The Arabic Academy in Denmark
الأكاديمية العربية في الدنمارك


مدى مراعاة قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا لمعايير
القانون الجنائي الدولي
أُطروحة تقدم بها الطالب ( هاتف محسن كاظم الركابي ) إلى مجلس كلية القانون والسياسة في الأكاديمية العربية في الدنمارك وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الدكتوراه في القانون العام



بإشراف الأستاذ
الدكتور مازن ليلو راضي
الدنمارك – كوبنهاكن
2011


بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى :
( وما ظلمناهُمْ ولكِن ظلمُوا أنفُسَهُمْ فما أغْنَتْ عنهم آلِهَتُهُمُ التي يَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ من شيءٍ لمّا جاءَ أمرُ ربِّك وما زادُوهُمْ غيرَ تتبيب ) .
صدق الله العلي العظيم
سورة هود الآية101

وقال إمام المتقين وأمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) عليه السلام في عهدٍ كتبه للأشتر النخعي لمّا ولاّه مصر وأعمالها :
( وليس شيٍء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته ، مِن إقامةٍ على ظلمٍ ، فأن الله سميع دعوة المضطهدين ، وهو للظالمين بالمرصاد ...) .

أما الفيلسوف الألماني هيغل(1) فقد ترددت تلك الحكمة والبلاغة على لسانه حين قال :
( إن إفتقار العالم إلى العدالة يعني نهايته ) .

___________________________
(1) Hegelهيغلفيلسوف الماني عاش مابين 1770 – 1831 ، ومن اشهر مؤلفاته مبادئ فلسفة القانون . انظر د. جواد كاظم الهنداوي – بحوث في القانون والسياسة –دار الرافدين –بيروت – ط1- 2005 ، ص 27 .

إقرار المشرف
أشهد أن إعداد هذه الأُطروحة للطالب (هاتف محسن كاظم الركابي) والموسومـــــة بــــ ( مدى مراعاة قانون المحكمة الجنائيـة العراقـية العليا لمعايـير القانون الجنـائي الدولـي ) قــد جرى تحت إشرافي في كلية القانون والسياســة في الأكاديمــية العربيــة في الدنمـــــــــارك ، وهي جزء من متطلبات الحصول على شهادة الدكتوراه في القانون العام .






التوقيع :
المشرف : الأستاذ الدكتور مازن ليلو راضي
التاريخ : / / 2011





إقرار المقوم اللغوي

أشهد أن إعداد هذه الأُطروحة للطالب ( هاتف محسن كاظم الركابي) والموسومـــــة بــــــ (مدى مراعاة قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا لمعايير القضاء الجنائي الدولي ) قــد جرى تقويمها لغوياً من قبلي في كلية القانون والسياسة في الأكاديمية العربية في الدنمارك ، وهي جزء من متطلبات الحصول على شهادة الدكتوراه في القانون العام .

التوقيع :
المقوم اللغوي :
التاريخ : / / 2011
إقرار مقرر الدراسات العليا
بناءاً على التوصيات الواردة من قبل الأستاذ المشرف والمقوم اللغوي والمقوم العلمي ،
أُرشح هذه الأُطروحة للمناقشة .






التوقيع :
مقرر الدراسات العليا : الدكتور
التأريخ : / / 2011






إقرار لجنة المناقشة
نشهد ، نحن أعضاء لجنة مناقشة طالب الدكتوراه ( هاتف محسن كاظم الركابي ) عـن أُطروحته الموسومة بـــــــ ( مدى مراعاة قانون المحكمة الجنائية العراقيـــة العليا لمعايير القانون الجنائي الدولي ) بأننا قد اطّلعنا على هذه الأُطروحة وناقشنا الطالب في محتوياتها وفيما له علاقة بهــا ، وذلك بتأريخ / / 2011 ، ونشهد أنها جديرة بالقبول لنيل شـهادة الدكتوراه في القانون العام .


التوقيع التوقيع
الدكتور : الدكتور :
عضواً عضواً

التوقيع التوقيع
الدكتور : الدكتور :
مشرفاً رئيس لجنة المناقشة


قرار مجلس الكلية
صُدقت من مجلس كلية القانون بالأكاديمية العربية في الدنمارك في / /2011 .

التوقيع
الدكتور لطفي حاتم
عميد كلية القانون والسياسة
الإهداء

* إلىالتي شاركتنا هموم الدنيا ومتاعب الاياممنذ بداية هذه التراجيديا ( الحياة ) .. إلى التي رحلت مبكراً وتركت ذكراها عالقةً في القلب.. إلى ( شقيقتي ) الراحلة إلى روحها الطيبة وفاءاً لذكراها .

* إلى والدي الراحل رحمه الله .. وإلى أُمي العزيزة .. وأخوتي .. وزوجتي وأولادي .. وأصدقائي الأعزاء في كوبنهاكن .

* إلى أصدقائي والناس الطيبين في مدينتي الجميلة ( ناحية النصر ) في ذي قار المدينة التي تغفوعلى نهر الغراف والتي لها الفضل الكبير عليّ .. إلى مثقفيها ومفكريها وعلماءها وشعراءها وشهداءها جميعاً .

* إلى شهداء العراق وفجائعهم شيعةً وسنةً .. عرباً وكُرداً وتُركماناً .. ومواجــع القمــــع الطائفي من قبل الطغمة البعثية الدكتاتورية .. إلى الذين تعرضوا لظلامة استباحـــة المــدن المقدسة والجنوب في الإنتفاضة الشعبانية .. إلى الذين إكتووا بلظى شجن المقابر الجماعية والأهوار والدجيل وغيرها .. إلى الذين ذاقوا عذابـات القمــع القومــي في مجازر حلبـــــجة وبارزان والأنفال والكُرد الفيليين .. ومآسي التُركمان في بشير . وإلى جميع المظلومين ..

أهدي اليهم جميعاً هذا الجهد المتواضع .


شكر وتقدير
وأنا أنجز هذه الأُطروحة بحمد الله ومنّه الذي علّمنا مالانعلم ، أتقدم بالشكر والإمتنان إلى أستاذي الجليل الدكتور (مازن ليلو راضي) لتفضله بالإشراف على هذه الأطروحة ، ولما قدمه لي من مســاعدة وخبرة وتدقيــق ســاهمت جميعها في تذليل المصاعب التي واجهتني فــــي الإعداد والكتابة ، فجزاه الله عني خير الجزاء .

وعرفاناً بالجهود العلميــة التي قدمها الدكتور الفاضل ( لطفي حاتم )عميد كلية القانـــون والسياسة ، فضلاً عن الدعم المعنــوي والإرشاد والتوجيه ، أتوجه له بجزيل الشـكر لقبول مناقشة هذه الأُطروحة ، أسال الله له التوفيق والعطاء .

كما أتقدم بوافر الشــــكر والأمتنان للأساتذة الأفاضل رئيــس وأعضاء لجنة المناقشـــة لتفضلهم بقبول مناقشــــة هذه الأُطروحــــة والحكم عليها ، داعياً من الله العلي القدير لهم بالتوفيق والسداد في خدمة العلم والباحثين .

كما لايفوتني أن أتوجه بخالص الشـكر والتقديـر إلى الأسـتاذ الجليل الدكتور عادل الكفيشـي أسـتاذ اللغـة الإنكلـيزية لتفضله بمساعدتي بمهمة ترجمة بعض المصادر ، مع ترجمة ملخص الأُطروحة الى اللغـــة الإنكليزية سائلاً الله أن يوفقه لكل خير .
وفي الختام لايمكنني أن أغفل دور الزميل الأخ الأسـتاذ المهـندس دريد عبد الجبـار بمساعدته لي في مجال معالجة المعلومات آلياً ، والتي كان لها الفضل في ظهور الأُطروحة بهذه الصورة ، فجزاه الله خيرا .
هاتف محسن كاظم الركابي
كوبنهاكن / كانون الثاني2011
فهرست البحث
الموضوع الصفحة
عنوان الأطروحة .................................................. ......................1
الإستهلال .................................................. ............................2
إقرار المشرف .................................................. ........................3
إقرار المقوم اللغوي .................................................. ...................4
إقرار مقرر الدراسات العليا .................................................. ............5
إقرار لجنة المناقشة وقرار مجلس الكلية ................................................6
الإهداء .................................................. ...............................7
شكر وتقدير .................................................. ..........................8
محتويات البحث ( الفهرست ) .................................................. ........9
المقدمة........................................... .....................................15
أولاً : أهمية البحث............................................. ....................... 16
ثانياً : الهدف من البحث............................................. ..................17
ثالثاً : إشكالية البحث .................................................. ................17
رابعاً : منهجية البحث............................................. .....................18
رابعاً : هيكلية البحث .................................................. ................19
الفصل التمهيدي : تطور القانون الجنائي الدولي وتطور التشريع الجنائي العراقي.......24
المبحث الأول : ماهية القانون الدولي الجنائي .........................................24
المطلب الأول : تعريف القانون الدولي الجنائي ومصادره ...............................24
الفرع الاول : مصادر القانون الدولي الجنائي........................................... 25
أولاً : المعاهدات الدولية .................................................. .............26
ثانياً : العرف الدولي .................................................. ................27
ثالثاً : المبادىء العامة للقانون .................................................. .....30
رابعاً : قرارات المنظمات الدولية .................................................. ......32
خامساً : الفقه .................................................. ......................32
الفرع الثاني : التكامل بين القانون الدولي الجنائي والقانون الوطني ....................33
المطلب الثاني : نطاق المسؤولية الجنائية الدولية للفرد ................................35
الفرع الأول : النطاق الشخصي للقانون الدولي الجنائي ................................35
الفرع الثاني : النطاق الموضوعي للقانون الدولي الجنائي ..............................42
المبحث الثاني : التطور التأريخي للقضاء الجنائي العراقي ..............................44
المطلب الأول : القضاء الجنائي العراقي في العصور القديمة ...........................44
المطلب الثاني : القضاء الجنائي العراقي في العصر الحديث ............................48

