام قانون النزاعات المسلحة( ).
ويقصد بالأعمال الانتقامية , بأنها (إجراءات أكراه , مخالفة للقواعد العادية للقانون الدولي , تتخذها دولة ما اثر أعمال غير مشروعة ارتكبتها ضدها دولة أخرى , وتهدف إلى إجبار هذه الأخيرة بواسطة الضرر على احترام القانون الدولي)( ).
وجاءت اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 بأحكام تحرم الأعمال الانتقامية بوصفها أسلوباً من أساليب القتال( ) ,وقد حظر البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الأعمال الانتقامية بشكل صريح في مواضع عديدة( ), ولم يرد البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 ذكر الأعمال الانتقامية بشكل صريح , إلا أنه يمكن الاستدلال على هذا المبدأ بشكل ضمني في الفقرة الثانية من الإعلان المتعلق بتسيير الأعمال العدائية في النزاعات المسلحة غير الدولية لعام 1990, التي جاءت بحكم عام تحت عنوان "حصانة السكان المدنيين"( ).
أما مبدأ حظر الآلام التي لا مبرر لها , فيُعد من أبرز القيود التي ترد على حق الأطراف المتنازعة في اختيار وسائل القتال وأساليبه , ويتمثل هذا المبدأ أساساَ في التزام الأطراف المتحاربة عند استخدامها أي وسائل أو أساليب قتالية , باتخاذ العناية الواجبة والاحتياطات اللازمة من أجل حماية السكان المدنيين والأعيان المدنية من الآثار الضارة والمدمرة لهذه الوسائل أو تلك الأساليب( ) , وقد عرفت محكمة العدل الدولية الآلام الغير مبررة , بأنها (الضرر الذي لا محيد عن أحداثه من أجل تحقيق أهداف عسكرية مشروعة)( ).
وإذا كانت أكثر الاتفاقيات والإعلانات والقرارات الدولية قد نصت على حظر مبدأ الآلام التي لا مبرر لها , إلا إن هناك بعض الصعوبات الموضوعية التي تعترض تطبيق هذا المبدأ من الناحية الواقعية , و تكمن هذه الصعوبة في تحديد ماهية الآلام التي لا مبرر لها , التي يمكن الوصول إليها من خلال التمييز بين القدر المتوقع أو المفترض تحمله من الآلام الناشئة عن أعمال القتال وبين الآلام التي تتجاوز هذا النطاق , ومن ثم تكون غير مبررة أو زائدة عن الحد المعقول والممكن تحمله.
كما أن هناك مشكلة أخرى , تتمثل في أن أي آلام حتى ولو كانت ضئيلة تعد من وجهة نظر الطرف المضار آلام لا مبرر لها , ولهذا يجب الأخذ بنظر الاعتبار مبدأ الموازنة بين طبيعة وحجم الآلام التي لحقت بالطرف المعني , وبين ما تفترضه مقتضيات الضرورة العسكرية , وفضلا عن ذلك تؤدي الاعتبارات والمصالح السياسية دوراً واسعاً في تحديد ما إذا كانت الآلام الحاصلة تًعد من نوع الآلام التي لا مبرر لها أم لا( ), ومع اختلاف الآراء حول كيفية التحديد فعلياً بأن وسيلةً أو أسلوباً ما يسبب إصابات أو ألاما لا مبرر لها , فإن الدول كافة , تتفق على أن الآلام التي ليس لها غرض عسكري هي انتهاك لهذه القاعدة , فهذه الأخيرة تتطلب احتساب التوازن بين الضرورة العسكرية من جهة والآلام المتوقعة من جهة أخرى( ).
وينطبق مبدأ حظر الآلام التي لا مبرر لها في النزاعات المسلحة الدولية على النزاعات المسلحة غير الدولية على الرغم من عدم النص عليه في المادة الثالثة المشتركة والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977( ), وأن قابلية التطبيق في هذا النوع من النزاعات المسلحة مفروض لأسباب إنسانية أولية.