الفصل الأول: المحكمة الجنائية العراقية العليا....................................57

المبحث الأول : المحكمة الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية
رقم ( 1 ) لسنة 2003 الملغاة .................................................. ....58
المطلب الأول : لمحة عن الوضع السياسي العراقي ما قبل وأعقاب إحتلال العراق.......59
المبحث الثاني : تشكيل المحكمة الجنائية العراقيةالمختصة بالجرائم ضد الإنسانية لسنة2003 الملغاة .................................................. .................63
المبحث الثاني : تشكيل المحكمة الجنائية العراقية العليا وطبيعتها القانونية..............67
المطلب الاول : تشكيل المحكمة الجنائية العراقية العليا .................................67
المطلب الثاني : الجرائم المرتكبة أو القضايا التي تنظرها المحكمة الجنائية العراقية
العليا .................................................. ................................70
المطلب الثالث : الطبيعة القانونية للمحكمة الجنائية العراقية العليا.......................81
المبحث الثالث : الهيكل التنظيمي للمحكمة الجنائية العراقية العليا ......................89
المطلب الأول : هيئات المحكمة الجنائية العراقية العليا ................................ .9
الفرع الأول : الهيئة التمييزية......................................... ................91
الفرع الثاني : محكمة الجنايات.......................................... ..............93
الفرع الثالث : قضاة التحقيق .................................................. .......95
الفرع الرابع : هيئة الإدعاء العام .................................................. ....98
الفرع الخامس : الإدارة ( الدائرة الإدارية ).............................................100
المطلب الثاني : اختيار القضاة وهيئة الإدعاء العام وإنهاء خدمتهم ...................102
الفرع الأول : اختيار القضاة وهيئة الإدعاء العام .....................................102
الفرع الثاني : إنهاء خدمة القضاة وهيئة الإدعاء العام ...............................106
المبحث الرابع : إختصاصات المحكمة الجنائية العراقية العليا .........................110
المطلب الأول : الإختصاص الزماني للمحكمة الجنائية العراقية العليا .................110
المطلب الثاني : الإختصاص المكاني للمحكمة الجنائية العراقية العليا ................113
المطلب الثالث : الإختصاص الشخصي للمحكمة الجنائية العراقية العليا ..............116
المطلب الرابع : الإختصاص النوعي للمحكمة الجنائية العراقية العليا .................119
الفرع الأول : الجرائم الدولية .................................................. ......120
أولاً : جريمة الإبادة الجماعية .................................................. .....121
ثانياً : الجرائم ضد الإنسانية .................................................. ......126
ثالثاً : جرائم الحرب............................................. .....................133
الفرع الثاني : إنتهاكات القوانين العراقية ............................................146

الفصل الثاني: تطور القضاء الجنائي الدولي والمحاكم الجنائية الدولية.....151

المبحث الأول : تطور فكرة القضاء الجنائي الدولي ما قبل إنشاء المحاكم الجنائية
الدولية .................................................. ...........................153
المطلب الأول : تطور القضاء الجنائي الدولي في مرحلة ما قبل الحرب العالمية
الأولى............................................ .................................153
المطلب الثاني : تطور القضاء الجنائي الدولي والجهود الدولية إعقاب الحرب
العا لمية الأولى وما بعدها............................................. ............158
المبحث الثاني : تطور القضاء الجنائي الدولي اثناء وأعقاب الحرب العالمية
الثانية........................................... ..................................164
المطلب الأول : الجهود الدولية الرامية لمعاقبة مجرمي الحرب خلال الحرب
العالمية الثانية........................................... .........................165
المطلب الثاني : تشكيل المحاكم الجنائية الدولية في نورمبورغ وطوكيو ...........169
المطلب الثالث : الاختصاص الشخصي والموضوعي لمحكمتي نورمبورغ
وطوكيو .................................................. .......................176
المبحث الثالث : المحاكم الجنائية الدولية في يوغسلافيا السابقة ورواندا.........185 المطلب الأول : المحكمة الجنائية الدولية في يوغسلافيا السابقة..................186
الفرع الأول : تشكيل المحكمة الجنائية الدولية في يوغسلافيا السابقة.............186
الفرع الثاني : اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية في يوغسلافيا السابقة.......191
اولا : الإختصاص الشخصي لمحكمة يوغسلافيا السابقة..........................191
ثانيا : الإختصاص الموضوعي لمحكمة يوغسلافيا السابقة .......................192
المطلب الثاني : المحكمة الجنائية الدولية لرواندا ................................195
الفرع الأول : تشكيل المحكمة الجنائية الدولية لرواندا............................195
الفرع الثاني : اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية لرواندا......................198
أولاً : الإختصاص الشخصي لمحكمة رواندا .....................................198
ثانياً : الإختصاص الموضوعي لمحكمة رواندا ..................................199
المبحث الرابع : المحاكم الوطنية ذات الاختصاص الدولي والمحاكم المختلطة
وأثر مبدأ السيادة ودور السياسة الدولية في العدالة الدولية ....................201
المطلب الأول : تطور مبدأ السيادة ودور السياسة الدولية في تسييس مفهوم
العدالة الدولية........................................... ........................202
الفرع الأول : تطور مفهوم السيادة وأثره على العلاقات والعدالة الدولية ..........203
الفرع الثاني : دور السياسة الدولية في تسييس العدالة الدولية .................206
المطلب الثاني : المحاكم الوطنية ذات الاختصاص الدولي والمحاكم المختلطة....211
الفرع الأول : المحاكم الوطنية ذات الاختصاص الدولي ( العالمي )..............212
الفرع الثاني : المحاكم المختلطة أو المحاكم الداخلية الدولية....................216
المبحث الخامس : المحكمة الجنائية الدولية الدائمة لعام 1998 ...............228
المطلب الأول : إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة.........................230
المطلب الثاني : الطبيعة القانونية للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة..............233
المطلب الثالث : اختصاصات المحكمة والعقوبات التي تفرضها وتنفيذها..........236
الفرع الأول : الإختصاص الشخصي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة ...........236
الفرع الثاني : الإختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة..........240
الفرع الثالث : العقوبات التي تفرضها المحكمة وتنفيذها..........................244

الفصل الثالث : مدى إتساق قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا
مع مبادئ القانون الجنائي الدولي......................................247

المبحث الأول : المبادئ الخاصة بالجريمة الدولية ...............................247
المطلب الأول : مبدأ الشرعية .................................................. .248
الفرع الأول : مبدأ الشرعية في التشريعات الجنائية الوطنية ......................248
الفرع الثاني : مبدأ الشرعية في القانون الجنائي الدولي ..........................250
المطلب الثاني : مبدأ عدم الرجعية ...............................................254
الفرع الأول : مبدأ عدم الرجعية في التشريعات الوطنية ...........................254
الفرع الثاني : مبدأ عدم الرجعية في القانون الجنائي الدولي ......................255
المطلب الثالث : مبدأ عدم تقادم الجرائم الدولية ...................................258
المطلب الرابع : عدم شمول الجرائم الدولية في قانون المحكمة بالعفو .............261
المبحث الثاني : المبادئ الخاصة بالمتهم .......................................263
المطلب الأول : مبدأ عدم الإعتداد بالحصانة ......................................263
الفرع الأول : الحصانة في التشريعات الوطنية. ...................................263
الفرع الثاني : حصانة القادة والرؤساء في القانون الدولي الجنائي. ...............267
المطلب الثاني : مبدأ عدم الإعتداد بأمر الرئيس الأعلى ...........................275 المبحث الثالث : المبادىء الخاصة بالمحاكمة وسيرها ............................280
المطلب الأول : ضمانات المتهم......... ........................................280
الفرع الأول : ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي........................280
أولاً : ضمانات المتهم في الشهادة ...............................................281
ثانياً : ضمانات المتهم المتعلقة بالقبض ..........................................282
ثالثاً : ضمانات المتهم المتعلقة بالتوقيف .........................................285
رابعاً : ضمانات المتهم بالإستعانة بالمساعدة القانونية.............................288
خامساً : ضمانات المتهم بالحصول على خدمات ترجمة مجانية....................290
سادساً : ضمانات المتهم في إلتزام الصمت........................................291
الفرع الثاني : الضمانات في مرحلة المحاكمة .....................................293
أولاً : قرينة البراءة........................................... .....................293
ثانياً : المساواة أمام المحكمة........................................... ..........295
ثالثاً : علنية المحاكمة.......................................... ..................296
المطلب الثاني: مبدأ المحاكمة العادلة........................................... ..300
أولاً : استقلالية القضاة............................................ ...............301
ثانياً : إبلاغ المتهم بالتهمة المنسوبة إليه.........................................303
ثالثاً : معاملة المتهم بما يحفظ كرامته الإنسانية....................................305
رابعاً : شفوية المحاكمة .................................................. ........308
خامساً : حق المتهم في الدفاع عن نفسه..........................................309
سادساً : حق محاكمة المتهم حضورياً من دون تأخير غير مبرر...................313
سابعاً : حق طلب الشهود ومناقشتهم......................................... ....315
ثامناً : حق الطعن .................................................. ..............317
المبحث الرابع : الأحكام وتنفيذها والتطبيق العملي لمحاكمات المحكمة
الجنائية العراقية العليا .................................................. ..........319
المطلب الأول : الأحكام وتنفيذها .................................................3 19
الفرع الاول : الأحكام .................................................. ..........320
الفرع الثاني : تنفيذ الأحكام........................................... ............324
المطلب الثاني : التطبيق العملي لمحاكمات المحكمة الجنائية العراقية العليا........330
أولاً : قضية الدجيل .................................................. ............332
ثانياً : قضية الأنفال........................................... ...................337
ثالثاً : قضية قمع الإنتفاضة الشعبانية في ميسان والبصرة عام 1991............341
رابعاً : قضية أحداث صلاة الجمعة عام 1999 ...................................344
خامساً : قضية إعدام التجار عام 1992 ........................................345
سادساً : قضية التطهير العرقي .................................................. 347
سابعاً : قضية حلبجة .................................................. .........348
ثامناً : قضية تجفيف الأهوار في ميسان وذي قار والبصرة........................349
تاسعاً : قضية قتل وتهجير الكرد الفيليين.........................................3 50
عاشراً : قضية تصفية الأحزاب الدينية........................................... .351
حادي عشر : القضايا الأخرى............................................354
الخاتمة........................................... .....................356

أولاً : الإستنتاجات .................................................. ...........456
ثانياً : المقترحات .................................................. ............366

ملخص الأطروحة باللغة الإنكليزية.....................................370

قائمة المصادر والمراجع ..............................................406













بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

لم تعد المسؤولية الناشئة عن الجرائم الدولية تنحصر في علاقة الدول وحدها، وإنما أصبحت مسؤولية الفرد الجنائية على الصعيد الدولي سمة العصر الحديث وكان لابد منها وعدم ترك الجناة بلا عقاب .
وقد ساهمت محاكمات نورمبرغ وطوكيو بتركيز الإهتمام على مسؤولية الأفراد في القانون الدولي وعدم الإعتداد بحصانة القادة والرؤساء وأوامر الرئيس الأعلى ، وازداد هذا الإهتمام عقب النزاع المسلح في البوسنة والهرسك ، وانتشار الفظاعات والمآسي التي ارتكبها الصرب ضد المدنيين العزل من المسلمين .
إزاء ذلك كان لابد للأمم المتحدة أن تتكفل بوضع الأسس القانونية لمساءلة ومعاقبة منفذي هذه الجرائم ، فظهر القضاء الدولي الجنائي على مستوى الأمم المتحدة لعقاب أولئك المجرمين ، وبالفعل تم إنشاء محكمة جنائية دولية خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب في البوسنة والهرسك ، واتخـــــذت لاهاي مقراً لها بمـــــــوجب القرار (808) الصـــــــــــــــادر عن مجلس الأمن بتـــــــــــــاريخ 22/2/1993. وقد مارست هذه المحكمة مهمتها في محاكمة القادة من المجرمين في يوغسلافيا السابقة عن مخالفتهم لقواعد القانون الدولي الإنساني كالقتل الجماعي والطرد والإغتصاب والإحتجاز والإعتداء والتطهير العرقي .
وقد شعرت الدول بضرورة وجود نظام قضائي دولي دائم يتولى مهمة النظر في الجرائم الدولية الخطيرة ومعاقبة مرتكبيها ، فكانت للجهود الدولية السابقة أثرها في هذا الصدد. فتكلل
مسعى الأمم المتحدة في مواجهة انتهاكات القانون الدولي في تأسيس المحكمة الدولية الجنائية وتبني النظام الأساسي للمحكمة في17/7/1998ومنحها الاختصاص في محاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة التي تهم المجتمع الدولي ومقرها في لاهاي . وقد كان إنشاء هذه المحكمة خطوة كبيرة نحو إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب ، ويمكن القول بأن هذه المحاكم قد اعتمدت القانون الدولي الجنائي دون النظر في قواعد المسؤولية المقررة في القانون الجنائي الداخلي .

أولاً : أهمية البحث


إذا كان للقضاء الدولي الجنائي الأثر الكبير في تقرير مبدأ مسؤولية الأفراد عن الجرائم التي تُرتكب وتشكل اعتداءاً على الأسس التي يقوم عليها المجتمع الدولي ، فالأولوية تنعقد دائماً للقضاء الجنائي الوطني بحسب الأصل ، ويمكن القول بأن هذه النتيجة تتفق مع تلك الرابطة التي تنشأ بين المتهم والدولة التي أُنتهكت قوانينها .
ويلاحظ في هذه العلاقة أنها تمثل رابطة بين أطراف تتمتع بالصفة الوطنية ، وهم الجاني ، والإدعاء العام ، والمحكمة الوطنية . ويبرر هذه العلاقة الاعتراف بمبدأ حق الإنسان في الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي ، ويعد هذا المبدأ إستنتاجاً منطقياً من مبدأ استقلال القاضي وحيدته الذي ينصرف إلى أن الاختصاص ينعقد للقضاء الوطني بحكم أنه صاحب الاختصاص الأصيل للفصل في الدعاوى ، كما أن اعتبارات السيادة تقتضي أن تكون الأولوية لاختصاص القضاء الوطني عن أي اختصاص جنائي آخر . فإذا ما عجزت السلطات القضائية الوطنية عن تحقيق العدالة الجنائية لأي سبب مما عرضنا له ، انتقل الاختصاص إلى المحاكم الدولية الجنائية لتحقيق العدالة الجنائية على المستوى الدولي .
وفي هذا المجال يعمل المجتمع الدولي دائماً على تحفيز القضاء الوطني لتولى مهامه ومباشرتها بمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم دولية ، كلما كان ذلك ممكناً .
كما أن حداثة الموضوع وما أثاره من إختلاف آراء فقهاء القانون الجنائي حول تأسيس المحكمة الجنائية العراقية العليا وآلية العمل فيها وفاعليتها ، ومن حيث استقلالية القضاء وإرساء مبادئ العدالة من عدمه ، إضافةً إلى أن ماكُتب عن قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا ، كان قد انصب في موضوعات جزئية وبحوث وجيزة ومقالات لا ترقى إلى تحليل ودراسة جوانبه الأساسية ، وهذا ماسيتم دراسته وتناوله في هذه الأطروحة بشكل نظري وتطبيقي مفصل .
ثانياً : الهدف من البحث
بسبب المآسي التي تعرض لها الشعب العراقي والجرائم التي طالت بالقتل الكثير من أبناء
شعبه في سياق منظم إمتد إلى أكثر من ثلاثة عقود قادها النظام القمعي السابق في العراق ، وخلّفت ما يزيد على المليون من الضحايا العراقيين وغير العراقيين من دول الجوار والتي تُمثل انتهاكاً لكل المواثيق والأعراف الدولية في زمن السلم وزمن الحرب ، وإزدياد العنف السياسي بشكل ملحوظ بعد تولي الرئيس العراقي السابق (صدام حسين) رئاسة الجمهورية العراقية عام 1979 ، وارتكابه للمجازر الوحشية وانتهاكات حقوق الإنسان ، وبعد سقوط النظام المذكور في 9/4/2003 ، كان لابد من تحقيق العدالة وذلك بالعمل على معاقبة مرتكبي الجرائم ، فتشكلت المحكمة الجنائية العراقية بموجب القانون رقم -1- لسنة 2003 الملغي من قبل مجلس الحكم العراقي والمفوض بإنشاء المحكمة الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية (في حينها) بموجب الأمر (48) الصادر من المدير الإداري لسلطة الإئتلاف المؤقت ، ومن ثم قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا رقم (10) لسنة 2005 النافذ لمحاكمة قادة النظام القمعي المتهم بارتكاب هذه المآسي . وهي محكمة مشكلة بقانون وطني وقضاتها وهيئة الإدعاء العام فيها وطنيون ، إلا أنه ومن خلال استقراء نصوصها يتبين اعتمادها قواعد القانون الدولي الجنائي الخاصة بالجريمة الدولية من حيث أنواع الجرائم الدولية الخاضعة لاختصاصها والتي تُشكل الاتفاقيات الدولية والعرف الدولي من أهم مصادر هذه الأحكام ، التي تسود على القواعد الجنائية الداخلية و تتميز عنها .