ومع ذلك ورد حظر هذا المبدأ في الإعلان المتعلق بتسيير الأعمال العدائية في المنازعات المسلحة غير الدولية لعام 1990 , إذ جاءت الفقرة الثالثة بعنوان "حظر الآلام التي لا داعي لها" بنصها (حظر الآلام التي لا داعي لها , هو قاعدة عامة تسري أثناء أي نزاع مسلح غير دولي , وتحظر وبخاصة اللجوء إلى وسائل القتال التي تضاعف دون جدوى عذاب الأشخاص العاجزين عن القتال , أو التي تجعل موتهم أمراً محتوماً), هذا فضلاً عن إدراج العديد من الدول هذه القاعدة في كتيبات الدليل العسكري المطبقة أو التي جرى تطبيقها في النزاعات المسلحة غير الدولية , كما تضمنتها تشريعات دول عديدة( ) .
المطلب الرابع
حظر أو تقييد استعمال أسلحة معينة أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية

إن التنظيم القانوني لاستخدام بعض الأسلحة أثناء النزاعات المسلحة يتضمن نوعين من القواعد , نوع يقيد استخدام بعض الأسلحة بينما يحظر النوع الأخر بعض الأسلحة , ويستند هذا الحظر والتقييد( ), إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والعرفي , وذلك بالنظر إلى طبيعة الآثار التي تترتب عليها , لأن الأسلحة تختلف في مدى تأثيرها وما تخلفه من آلام وما تسببه من إصابات تبعا للغرض الذي صنعت لتحقيقه , والهدف الذي خصصت من أجل التعامل معه , لذلك تم حظر بعضها بينما قيد استعمال بعضها الأخر, بهدف حصر آثار النزاع المسلح بين المقاتلين والأهداف العسكرية فقط.
ويرد الأساس القانوني لحظر استخدام بعض الأسلحة أو تقييد استخدامها في النزاعات المسلحة في قواعد قانونية عديدة , فقد اخذ القانون الدولي ألاتفاقي هذه القاعدة منذ صدور أول وثيقة قانونية دولية مدونة , تتمثل في إعلان "سان بطرسبرج" لعام 1868 الذي يتعلق بحظر استعمال بعض القذائف في زمن الحرب التي لا يقل وزنها عن (400) غرام( ) ,وأن استخدام أي نوع من أنواع الأسلحة لم يذكر بشكل صريح في الاتفاقيات الدولية , فإنه يبقى خاضعا للمبدأ الذي ينص على أن "يظل المدنيون والمقاتلون تحت حماية وسلطة مبادئ القانون الدولي العرفي , ومبادئ الإنسانية , وما يمليه الضمير العام " وذلك استنادا إلى شرط مارتنز( ), الذي أصبح جزأً أساسياً في كل من فرعي القانون الدولي الإنساني (قانون لاهاي وقانون جنيف), وهذا يعني ان هذا الشرط الأخير له دور مكمل لكل قواعد القانون الدولي الإنساني , ومنها القواعد التي تحظر بعض الأسلحة أو تقيد من استخدامها , لأنه يندر وجود اتفاقية دولية تحرم او تقيد استخدام سلاح ما كاملة او غير ناقصة( ).
وفي نطاق الحظر والقيود الواردة على استخدام الأسلحة , لا يوجد أي تمييز بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية , فإذا كانت المادة الثالثة المشتركة والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977,لا يتضمنان أي قاعدة تحظر بعض الأسلحة , إلا أنها تكون محظورة بموجب العرف الدولي , ولكن مع ذلك ورد الحظر أثناء النزاعات المسلحة الداخلية في بعض الاتفاقيات والوثائق الدولية التي سنأتي على ذكرها , هذا بالإضافة إلى أن الدول لا تملك عادة منظومة أسلحة عسكرية تختلف في النزاعات المسلحة الدولية عنها في النزاعات المسلحة غير الدولية.
وعدت العديد من الدول أن حظر الأسلحة العشوائية( ), يستند إلى مبدأ وجوب التمييز بين المدنيين والمقاتلين , وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية( ) ,وهذا مبدأ ورد في جميع الاحكام التي تتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية أيضا .