ثالثاً : إشكالية البحث

نظراً لحداثة موضوع الأُطروحة والمستند إلى حداثة تشكيل المحكمة الجنائية العراقية العليا ، لذلك تثار العديد من الإشكاليات والتساؤلات عند تطبيق قانون المحكمة ، منها ما أُثير من إشكالات وإختلاف الآراء قبل تشكيل المحكمة حول نوع المحكمة التي يمكن أن تنظر في الجرائم المرتكبة من بعض مسؤولي النظام العراقي السابق ، ولاسيما إن هذه الجرائم ذات طبيعة متنوعة ، وكذلك حول الآلية الأولى التي تم بموجبها تشكيل المحكمة ، كذلك يعالج البحث مشكلة الطبيعة القانونية للمحكمة ، وهل تُصنّف ضمن المحاكم الجزائية العادية أم المحاكم الجزائية الإستثنائية أم غيرها ؟ كذلك تناول البحث مبادئ القانون الدولي الجنائي فهل طبقتها المحكمة الجنائية العراقية العليا ، لاسيما الأحكام الإجرائية للقانون الدولي الجنائي على إجراءات القضاء الوطني ، خاصة تلك التي تتعلق بأحكام المسؤولية الجنائية الفردية ، وإستبعاد الحصانة والصفة الرسمية ومسؤولية الرئيس والمرؤوس ، وعدم الإعتداد بالعفو الممنوح عن هذه الجرائم ، وعدم تقادمها مهما طال زمن ارتكابها ؟ ، وهل وفّرت المحكمة الجنائية العراقية العليا الضمانات اللازمة للمتهم سواء في مرحلة التحقيق والإستجواب أو في مرحلة المحاكمة وفق مبادئ ومعايير القانون الجنائي الدولي ، والتأكد من مدى موائمة هذه المبادئ للمبادئ المعترف بها في القوانين العراقية الوطنية ، ومدى التزام المشرع العراقي في قانون المحكمة بالمعايير الدولية بهذا الخصوص ؟ . وهل إن النظام الأساسي لقانون المحكمة الجنائية العراقية العليا قد خرق مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي على الماضي ؟ . وهل يتعارض النظام القانوني للمحكمة مع مبدا المشروعية ( لاجريمة ولاعقوبة إلاّ بنص ) ؟ . وغير ذلك من الإشكالات والتساؤلات التي سنقدِّم لها حلولاً قانونية ناجعة ، والفروض التي نروم البرهنة عليها بما يتلائم مع المستوى المتطور في إطار البحث العلمي .
رابعاً : منهجية البحث


يعتمد البحث على اكثر من منهج ، فقد تناولت في البداية المنهج التاريخي لتطور فكرة القضاء الجنائي الدولي ونشوء المحاكم الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية ذات الاختصاص الدولي والمحاكم المختلطة فضلا عن التطور التاريخي للقضاء الجنائي العراقي . كذلك اعتمدت المنهج التحليلي والمقارن من خلال تحليل النصوص القانونية الوطنية ( الداخلية ) وأحكام المحاكم الدولية وأنظمتها الأساسية ، لاسيما النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية الدائمة ، ولوائح محكمتي نورمبورغ وطوكيو ، والنظام الأساس للمحكمة الدولية الجنائية في يوغسلافيا وراوندا ، و قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا ، وآراء الفقهاء التي تتعلق بالموضوع . كون المنهج التحليلي والمقارن هو الأكثر إنسجاماً وتفاعلاً مع طبيعة الموضوع للوصول إلى مستوى عال في إطار الدراسات والبحوث العلمية المتطورة . فضلا عن النهج بتقييم مفاصل البحث باسلوب نقدي مع وضع الحلول الناجعة سواء للمحاكم الجنائية الدولية او للمشرع العراقي في قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا موضوع البحث . ناهيك عن اعتمادي المنهج السياسي كون ان القانون مرتبط بالسياسة الدولية ولما لهذه الاخيرة من دور هام في تسييس مبدأ العدالة الدولية في ضوء المتغيرات والعلاقات الدولية .

خامساً : هيكلية البحث
لغرض الإلمام بموضوع البحـث في ضوء الإشـكاليات والتسـاؤلات والفروض المراد
البرهنة عليها ، ارتأيت أن أُقسّمه إلى ثلاثة فصول يتقدمها فصل تمهيدي يتعلق بماهية القانون الجنائي الدولي وتطور القانون الجنائي العراقي وعلى النحو آلاتي :

الفصل التمهيدي : ماهية القانون الجنائي الدولي وتطور القانون الجنائي العراقي : وسوف أُقسم هذا الفصل إلى مبحثين ، في المبحث الأول سأتناول ماهية وتعريف القانون الدولي الجنائي ومصادرة ومدى التكامل بين القانون الدولي الجنائي والقانون الوطني في المطلب الأول ، والنطاق الموضوعي والشخصي للمسؤولية الجنائية الدولية للفرد في المطلب الثاني اما المبحث الثاني سادرس فيه التطور التاريخي للقانون الجنائي العراقي في العصر القديم والعصر الحديث في مطلبين .

الفصل الاول : المحكمة الجنائية العراقية العليا ، تشكيلها وطبيعتها القانونية ، وهيكلها التنظيمي ، وإختصاصاتها : وسوف أتناول هذا الفصل في اربعة مباحث . ساكرس المبحث الاول لدراسة قانون المحكمة الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية رقم (1) لسنة 2003 الملغي الذي يعتبر الحجر الأساس لتأسيس المحكمة الجنائية العراقية العليا في مطلبين ، في المطلب الاول سابين فيه لمحة عن الوضع السياسي العراقي ما قبل واعقاب احتلال العراق في 2003 ، وفي المطلب الثاني نتناول كيفية تشكيل المحكمة المختصة بالجرائم ضد الانسانية لعام 2003 الملغاة والانتقادات الموجهة لانشائها وشرعيتها . أما المبحث الثاني فسأتطرق فيه بثلاثة مطالب إلى عملية تشكيل المحكمة الجنائية العراقية العليا رقم (10) لسنة 2005 ، والجرائم والانتهاكات المرتكبة من قبل قيادات وكبار مسؤولي النظام العراقي السابق التي نظرتها المحكمة الجنائية العراقية العليا كقضايا في محاكم التحقيق والجنايات ، ثم ساتناول الطبيعة القانونية للمحكمة الجنائية العراقية العليا وأُبين مدى إختلاف الباحثين والمتخصصين في القانون الجنائي الوطني والدولي حول نوع المحكمة وطبيعتها القانونية من حيث تصنيف القضاء الجزائي المناسب لها ، والانتقادات التي وجهت الى المحكمة والرد عليها . وساكرس المبحث الثالث لبيان الهيكل التنظيمي للمحكمة الجنائية العراقية العليا في مطلبين ، سابحث في المطلب الاول هيئات المحكمة ( الهيئة التمييزية ، ومحكمة الجنايات ، وقضاة التحقيق ، وهيئة الإدعاء العام ، والدائرة الإدارية ) ، وكيفية عملها وبيان مدى إستقلاليتها ، وفي المطلب الثاني سابين عملية وشروط اختيار القضاة وهيئة الادعاء العام للعمل في المحكمة وانهاء خدمتهم في مطلبين . اما المبحث الرابع سأوضح فيه إختصاصات المحكمة في أربعة مطالب ، من حيث الزمان ، ومن حيث المكان ، والاختصاص الشخصي الذي فرض فيه المشرع العراقي المسؤولية الجنائية على الأشخاص الطبيعيين ، والاختصاص النوعي الذي حدد فيه المشرع مجموعة من الجرائم ذات الطابع الدولي (جريمة الإبادة الجماعية ، والجرائم ضد الإنسانية ، وجرائم الحرب ) بالإضافة الى جرائم أخرى تُشكل (انتهاكات للقوانين العراقية) .

الفصل الثاني : تطور القضاء الجنائي الدولي والمحاكم الجنائية الدولية : سابحث هذا الفصل في خمسة مباحث ، المبحث الاول ساخصصه لدراسة تطور فكرة القضاء الجنائي الدولي ما قبل انشاء المحاكم الجنائية الدولية في مرحلتي ما قبل الحرب العالمية الاولى ، والجهود الدولية في ما بعدها في مطلبين . وساكرس المبحث الثاني لتطور القضاء الجنائي الدولي في مرحلة اثناء واعقاب الحرب العالمية الثانية ومارافقها من تشكيل المحاكم الجنائية الدولية في نورمبورغ وطوكيو ، وتأكيد تلك المحاكم الجنائية الدولية بمعاقبة الأشخاص الطبيعيين وإخضاعهم للمسؤولية المباشرة عن الجرائم الدولية وليس الدول . اما المبحث الثالث ساتناول فيه المحاكم الجنائية الدولية في يوغسلافيا السابقة ومحكمة رواندا والتي سنوضح فيهما تطبيق المبادئ الدولية الراسخة بعدم الدفع بحصانة الرؤساء وعدم الاعتداد باوامر الرئيس الاعلى في مطلبين . وسادرس في المبحث الرابع المحاكم الوطنية ذات الاختصاص الدولي والمحاكم المختلطة او الداخلية الدولية ، وسابين كذلك اثر وتطور مبدا السيادة ودور السياسة الدولية في تسييس مفهوم العدالة الدولية واثرهما على العلاقات الدولية وبالتالي اثرها في نشوء المحاكم . اما المبحث الخامس سابين فيه كيفية تشكيل المحكمة الجنائية الدولية الدائمة لعام 1998 وطبيعتها القانونية والإختصاص الشخصي والموضوعي لها ، وتأكيد نظام روما الاساسي على مسؤولية الأفراد عن ارتكاب الجرائم الدولية ( جريمة الابادة الجماعية ، والجرائم ضد الإنسانية ، وجرائم الحرب ) .

الفصل الثالث : مدى اتساق قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا مع مبادئ القانون الجنائي الدولي : ساقسم هذا الفصل الى اربعة مباحث ، أتناول في المبحث الاول المبادئ الخاصة بالجريمة الدولية في أربعة مطالب . سأخصص المطلب الاول لمبدأ الشرعية في القانون الجنائي الوطني بشقيه وهما شرعية الجرائم والعقوبات ، ومبدأ الشرعية في القانون الدولي الجنائي المستند إلى العرف الدولي ، وأكرس المطلب الثاني إلى مبدا عدم رجعية القانون الجنائي على الماضي في التشريعات الوطنية ، والقانون الدولي الجنائي ، وأوضح في المطلب الثالث مبدأ عدم تقادم الجرائم الدولية ، ثم أتناول مبدأ عدم شمول الجرائم الدولية في قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا بالعفو في المطلب الرابع ، أما المبحث الثاني سأبين فيه مبادئ القانون الدولي الجنائي الخاصة بالمتهم والتي طبقتها المحكمة في مطلبين ، الأول أتناول فيه مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة في التشريعات الوطنية ، وحصانة القادة والرؤساء في القانون الدولي الجنائي ، وسأخصص المطلب الثاني إلى مبدأ عدم الاعتداد بأمر الرئيس الأعلى ، أما المبحث الثالث فسأكرسه لدراسة المبادئ الخاصة بالمحاكمة وسيرها في مطلبين ، أتناول في الأول ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي والضمانات في مرحلة اثناء المحاكمة ، أما الثاني سأبين فيه مبدأ المحاكمة العادلة من خلال الضمانات التي وفرتها المحكمة الجنائية العراقية العليا وفق المعايير الدولية والانظمة الاساسية للمحاكم الجنائية الدولية ابتداءا من حيادية المحكمة واستقلالية القضاة والمساواة امام المحكمة وعلنية المحاكمات وقرينة البراءة وابلاغ المتهم بالتهمة المنسوبة اليه ومعاملته بما يحفظ كرامته الانسانية وحقه بالدفاع عن نفسه حضوريا من دون تاخير وحق طلب الشهود ومناقشتهم وحق الطعن في الاحكام الصادرة . وساخصص المبحث الاخير لبيان الاحكام والية شروط صحة صدورها وكيفية تنفيذ تلك الاحكام كمطلب اول . وساتناول في المطلب الثاني التطبيق العملي للمحاكمات التي عقدت جلساتها في محاكم التحقيق والجنايات في المحكمة الجنائية العراقية العليا بمحاكمة كبار القادة من مسؤولي النظام العراقي السابق في (17) قضية من القضايا والجرائم والانتهاكات المرتكبة من قبل اولئك المتهمين من جرائم الابادة الجماعية وجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب فضلا عن جرائم وانتهاكات لحقوق الانسان وللقوانين العراقية ، وبعض مرتكبي هذه الجرائم قد صدرت بحقهم احكاما من محاكم الجنايات بالاعدام وتم تنفيذ حكم الاعدام ، واحكاما بالسجن والبعض الاخر بانتظار صدور الاحكام فيها ، وهناك قضايا لازالت قيد التحقيق في محاكم التحقيق ستحال فيما بعد الى محاكم الجنايات عند اكتمالها .
وسأنهي الأُطروحة بخاتمة تتضمن أهم الاستنتاجات والمقترحات التي سيتم التوصل إليها داعياً المولى تبارك وتعالى التوفيق والسداد للوصول إلى بحث يرقى بمستواه إلى مرتبة الأبحاث العلمية الرائدة ، ولا أدّعي إن البحث قد وصل مرحلة الكمال ، لأن الكمال لله وحده عز وجل ، وأعتذر إن كان هناك خطأً عن جهل ، أو نسيانٍ عن غير قصد ، والحمد لله رب العالمين عليه توكلت وإليه أُفوض أمري وأُنيب ومنه التوفيق ..





الفصل التمهيدي
ماهية
القانون الدولي الجنائي
و
تطور التشريع الجنائي العراقي





الفصل التمهيدي
ماهية القانون الدولي الجنائي وتطور التشريع الجنائي العراقي

القانون الدولي الجنائي قانون حديث النشأة ، وهذا هو السبب وراء محاولة الفقهاء لوضع تعريف لهذا القانون من خلال الأفكار التي أوردوها في مؤلفاتهم ، ولكن حداثة هذا القانون لا يعني إنه لا يملك مصادر تسهم في تكوين قواعده القانونية ، وإن كان غالبية الفقهاء في دراساتهم لا يشيرون إلى هذه المصادر وطبيعتها ، وهذا بلا شك نقص لابد من معالجته ، لذلك سوف أُقسم هذا الفصل إلى مبحثين ، الأول أتناول فيه ماهية القانون الدولي الجنائي والتعريف به ومصادره ومدى التكامل بينه وبين القانون الوطني ، أما المبحث الثاني فخصصناه للبحث في تطور التشريع الجنائي العراقي تمهيداً للدخول في الفصل الاول الذي سنتناول فيه قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا .

المبحث الأول
ماهية القانون الدولي الجنائي
للتعرف على ماهية القانون الدولي الجنائي يستدعي منا لاشك التطرق إلى تعريفه وتحديد مصادره ، وبيان التكامل بينه وبين القانون الوطني في مطلب أول . ثم أتناول في المطلب الثاني النطاق الشخصي والموضوعي للمسؤولية الجنائية الدولية للفرد .

المطلب الأول
تعريف القانون الدولي الجنائي ومصادره
أورد الفقهاء تعاريف عديدة للقانون الدولي الجنائي ، فقد عرفه الفقيه (جرافن) بأنه مجموعة القواعد القانونية الدولية المعترف بها في العلاقات الدولية والتي يكون الغرض منها حماية النظام الإجتماعي الدولي بالمعاقبة على الأفعال التي تتضمن إعتداءاً عليه. وعرّفه (بلاوسكي) بأنه القانون الذي يتكون من القواعد القانونية المتعلقة بمعاقبة الجرائم الدولية التي تشكل خرقاً للقانون الدولي ([1]).
أما في الفقه العربي فهناك تعاريف عديدة للقانون الدولي الجنائي أوردها الكُتاب العرب ، حيث عّرفه الدكتور (حميد السعدي) بأنه (القانون الذي يعالج المشكلات التي تثيرها الجرائم الدولية كالحرب العدوانية وتعريض السلم العالمي وأمن الشعوب للخطر وغير ذلك مما يحول دون الوئام والانسجام في العلاقات الدولية)([2]) .
وعّرفه الدكتور (عبد الرحيم صدقي) ( بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تتعلق بالعقاب على الجرائم الدولية ، أي الجرائم التي تُشكل انتهاكاً للقانون الدولي ) ([3]) .
الفرع الاول
مصادر القانون الدولي الجنائي
تندرج مصادر القانون الدولي الجنائي بشكل أساسي في الاتفاقيات الدولية والأعراف الدولية، والمبادئ العامة للقانون التي تُعد المصادر الأصلية للقانون الدولي العام على وفق ما عبرت عنه المادة (38) من نظام محكمة العدل الدولية ، ومن المصادر الحصرية لهذا القانون كما عبرت عن ذلك الفقرة الخامسة من المادة (21 ) من نظام المحكمة الدولية الجنائية بنصها على القانون الذي تقوم المحكمة بتطبيقه فمن بين القواعد التي تقوم بتطبيقها هي "ب- المعاهدات الواجبة التطبيق ومبادئ القانون الدولي وقواعده ، بما في ذلك المبادئ المقررة في القانون الدولي للمنازعات المسلحة" ، وبالنظر إلى نوع الجرائم التي تنظر فيها المحكمة وهي (جرائم الإبادة ، جرائم الحرب ، جرائم ضد الإنسانية ، وجريمة العدوان ) ، فإن القواعد التي ستطبقها بالإستناد إلى الفقرة – ب – وبشكل خاص في الجرائم الثلاث الأولى ستكون اتفاقيات وأعراف ومبادئ القانون الدولي الإنساني الذي يسمى أيضاً قانون النزاعات المسلحة أو قانون الحرب ، وكذلك اتفاقيات القانون الدولي لحقوق الإنسان ، وأعرافه ، ومبادئه الموضحة في الإعلانات الدولية لحقوق الإنسان .

أولاً- المعاهدات الدولية :

تعد المعاهدات الدولية من أهم مصادر القانون الدولي العام ولها الدور الأكبر في تكوين قواعده القانونية ، حيث إن المصدر الحقيقي لكافة قواعد القانون الدولي العام هو الإرادة الشارعة للجماعة الدولية أو لمن يسيطر عليها من فئات أعضائها سواء تم التعبير عنها صراحة أو ضمناً أو إفتراضاً (1) .
وكان للمعاهدات الدولية الدور الكبير في تكوين وتثبيت المبادئ الأساسية لهذا القانون لاسيما تلك المتعلقة بالمسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعيين عن الجرائم الدولية ، والسبب في منح الإتفاقيات هذه المكانة كمصدر رئيس للقانون الدولي الجنائي يعود إلى طبيعة العرف الذي يتصف بالغموض وبالبطئ وصعوبة التحقق من وجوده ، مما أفسح المجال للاتفاقيات الدولية التي كانت الصيغة الأنسب لوضع نصوص قانونية واضحة تستطيع أن تواكب التطورات التي شهدها المجتمع الدولي .





_________________________
(1) د. جعفر عبد السلام – دور المعاهدات الشارعة في حكم العلاقات الدولية –المجلة المصرية للقانون الدولي ، العدد (27) لسنة 1971 ، ص 65 .

وتُعد (إتفاقية لندن) (1) المؤرخة في 8/8/1945 الخاصة بإنشـاء المحكمة العسـكرية الدولية لمحاكمة كبار مجرمـي الحرب في نورمبرغ وطوكيو والتي اختصت بمحاكمتهم عن ( الجرائم ضد السلام ، جرائم الحرب ، الجرائم ضد الإنسانية) ، واتفاقية روما التي تمخضت عن النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية مثالاً مهماً للمعاهدات الدولية التي تعد مصدراً للقانون الدولي الجنائي . وقد نصت الفقرة الثالثة من المادة (120) من النظام الأساسي للمحكمة على أن ( يفتح باب الإنضمام إلى هذا النظام الأساسي أمام جميع الدول ، وتودع صكوك الإنضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة ) .
فهذا النظام يعد من المعاهدات الجماعية الشارعة تهدف إلى تقنين قواعد القانون الجنائي الدولي وتعميم تطبيقها لغرض توفير الحماية الجنائية لأفراد الجنس البشري ، ومِن ثمَّ لا يجوز مخالفتها حتى لاتكون التحفظات أداة تفسد الهدف من الاتفاقية (2) .
ثانياً : العرف الدولي

هو: ( مجموعة القواعد القانونية التي تنشأ في المجتمع الدولي، بسبب تكرار الدول لها مدة طويلة، وبسبب إلتزام الدول بها في تصرفاتها، واعتقادها بأن هذه القواعد تتصف بالإلزام القانوني ) (3) .