وسنحاول أن نذكر على سبيل المثال بعض الأسلحة العشوائية التي ورد عليها الحظر في القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة غير الدولية فيما يأتي:
أولا : الأسلحة الكيميائية
تحظر العديد من الاتفاقيات الدولية استخدام الأسلحة الكيميائية في النزاعات المسلحة , فقد ورد الحظر عليها مع تبني إعلان لاهاي الموقع في 22/تموز/1899 بشأن حظر استخدام القذائف التي تستهدف نشر الغازات الخانقة , ويعد هذا الإعلان أول نص يتعلق بحظر الأسلحة الكيميائية , ثم جاء بعد ذلك بروتوكول جنيف لعام 1925, الذي يتعلق بحظر استعمال الغازات الخانقة او السامة او أية سوائل أو مواد أو وسائل مشابهه لها من بينها المواد الكيماوية( ), واستكمالاً لهذا البروتوكول , تم حظر الأسلحة الكيميائية بشكل مطلق في اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيميائية وتدميرها والمسماة باختصار "اتفاقية الأسلحة الكيميائية"( ), التي عرفت الأسلحة الكيميائية في المادة (2) منها بنصها (1- يقصد بمصطلح الأسلحة الكيماوية مايلي مجتمعا او منفردا :
أ‌- المواد الكيميائية السامة وسلائفها فيما عدا المواد المعدة منها لإغراض غير محظورة بموجب هذه الاتفاقية , ما دامت الأنواع والكميات متفقة مع هذه الأغراض.
ب‌- الذخائر والنبائط المصممة خصيصا لأحداث الوفاة أو غيرها من الاضرار عن طريق ما ينبعث نتيجة استخدام مثل هذه الذخائر والنبائط من الخواص السامة للمواد الكيميائية السامة المحددة في الفقرة الفرعية (أ).
ج- أي معدات مصممة خصيصا لاستعمال يتعلق مباشرة باستخدام مثل هذه الذخائر والنبائط المحددة في الفقرة الفرعية (ب).
اما نطاق الحظر الوارد على استخدام الاسلحة الكيميائية , فإنه ينطبق في كل النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية( ), كما تضمنت كتيبات عسكرية عديدة تنطبق أو جرى تطبيقها في النزاعات المسلحة غير الدولية على حظر استخدام الاسلحة الكيميائية , بالإضافة إلى تشريعات بعض الدول( ).
وقد ذكرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة في قضية تاديش عام 1995 بهذا الحظر , عندما أشارت إلى أن المجتمع الدولي أدان استخدام العراق للاسلحة الكيميائية ضد الأكراد , كما ذكرت هذه المحكمة في نفس القضية أن هناك إجماعا عاما قد نشأ من المجتمع الدولي حول المبدأ الذي يفيد بأن استخدام الأسلحة الكيميائية محظور أيضا في النزاعات المسلحة الداخلية( ).
كما ذكرت اللجنة الدولية للصليب الاحمر اثناء النزاع المسلح في انغولا عام 1949 ,اطراف النزاع المسلح بحظر استخدام الاسلحة الكيميائية , على الرغم من ان انغولا لم تكن طرفاً في اتفاقية حظر الاسلحة الكيميائية( ).
وأشارت اللجنة الدولية للصليب الاحمر أيضا , إلى أن استخدام الأسلحة – الكيميائية يشكل انتهاكاً للحق في الحياة , كما نصت عليه المادة (6) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966, وقد استنكرت هذه اللجنة بشدة استخدام العراق للاسلحة الكيميائية في قرية حلبجة في منطقة كردستان العراق في بيان صحفي رقم 1567 الصادر في 13/اذار 1988 عندما قالت بأن (استعمال الأسلحة الكيميائية ضد العسكريين او المدنيين محرم في كل الاوقات لأن القانون الدولي يمنعه منعا باتا)( ), وهذا يعني أن هذا السلاح محظور في كل النزاعات المسلحة أياً كان نوعها دولية أم غير دولية.
ثانيا : الاسلحة البكتريولوجية
لقد تم حظر استخدام الاسلحة البكتريولوجية (الجرثومية) في بروتوكول جنيف لعام 1925 "بشان حظر استعمال الغازات السامة والوسائل الجرثومية في الحرب , وكذلك الوسائل البكتريولوجية".
وقد حاولت الامم المتحدة ان تضع اتفاقية دولية تحرم استخدام هذه الاسلحة( ), وتكللت جهودها بالنجاح عندما أبرمت "اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية (السامة) وتدمير هذه الاسلحة" المعقودة في (10/نيسان/1972) والتي دخلت حيز التنفيذ في (26/مارس/1975) بعدما أودعت (22) حكومة موقعة صكوك التصديق عليها , وكان من بينها الاتحاد السوفيتي (سابقاً) والمملكة المتحدة والولايات المتحدة التي عينت حكومات وديعة , وفي عام 1997 أصبحت جميع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أطرافاً في الاتفاقية المذكورة ( ) .