_____________________________
(1) اتفاقية لندن هي الاتفاقية التي أُبرمت في 8/8/1945 بعد انعقاد مؤتمر لندن في 26/6/1945 بين ممثلي حكومات الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وفرنسا والمملكة المتحدة ومن ثم انضمت اليه 19 دولة حليفة لدول الحلفاء أعقاب الحرب العالمية الثانية بشان وجوب محاكمة مجرمي الحرب واتفاق الحلفاء بقرار انشاء محكمتي نورمبورغ وطوكيو . انظر د. سوسن تمر خان بكة – الجرائم ضد الانسانية في ضوء نظام روما الاساسي – منشورات الحلبي الحقوقية ، ط1 ، بيروت ، 2006 ، ص 17 .
(2) د.عادل ماجد – المحكمة الجنائية الوطنية والسيادة الوطنية -الطبعة الاولى ، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، القاهرة ،2001 ، ص 96 .
(3) د. محمد سعيد المجذوب-القانون الدولي العام- ط1 ، منشورات الحلبي الحقوقية ، بيروت ،2002 ، ص116.
والعرف هو مصدر أساسي للقانون الدولي الجنائي ، وهو ملزم للدول سواء شاركت في تكوينه أم لا ، وسواء كانت هذه الدول موجودة وقت نشوئه أم لا ، وبالنظر إلى مشاريع الاتفاقيات التي لم توضع موضع التنفيذ بل حتى الاتفاقيات الدولية النافذة يمكن الوقوف على القواعد العرفية ، ذلك لأن هذه الاتفاقيات قد تأتي في بعض أو معظم قواعـدها تـدويناً لأعراف دولية(1) .
ومن المهم القول انه من حيث ترتيب ظـهورالقواعد الدولية التي تناولت الحروب ، يأتي العـرف في مقدمتها ويشـكل مصدراً مهماً من مصادر القانون الدولي الإنسـاني إلى جانب الاتفاقيات الدولية التي قننت القواعد التي تنظم النزاعاتالمسلحة ، وهو ماأكدته القاعدة الشهيرة والمعروفة في القانون الدولي الانساني(بقاعدة مارتينز) ، وقد وضع هذه القاعدة السير فردريك دي مارتينز (Friedrich Vo Martens) الروسي الأصل في عام 1899 في اتفاقية لاهاي الثانية الخاصة بالحرب البرية لعام 1899 في الفقرة الثالثة من مقدمتها ، ثم أُعيد التأكيد عليها في اتفاقية لاهاي الرابعة الخاصة بالحرب البرية عام 1907 في الفقرة السابعة من مقدمتها التي نصت على "في الحالات التي لا تشملها أحكام الاتفاقية التي تم عقدها ، يظل السكان المدنيون والمقاتلون تحت حماية وسلطان مبادئ قانون الأمم كما جاءت في الأعراف التي إستقر عليها الحال بين الشعوب المتمدنة وقوانين الإنسانية ومقتضيات الضمير العام ، والحالات التي لم تكن الاتفاقية تشملها وينطبق عليها حكم العرف هي حالة ما إذا كان أحد الأطراف المتحاربة ليس طرفاً سامياً في هذه الاتفاقية ، والحالة الثانية هي حالة ما إذا كانت هناك مسائل جديدة غير محكومة بقواعد الاتفاقية وتخرج عن إطارها فهنا كان حكم العرف هو المنطبق عليها وسواء كان الطرفان المتحاربان أطرافاً في الاتفاقية أم لا (2).
____________________________
(1) د. محمود سامي جنينة – قانون الحرب والحياد – مطبعة لجنة التاليف والنشر والترجمة ، القاهرة ، 1944،ص 45 (2) انظر الفقرة الثالثة من مقدمة اتفاقية لاهاي ارابعة 1907 .


وهنا تكون قواعد هذه الاتفاقيات وخاصة تلك العرفية منها ملزمة حتى للدول الغير الأطراف في الاتفاقية ، والسبب في أن قواعد هذه الاتفاقيات كلها أو بعض منها هي عبارة عن تقنين لأعراف دولية سائدة ، وبالتالي التزام الدول غير الأطراف بهذه القواعد إنما هو التزامها بقواعد عرفية كرستها هذه الاتفاقيات(1) .
والعرف الدولي شانه شان العرف في القانون الداخلي يتكون من عنصرين: عنصر مادي: وهو التكرار والعادة، أي تكرار بعض الوقائع بشكل دائم ومستمر وعام. وعنصر معنوي : وهو إقتناع الدول بضرورة هذا العرف، وإيمانها بأن إتباعه والسير بمقتضاه يعتبر واجباً ويعتبر العرف المصـدر الثاني لقواعد القانون الدولـي الإنسـاني بعد الاتفاقيــات والمعاهدات الدولية وذلك إذا علمنا أن المجتمع الدولي ما زال مجتمعاً غير منظم بشـكل تام حتى الآن ، لذلك يعتبر العرف مصدراً هاماً من مصادر هذا القانون . فكما نعلم أن أكثر قواعد القانون الدولي الإنساني المكتوب أو المقنن ، كانت في البداية قواعد عرفية ، تم تبنيها فيما بعد، وإقرارها من قبل الدول على شكل معاهدات واتفاقيات دولية. وأحياناً تأتي الاتفاقيات الدولية بقواعد جديدة غير متعارف عليها ، يحوَّلها إلى قانون عرفي دولي ، يطبق هذا القانون على جميع أعضاء المجتمع الدولي ، الأطراف وغير الأطراف في الاتفاقيات الدولية ، خصوصاً إذا علمنا أن الدول ليست جميعها أطراف في هذه الإتفاقيات (2) .

وقد كان لتعاليم وقواعد الدين الإسلامي أثر كبير في حكم سلوك المسلمين أثناء الحروب التي كانوا يدخلون فيها ، حيث أثّرت فيهم قواعد الشريعة الإسلامية ، والأوامر التي كان يتلقاها المسلمون من الرسول (محمد) صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك أوامر الخلفاء _____________________________
(1) د . نغم اسحق زيا – دراسة في القانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان – أطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية القانون / جامعة الموصل 2004 ، ص 14 ومابعدها .
(2) د. محمد يوسف علوان – القانون الدولي العام – دار وائل للنشر ، عمان ، ط 3 ، 2003 ، ص 383 – 385 .


الراشدين من بعده وقادة الجيوش العسكرية الإسلامية ، كان لها دور في تغيير وإزالة العادات والتقاليد اللاإنسانية والوحشية التي كانت تتبع في الحروب قبل الإسلام ، كما أثّـرت في المقابل على العدو الداخل في الحرب مع الجيوش التابعة للدولة الإسلامية لما لمسه من قواعد ومعاملة مميزة مع أتباعه الواقعين تحت أيدي الجيوش الإسلامية (1) .
كما أسهم في تكوين الأعراف الدولية وتثبيتها عوامل أخرى منها قيام الدول بتشكيل جيوش نظامية ، وهذا ما حصل بعد الحرب التي إستمرت ثلاثين سنة المسماة بالحروب الدينية ، حيث إحتاجت أنظمة الحكم القائمة إلى جيوش دائمية نظامية تحل محل الجيوش القديمة المجنّدة اعتباطاً والقائمة على السلب والنهب والاغتصاب وعدم الخضوع للنظام ، وتشكيل هذه الجيوش النظامية هو الذي ساعد على تثبيت القواعد الخاصة بالحروب ، وذلك بسبب خضوع الجنود النظاميين لرؤسائهم وتقيدهم بالأوامر والتعليمات العسـكرية الصادرة إليهم والواجب إتباعها في أثناء القتال ، مما أدى إلى تنمية روح الخضوع للقانون وبالتالـي تثبيت القواعد المنظمة للحروب (2) .

ثالثاً : المبادئ العامة للقانون
إلى جانب الاتفاقيات الدولية المكونة للقانون الدولي والأعراف المستقر عليها التي وضعت التزامات عديدة على عاتق الدول ، توجد هناك جملة من المبادئ القانونية يستند إليها هذا القانون ، بعض من هذه المبادئ يتم استنباطها من سياق النص القانوني ، لأنها تعبّر عن جوهر القانون ، وبعض منها تمت صياغتها بشكل صريح في الاتفاقيات الدولية ، وأخرى إنبثقت من الأعراف الدولية (3) .
___________________________
(1)عياض بن عاشور – الاسلام والقانون الدولي الإنساني – بحث منشور في المجلة الدولية للصليب الاحمر, جنيف ، أبريل 1980 ، ص 5 .
(2) د. علي صادق أبو هيف – القانون الدولي العام ، منشأة المعارف – الإسكندرية ، 1993 ، ص790 .
(3) د. عامر الزمالي – مدخل إلى القانون الدولي الإنساني – الناشر وحدة الطباعة والإنتاج الفني في المعهد العربي لحقوق الإنسان – تونس ، 1997 ، ص 27.
ويراد بهذه المبادئ ، هي القواعد التي تسود في القوانين الوطنية ، وخصوصاً الأنظمة الرئيسة في العالم . حيث تسود في هذه الأنظمة قواعد متشابهة تتعلق مثلاً باستقلال الدول وعدم التدخل بشؤونها، وكذلك حق تقرير المصير وغير ذلك من المبادئ .
والمبادئ القانونية العامة التي يمكن عدها مصدراً من مصادر القانون الدولي الجنائي ، هي تلك التي تتميز بأنها تحوي على قواعد عامة مجردة ، كما بينتها المادة (38 ) من نظام محكمة العدل الدولية ، لأنها تتميز بالعمومية وتستند إليها وتقرها مختلف الأنظمة القانونية ، من هذه المبادئ القانونية العامة مبدأ التعويض عن الأضرار(1) ، فالدول ينبغي لها أن تنفّذ التزاماتها الدولية بحسن نية ومن بينها الإلتزامات المفروضة عليها في القانون الدولي ، وإذا خالفت الأحكام الواردة فيه ، فإنها تلتزم بالتعويض كما ستكون مسؤولة عن جميع الأعمال التي يقوم بها أشخاص ينتمون إلى قواتها المسـلحة التي تشكل مخالفة وانتهاك لهذا القانون ، ولايحق لها أن تتحلل من مسؤوليتها تجاه هذه الانتهاكات والمخالفات (2) ، ومن المبــادئ القانونية العامة والمستقرة داخلياً ودولياً مبدأ المساواة أمـام القانون ، مساواة الأفراد أمام القانون وعدم التمييز بينهم فيما يتعلق بسريان القانون عليهم ، ومن المبادئ أيضاً لا جريمة ولا عقوبـة إلا بنص ، والحق في محاكمة عادلة ، واحترام حرية المعتقد الديني ، ومبدأ الأمن الشخصي الذي مفاده عدم جواز توقيف الأفراد إلا على وفق الحالات التي يحددها القانون ، والمتهم بريء حتى تثبت الإدانة ، ومبدأ احترام المُلك وعدم جواز حرمان أحد من مُلكهِ تعسّفاً(3) .

___________________________
(1) د. علي صادق أبو هيف- المصدر السابق- ص26.
(2) أنظر : المادة الثانية من اتفاقية لاهاي الرابعة الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907 والمواد م/51من ج (1) ، م/52 من ج (2) ، م/131 من ج (3) ، م/148 من ج (4) من الاتفاقية نفسها.
(3) أنظر : بحث د. موريس اوبير بعنوان "من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عام 1789 إلى القانون الدولي الإنساني الحالي" المنشور في المجلة الدولية للصليب الأحمر ، العدد الثامن ،أشارت إليه د.نغم اسحق زيا , المصدر السابق ,ص 27 ؛ كذلك أنظر : د. ليدل هارت – نظرة جديدة إلى الحرب – تعريب اكرم ديري – الدار القومية للطباعة ، مصر ، 1965 ، ص10.

رابعاً : الفقه

يمكن أن تُشكّل آراء كبار فقهاء القانون الدولي الجنائي وكتاباتهم مصدراً احتياطياً من مصادر القانون الدولي الإنساني ، وذلك عن طريق الكشف عن الثغرات والنواقص في الاتفاقيات ذات الصلة ، ولفت أنظار الدول إليها وحثها على تبنيها في اتفاقيات دولية .
فدراسة الفقهاء لنصوص الاتفاقيات وتفسيرها وإنتقادها غالباً ما يؤثر على الرأي العام الوطني والدولي ، ويحرض الحكومات على تبني آرائهم . وقد تعمل بهذا الإتجاه دول أخرى مما يؤدي إلى التكرار على تبني آرائهم ، وهذا التكرار ينقلب إلى عرف والعرف إلى قاعدة قانونية .
خامساً: قرارات المنظمات الدولية

يمكن أن نضيف إلى مصادر القانون الدولي الجنائي قرارات المنظمات الدولية، كمصدر إحتياطي وإن كان هناك اختلاف في مدى إلزامية قرارات المنظمات الدولية.
حيث يرى البعض أن بعض المنظمات الدولية تملك إصدار قرارات ملزمة بهذا الشأن، كمجلس الامن باعتباره الجهاز الموكل إليه مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين، وذلك في نطاق
نظام الأمن الجماعي بموجب أحكام الفصل السابع من الميثاق.

أما القرارات الصادرة عن المنظمات الأخرى فغالباً ما تكون لها صفة التوصيات ، ولكن إذا تكررت هذه التوصيات في نفس الموضوع لأكثر من مرة ، فإنه من الممكن أن تتحول إلى قاعدة عرفية ملزمة، ولكنها هنا تستمد إلزاميتها من كونها قاعدة عرفية وليست توصية صادرة عن منظمة دولية .



الفرع الثاني
التكامل بين القانون الدولي الجنائي والقانون الوطني
التكامل بين القانون الدولي الجنائي و القضاء الوطني هو غاية المجتمع الدولي , فمن المهم أن لا يسمو قضاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة "Ad Hoc Tribunals " التي أُعطيت الأولوية على القضاء الوطني ، فهناك اعتبار مهم يتمثل بالحاجة إلى حماية أسبقية الاختصاصات الوطنية ، الأمر الذي جعل اختصاص المحكمة الدولية الجنائية مجرد اختصاص ثانوي فيها (1) . فالأولوية تنعقد دائما للقضاء الجنائي الوطني بحسب الأصل ، ويمكن القول بأن هذه النتيجة تتفق مع تلك الرابطة التي تنشأ بين المتهم والدولة التي أُنتهكت قوانينها ، والتي بموجبها بادر الإدعاء العام بوصفه ممثل المجتمع في تحريك الدعوى تجاه هذا المتهم للقصاص منه ، وتوقيع العقاب عليه (2) . ويلاحظ في هذه العلاقة أنها تمثل رابطة بين أطراف تتمتع بالصفة الوطنية ، وهم الجاني ، والإدعاء العام ، والمحكمة الوطنية. ويبرر هذه العلاقة الإعتراف بمبدأ حق الإنسان في الإلتجاء إلى قاضيه الطبيعي (3) ، ويعد هذا المبدأ إستنتاجاً منطقياً من مبدأ استقلال القاضي وحيدته.
ولاشك في ان مصطلح القاضي الطبيعي ينصرف إلى معنى الاختصاص بمفهومه الواسع بحيث يشمل القضائين الجنائي الوطني والدّولي على حد سواء ، بما لهما من اختصاص فعلي ، بيد أن هناك أولوية لأحدهما على الآخر . فدلالة هذا اللفظ تؤكد على ان المعنى ينصرف إلى الاختصاص المنعقد للقضاء الوطني بحكم أنه صاحب الاختصاص الأصيل للفصل في الدعاوى ، كما أن اعتبارات السيادة تقتضي أن يكون القضاء الوطني صاحب الاختصاص _______________________________
(1) أوسكار سوليرا _ الإختصاص القضائي التكميلي والقضاء الجنائي الدولي _ بحث منشور في المجلة الدوليّة للصليب الاحمر ، مختارات من اعداد 2002 ، تصدر عن ICRC ، ص 172 .
(2) د. عبد الفتاح محمد سراج – مبدأ التكامل في القضاء الجنائي الدولي – دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2001 ، ص 41
(3) د. احمد فتحي سرور – شرعية الاجراءات الجنائية – دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1970 ، ص 203 .
الأول عن أي اختصاص جنائي آخر . فإذا ما عجزت السلطات القضائية الوطنية عن تحقيق العدالة الجنائية لأي سبب مما عرضنا له ، انتقل الاختصاص إلى المحاكم الدولية الجنائية لتحقق العدالة الجنائية على المستوى الدولي .
ومن ثم فأن أسبقية الإختصاص هي لمصلحة القضاء الوطني على القضاء الدولي ، وأن أولوية نظر الدعوى هي للمحاكم الوطنية . إذ أن من واجب كل دولة أن تقوم بملاحقة ومحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية المرتكبة على إقليمها .
وفي هذا المجال يعمل المجتمع الدولي دائما على تحفيز القضاء الوطني لتولي مهامه ومباشرتها بمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم دولية كلما كان ذلك ممكناً .
وفي ذلك قال (البروفيسور كروفورد)(1) في مؤتمر روما الذي تمخضت عنه المحكمة الدولية الجنائية ( أن المحكمة لاترغب في أن تحل محل الأنظمة الوطنية المقامة في القضايا التي تكون فيها تلك الأنظمة قادرة على العمل بشكل سليم وملائم . وعليه يوجد إفتراض وتسليم يصب في مصلحة إجراء المحاكمة في المحاكم الوطنية) (2) .




______________________________
(1) البروفيسور جيمس كروفرد استرالي الجنسية وعضواً بشركة ما تريكس البريطانية للمحاماة والتي تعد من أولى بيوت الخبرة وهو أيضاً أستاذ كرسي القانون الدولي بجامعة كامبردج كمحام أمام محكمة العدل الدولية في العديد من النزاعات الحدودية ومنها النزاع بين تشاد وليبيا حول إقليم أوزو والنزاع بين إثيوبيا وإريتريا ونزاع الكاميرون ونيجيريا ، شارك كمحكم في عدد من هيئات التحكيم العالمية ومنها هيئة التحكيم بين بريطانيا وايرلندا كما تولى العديد من المسؤوليات في لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة وترأس العديد من لجانها الفرعية وله العديد من المؤلفات القانونية.واختارته السودان مؤخرا عضوا في التحكيم حول تحديد منطقة ( آيبي ) السودانية مع البروفيسور النمساوي (جيرهارد ) .