وقد أشارت هذه الاتفاقية , إلى بيان الالتزام الاساسي للدول الاطراف بنصها (تتعهد كل دولة من الدول الاطراف في هذه الاتفاقية , بأن لا تتعمد أبداً في أي ظرف من الظروف الى استحداث او انتاج او تخزين ما يأتي ,أو اقتنائه أو حفظه على أي نحو اخر:
1. العوامل الجرثومية او العوامل البيولوجية الاخرى او التكسينات ايا كان منشؤها او اسلوب إنتاجها , من الأنواع وبالكميات التي لا تكون موجهه لأغراض الوقاية أو الحماية , أو الأغراض السلمية الأخرى.
2. الأسلحة أو المعدات أو وسائل الإيصال الموجهة لاستعمال تلك العوامل او التكسينات في الأغراض العدائية أو المنازعات المسلحة( ).
وقدر تعلق الأمر بالاتفاقية المذكورة , يمكن إيراد الملاحظات التالية:
أولاً :- أنها لم تعرف هذا النوع من الأسلحة أو الأهداف التي يتعلق بها هذا الحظر , وإنما اكتفت ببيان تفاصيل الحظر والآليات التي يتم بها تدمير تلك الأسلحة , ومع ذلك عرف البعض هذا النوع من الأسلحة بأنها (كل سلاح يشتمل على عامل حربي بيولوجي ويقوم بإيصاله وإسقاطه وتوزيعه ونشره على هيئة هباء او جسيمات من مادة سائلة او صلبة مجزأة تجزيئا دقيقا وموزعة من خلال احد الغازات او الهواء ,وقد تستخدم الحشرات او الهواء او المياه الملوثة بالمرض)( ), كما يوجد تعريف آخر للعوامل البيولوجية صدر عن منظمة الصحة العالمية والذي عرفته في تقريرها الصادر في عام 1970 على أنها العوامل التي تتوقف آثارها على قدرتها عن التكاثر في الجسم المستهدف , وتخصص للاستعمال في حالة الحرب بغية إلحاق الموت أو المرض بالإنسان أو الحيوان أو النبات , ومن المحتمل أن تكون الأمراض التي تسببها معدية أو غير معدية.( )
ثانياً :- أن الحظر الوارد في هذه الاتفاقية حظر غير مطلق , فالحظر لا ينطبق سوى على الأنواع والكميات التي لا تخصص لأغراض الوقاية أو الحماية أو لأي أغراض سلمية أخرى , ووفقاً للشروح المقدمة وقت المفاوضات , يشمل مصطلح "الوقاية" الأنشطة الطبية كالتشخيص والمعالجة , في حين يشمل مصطلح "الوقاية" استخدام أقنعة وملابس حامية , ونظم ترشيح الهواء والماء , وأدوات الكشف والإنذار.
ثالثاً :- لا تشمل الاتفاقية أعلاه على أي حكم يقيد أنشطة البحث في المجال البيولوجي , وربما تمكينه , ذلك في صعوبة التمييز بين أعمال البحث التي تجري لأغراض مدنية وتلك التي تباشر لأغراض عسكرية ذات طابع دفاعي وهجومي على السواء.( )
ويسري الحظر على استخدام هذا النوع من الأسلحة في النزاعات المسلحة غير الدولية كما هو الحال في النزاعات المسلحة الدولية , إذ أن الدول لا تملك عادة منظومة أسلحة عسكرية تختلف في النزاعات المسلحة الدولية عنها في النزاعات المسلحة غير الدولية( ).
فضلاً عن ذلك ورد الحظر على استخدام هذا النوع من الأسلحة في النزاعات المسلحة غير الدولية في الإعلان الخاص بقواعد القانون الدولي الإنساني المتعلق بتسيير الاعمال العدائية في المنازعات المسلحة غير الدولية لعام 1990, وتحديدا في الفقرة الأولى من البند الثاني , التي جاءت بعنوان "الأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية" وكان نصها كالأتي {ينطبق اثناء أي نزاع مسلح غير دولي الحظر العرفي لاستعمال الأسلحة الكيميائية , كالأسلحة التي تتكون من عوامل خانقة واستعمال الأسلحة البكتريولوجيه (البيولوجية )}.
ثالثا : الأسلحة التمددية الأثر في جسم الإنسان
تعد هذه الأسلحة نوعاً من أنواع القذائف والمواد المتفجرة التي تم حظرها بسبب ما تخلفه من إصابات او معاناة او آلام لا مبرر لها , وقد تم حظرها بموجب إعلان سان بطرسبرغ لعام 1868( ) , كما تم حظر الرصاص المتفجر الذي ينتشر او يتمدد في جسم الإنسان بسهولة والمعروف برصاص "دم دم" بمقتضى إعلان لاهاي الصادر في 29/تموز 1899( ).
وذهب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية , إلى أن استعمال هذا السلاح يعد من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي , بالإضافة إلى كونه يشكل جريمة حرب( ), ويرد حظر هذا النوع من الأسلحة في النزاعات المسلحة غير الدولية وذلك بموجب القانون الدولي العرفي( ) ,كما ورد عليه الحظر في التشريعات الداخلية للعديد من الدول( ).
وقد نص الإعلان بشان قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلق بتسيير النزاعات المسلحة غير الدولية الصادرة عام 1990 على ذلك بنصه ( ينطبق اثناء أي نزاع مسلح غير دولي الحظر العرفي لاستعمال الرصاصات التي تتمدد أو تنبسط بسهوله في جسم الإنسان كرصاصات "دم دم").

رابعا : الأسلحة الحارقة
لقد أثار استخدام الأسلحة المحرقة أثناء النزاعات المسلحة مشكلة دولية , وقد تسببت الآثار التي خلفتها هذه الأسلحة وخصوصا خلال الحرب الفيتنامية في اثارة الجدل حول استخدامها , إلا أن أكثر الدول دعت الى ضرورة حظر استخدامها بشكل مطلق , لذلك حرم القانون الدولي الإنساني استخدام هذه السلاح بموجب البروتوكول الثالث الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980 ( ) .
وقد عرف البروتوكول الثالث لعام 1980 الأسلحة المحرقة , بأنها (أي سلاح او ذخيرة مصمم او مصممة في المقام الأول لإشعال النار في الأشياء او لتسبيب حروق لأشخاص , بفعل اللهب او الحرارة او مزيج من اللهب والحرارة المتولدين عن تفاعل كيميائي لمادة تطلق على الهدف , ومن أمثلة الأسلحة المحرقة الأسلحة والذخائر التي تطلق بشكل قاذفات لهب وألغام موجهة لمقذوفات أخرى وقذائف وصواريخ وقنابل يدوية وألغام وقنابل وغير ذلك من حاويات المواد المحرقة)( ).
وقد عرف بعض الفقهاء الأسلحة الحارقة بأنها (كل سلاح يعتبر أثره حدثاً عرضياً , أو يقترن بآثار اختراق الجسم او النسف او الانشطار )( ), او هي (أي سلاح او ذخائر يقصد بها في المقام الأول إشعال النار في الأعيان , او إصابة الأشخاص بحروق بفعل اللهب او الحرارة او الاثنين معا نتيجة لتفاعل كيماوي لمادة تطلق على الهدف)( ).
وكان الحظر الوارد على استخدام هذا النوع من السلاح يقتصر بموجب البروتوكول الثالث لعام 1980 على النزاعات المسلحة الدولية , ولم يتضمن أي حكم يحرم استخدام هذا السلاح في النزاعات المسلحة غير الدولية , إلى ان صدر الإعلان بشان القانون الدولي الإنساني المتعلق بتسيير العمليات العدائية أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية لعام 1990 , الذي نص على حظر الأسلحة الحارقة أو تحريم استخدامها في الفقرة الخامسة من البند الثاني والتي كان نصها (..... يجب أن لا توجه الأسلحة المحرقة ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه او ضد المدنيين فرادى والممتلكات ذات الطابع المدني , كما يجب الامتناع عن استعمالها بطريقة عشوائية).
ولكن نتيجة للتطورات التي طرأت على القانون الدولي الإنساني التي تتعلق بتوسيع نطاق تطبيق هذا الأخير ليشمل النزاعات المسلحة الداخلية , تم تعديل البروتوكول الثالث لعام 1980 في كانون الأول لعام 2001 ليشمل النزاعات المسلحة غير الدولية( ) ,لذلك فإن هذا السلاح أصبح محظورا في هذه النزاعات أيضا.
وفي ضوء ما تقدم يمكن القول , أن أي وسيلة من وسائل القتال تتعارض مع المبادئ الإنسانية الواردة في القانون الدولي الإنساني سواء كان ذلك بطبيعتها أم باستخدامها تُعد محظورة , ويعد استخدامها انتهاكا صريحا لأحكام القانون الدولي الإنساني.
جديرُ بنا أن نذكير بأنه توجد أنواع عديدة من الأسلحة لا يسع المجال هنا لبيانها , واقتصرنا على ذكر بعض هذه الأسلحة على سبيل المثال لا الحصر , ووجدنا ان هذه الأسلحة محظورة في نطاق النزاعات المسلحة غير الدولية أيضا , بموجب العرف الدولي والاتفاقيات الدولية , فإذا كانت القواعد المتعلقة بتسيير الأعمال العدائية اثناء النزاعات المسلحة غير الدولية قد غفلت عن إيراد حكم لحظر بعض الأسلحة المستخدمة من جانب أطراف النزاع , فهذا لا يعني ان استخدامه مباح , وإنما يبقى محرما ويرد عليه الحظر والتجريم في قواعد القانون الدولي العرفي.







الخاتمة
بعد أن انتهينا من هذا البحث , حاولنا قدر الإمكان أن نتعرض لمجمل المسائل المتعلقة بدور القانون الدولي الإنساني في الحماية الإنسانية , وقد خلصنا من العرض السابق إلى بعض النتائج التي ضمناها بعض التوصيات:
أولا: النتائج
1. على الرغم من إيراد تعريف للنزاعات المسلحة غير الدولية في البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 , إلا إن هذا التعريف لم يكن محل اتفاق لدى كثير من فقهاء القانون الدولي المعاصر , وكذلك القضاء الدولي , فقد اشترط هذا الأخير لقيام النزاع المسلح غير الدولي ضرورة قيام بعض المعايير الأساسية التي تتمثل بآلاتي :
‌أ- وجود نزاع مسلح , يصل إلى درجة معينة من العنف والخطورة.
‌ب- أن يكون هذا النزاع المسلح مطولاً, أي يشترط أن يستمر لمدة زمنية معينة.
‌ج- أن تكون الجماعات المتمردة على درجة كافية من التنظيم داخل صفوفها , فالأفراد الذين يعملون بشكل غير منظم أو منفرد من اجل القيام بأعمال عنف لا يعد نزاعاً مسلحاً غير دولي.
2. أن التنظيم الدولي للنزاعات المسلحة غير الدولية جاء محدوداً وقاصراً مقارنةً بالنزاعات المسلحة الدولية , وقد انعكس هذا القصور بشكل سلبي على الأحكام التي تنظم وسائل القتال وأساليبه , الأمر الذي قد يغيب بعض المبادئ الإنسانية خلال هذه النزاعات.
3. إن القانون الدولي الإنساني قام على مبدأ الإنسانية وقيده بمبدأ الضرورة العسكرية , ويعد المبدأ الأول من المبادئ العامة بالقانون الدولي الإنساني ويتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة , أما المبدأ الثاني فيمثل مبادئ خاصة يتعلق بظروف النزاعات المسلحة , ولتحقيق التوازن بين هذين المبدأين أوجد القانون الدولي الإنساني مبدأ التناسب , الذي يعد من أهم مبادئ القانون الدولي الإنساني , كما أن تحقيق الحماية الإنسانية أثناء النزاعات المسلحة يتطلب ضرورة مراعاة الاعتبارات الإنسانية وتحديد الضرورة العسكرية بشكل دقيق , وتعتبر هذه الأخيرة استثناء من الأصل العام وهي الحماية الإنسانية لا يمكن اللجوء إليها في كل الظروف.
4. إن الأطراف المتحاربة ملزمة بمراعاة المبادئ الأساسية التي تحكم وسائل القتال وسلوكه أثناء النزاعات المسلحة , وذلك من خلال التطبيق الصحيح لهذه المبادئ , وخصوصاً مبدأ التناسب الذي يعمل على التوفيق بين أهمية الأهداف العسكرية المراد تدميرها , والأضرار الجانبية التي يمكن أن تترتب على ذلك الهجوم العسكري , من اجل الحماية الإنسانية للمدنيين.
5. إن اغلب القواعد المتعلقة بوسائل القتال وأساليبه أثناء النزاعات المسلحة هي قواعد عرفية , وقد منحت الطبيعة العرفية لهذه القواعد سعة في التطبيق في مختلف النزاعات المسلحة , حيث شملت النزاعات المسلحة غير الدولية التي لم تتطرق إليها اغلب قواعد القانون الدولي الإنساني التي اقتصر في العديد من اتفاقياته على النزاعات المسلحة الدولية.
6. أن الإخلال بمبدأ التناسب يشكل جريمة حرب وفقا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 , وهذا يعتبر بحد ذاته تطور كبير في مجال حماية حقوق الإنسان وإنفاذ القواعد القانونية القائمة عليه.
7. أن القانون الدولي الإنساني قيد من حرية أطراف النزاع المسلح في استخدام ما تريد من وسائل القتال وأساليبه , من خلال الجزء الأكبر من قواعده الذي يسعى إلى تنظيم أسلوب استخدام القوة بين أطراف النزاع.
8. أن حظر الأسلحة العشوائية في القانون الدولي الإنساني يجد أساسه في لائحة لاهاي لعام 1907, التي تقضي بأن حق أطراف النزاع في اختيار وسائل القتال وأساليبه هو حق مقيد , وأن القيود التي أوردها القانون الدولي الإنساني والخاصة باستخدام الأسلحة تُعد الأساس القانوني التي يستند أليها في اعتبار الأسلحة العشوائية من ابرز الأسلحة المحظورة أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
9. أن القواعد التي تحكم وسائل القتال وأساليبه أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية ومن ضمنها القواعد الخاصة بحظر بعض الأسلحة , هي قواعد قائمة من الناحية النظرية ولكنها بعيدة عن التطبيق الفعلي ,بسبب افتقار هذه القواعد إلى الوسيلة الفعالة التي تلزم أطراف النزاع المسلح باحترامها وتطبيقها.


ثانيا: المقترحات
1. التشديد على أطراف النزاعات المسلحة الداخلية , بضرورة مراعاة المبادئ الإنسانية باعتبارها قواعد قانونية ملزمة , والسعي قدر الإمكان على خلق التوازن بينها وبين الضرورة العسكرية بشكل يمكن من خلاله تحقيق أكبر قدر ممكن من الحماية الإنسانية لضحايا هذه النزاعات.
2. ضرورة إلزام أطراف النزاع المسلح باحترام المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني , لأنها تهدف إلى حماية حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة بصورة عامة , عن طريق بيانها لوسائل وأساليب القتال بما لا يتجاوز الضرورة العسكرية , وإقرارها أن للإنسان حرمة مصونة لا يجوز خرقها.
3. نوصي بضرورة وضع اتفاقيات دولية محددة وواضحة تنظم مسألة الأعمال العدائية أثناء النزاعات المسلحة بشكل عام , لأن القواعد النافذة حالياً بحاجة إلى تطوير وإعادة نظر , من أجل مواكبة التطور الحاصل في مجال الأسلحة الحديثة وتوسيع الإمكانيات العسكرية للدول , ازدادت معها المخاطر التي يتعرض لها ضحايا النزاعات المسلحة.
4. ضرورة تطبيق قواعد المسؤولية الدولية أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية , من أجل رصد الانتهاكات الجسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني المطبقة على هذه النزاعات المسلحة , ونعتقد أن أفضل سبيل لتطبق هذا الأمر يكون من خلال أعطاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدور الفعال في مراقبة تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية.
5. ضرورة إيراد الحظر المطلق على استخدام جميع الأسلحة التي تترك آثاراً ضارة عند استخدامها , كالأسلحة العشوائية مثلاً , التي لا تميز بين المقاتلين وغير المقاتلين.






الهوامش