(2) الطاهر المنصور - القانون الدولي الجنائي – مركز الدراسات والبحوث القانونية ، دار الكتاب الجديد ، الطبعة الأولى ، 2000 ، ص 222 وما بعدها .
المطلب الثاني
نطاق المسؤولية الجنائية الدولية للفرد
درج الفقه والقضاء الدوليين على تصنيف الجرائم الدولية إلى مجموعتين، الجرائم التي يرتكبها الأفراد بأسم الدولة ولمصلحتها ، والجرائم التي تقترفها الدولة (1) ولم يكن الاعتراف بالمسؤولية الجنائية الدولية للفرد يسيراً أو متاحاً إلاّ بعد تطور فقهي وقانوني استغرق فترة طويلة وفي هذا الجزء من الدراسة نبحث في النطاق الشخصي والموضوعي للقانون الدولي الجنائي .

الفرع الاول
النطاق الشخصي للقانون الدولي الجنائي
قد بلغ تطور قواعد المسؤولية الجنائية الفردية في نطاق القانون الدولي الجنائي في الوقت الراهن حداً كبيراً بسبب الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني ، إذ لا يمكن للمجتمع الدولي أن يتغاضى عن الجرائم التي من الممكن أن تهدد أمنه وسلامته أيّاً كان المسؤول عنها دولة أو أفراد وأيّاً كان مركزهم في سلّم القيادة في دولهم ، غير إن المسؤولية الجنائية الدولية للفرد لم يقررها القانون الدولي إبتداءاً ، وإنما مرت بتطور فقهي وقانوني استغرق فترة طويلة نتيجة لترسخ مبدأ الحصانة في التشريعات الداخلية من جهة ، ولسيادة المفهوم التقليدي للقانون الدولي الذي يرى إن الدولة وحدها المسؤولة عن الجريمة الدولية بحكم كونها الشخص الدولي الوحيد .
وقد تجلى هذا التطور أخيراً بالاعتراف بان الجرائم الدولية لا يمكن أن ترتكب إلا من قبل شخص طبيعي ، وبالتالي هو المحل الوحيد للمسؤولية الجنائية . وقد كرّست المعاهدات الدولية
_______________________________
(1) د. حميد السعدي – مقدمة في دراسة القانون الدولي الجنائي – المصدر السابق ص 134.
مبدأ مسؤولية الفرد أمام القانون الدولي الجنائي ، ومن ذلك ما نصت عليه المادة (227) من معاهدة فرساي 1919 م التي جعلت إمبراطـور ألمانيا غليـوم الثاني بصفـته الشخصية مسؤولاً عن الجرائم التي ارتكبتها ألمانيا ولحسابها في الحرب العالمية الأولى (1) .
وقد استند ممثل الإدعاء الأمريكي في محكمة نورمبرغ إلى هذا الإتجاه ، حيث قـرر بـأن ( المتصور بأن الدولة قد ترتكب جرائم هو من قبيل الوهم او الخيال ، فالجرائم ترتكـب دائماً من الأشخاص الطبيعيين فقط ، بينما الصحيح أن يستخدم الوهم أو الخيال في مسـؤولية دولة أو مجتمع في سبيل فرض مسؤولية مشتركة أو جماعية ، وأن أيّاً من المتهمــين المحالين للمحاكمة لا يمكنه أن يحتمي خلف أوامر رؤسـائه ولا خلف الفقه الذي يعتبر هذه الجـرائم (أعمال دولة) وأن الأوامر المتلقاة كانت واضحة عدم المشروعية إو الأعمال المرتكبة عليها شنيعة ووحشية ، وأن القول بها لا يمكن أن تنشئ حتى ظرفاً مخففاً ) (2) .
كما رد جانب الإتهام على هذه الدفوع بلسان النائب العام البريطاني (شوكروس) في مطالعته الختامية ، حين بحث مسؤولية المتهمين بصورة إنفرادية ، فقال إن مبدأ حصر المسؤولية في الدولة وعدم مسؤولية المتهمين الأفراد لم يكن مقبولاً في القانون الدولي ، وذكر بأن هناك جرائم يسأل عنها الأفراد مباشرة ، بحسب هذا القانون كجرائم القرصنة ، وكسر طوق الحصار ، والتجسس ، وجرائم الحرب (3) .
ولم تكتف المحكمة برفض نظرية ( عمل الدولة ) بل إنها ذهبت أبعد من ذلك ، وهو أن الإلتزامات الدولية المفروضة على الأفراد تلغي واجباتهم في الطاعة تجاه حكوماتهم الوطنية بموجب وكالة عن دولته ، ما دامت الدولة التي أوكــــــلت إليـــــــها القيام بهـذا العـــــــمل قد تجـاوزت

__________________________________
(1) د.عبد الفتاح بيومي حجازي – المحكمة الجنائية الدولية- دار الفكر الجامعي ، الاسكندرية 2004 ، ص 94 .
2 Blishchenko , Igor P., Responsibility In Breaches Of International Humanitarian Law , in Inter national Dimensions of Humanitarian Law , UNESCO , paris , Henry Dunaat Institution , Geneva 1988 , P. 285.

(3) د. حميد السعدي – المصدر السابق – ص 135 .

السلطات التي يخولها لها القانون الدولي (1) .
كما نصت المادتان (6 ، 8) من لائحة محكمة نورمبورغ ، والمادتين (5 ،8) من لائحة محكمة طوكيو على إن الأفراد هم المسؤولون عن الأفعال الإجرامية المنصوص عليها في هاتين الإتفاقيتين (2) .
وقد جاء في أحكام محكمة نورمبورغ ( إن الأشخاص الطبيعيين وحدهم الذين يرتكبون الجرائم وليس الكائنات النظرية المجردة ولا يمكن كفالة تنفيذ إحترام نصوص القانون الدولي إلا بعقاب الأفراد الطبيعيين المرتكبين لهذه الجرائم ) (3) .
وعلى الرغم من الإنتقادات الموجهة إلى أحكام محكمة نورمبورغ من حيث اختصاص المحكمة وعدم مسؤولية الأفراد أو عدم احترام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أو الدفع بتطبيق القواعد المجرمة بأثر رجعي ، وعدم تعيينها لقضاة محايدين وعدم تعقبها لجرائم الحلفاء أو إنها محاكم المنتصر للمنهزم وغيرها من الإنتقادات التي سنأتي لبيانها في مبحث لاحق من الأطروحة (4) ، فإن قضائها قد رفض هذه الإنتقادات ، وأكدت إتجاهها في رفض دفوع بعض
____________________________
(1)- تسمى هذه القضية بقضية (( الرهائن )) واتهم فيها أحد عشر شخصا من قادة الجيش الألماني بارتكاب جرائم حرب ارتكبت خلال الاحتلال الألماني ليوغسلافيا واليونان، وكان المتهم الرئيسي في هذه القضية هو الفيلد مارشال (وليام ليست )، ويمكن تلخيص الاتهامات في هذه القضية في ثلاث نقاط رئيسية هي ما يلي :
أ- إن المتهمين قاموا بتعذيب وقتل الثوار اليونان واليوغسلاف الذين وقعوا في الأسر بدلا من معاملتهم كأسرى حرب . ب- أنهم قاموا بأخذ أعداد كبيرة من بين المواطنين المدنيين في البلقان وقاموا بقتلهم بعد ذلك. ج- أنهم أنزلوا على المواطنين الأبرياء في المناطق المحتلة إجراءات انتقام غير مقبولة . أنظر: حسين عيسى مال الله –مسؤولية القادة والرؤساء والدفع بإطاعة الأوامر العليا – بحث منشور في كتاب القانون الدولى الإنساني ، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر 2006، ص 395 .
(2) انظر نصوص المواد ( 6 ، 8 ) من لائحة محكمة نورمبورغ ، والمواد ( 5 ، 7 ) من لائحة محكمة طوكيو .
(3) د. رشيد محمد العنزي – محاكمة مجرمي الحرب في ظل قواعد القانون الدولي – مجلة الحقوق الكويتية . السنة 15 العدد الأول آذار ، 1991 ، ص 345 .

(4) انظر الصفحات من (180 - 185 ) من هذه الاطروحة .

المتهمين بأن الجرائم المنسوبة إليهم كانت بإسم الدولة التي ينتمون إليها ، ولم ترتكب بإسمهم ، ولذلك فمسؤولية الدولة جنائياً مقدمة عليهم . وفي ذلك قالت محكمة نورمبورغ ( لقد قيل بأن القانون الدولي يهتم فقط بأعمال الدول ذات السيادة ، وبالنتيجة فإنه لا يفرض عقوبات على الأفراد ، وبالإضافة إلى ذلك عندما يكون ذلك العمل من أعمال السيادة ، فإن إولئك الذين يتولون تنفيذه لا يمكن مساءلتهم ، وذلك لإحتمائهم تحت نظرية سيادة الدولة ، لكن تلك المقولتـين في نظر القانون الدولي إلتزامات بمسؤوليات على عاتق الأفراد ، كما هي مفروضة على الدول ) ، ومن ذلك الوقت اعترف القانون الدولي بمسؤولية الفرد عن الأفعال التي يرتكبها وتهدد المصالح العالمية الشاملة وتعرض المجتمع الدولي للخطر ، أصبحت المسؤولية الجنائية للفرد عن الجريمة الدولية مستقرة ، وتعد مبدأ من مبادئ القانون الدولي المعاصر (1) .
وقد أكدت العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية هذا المبدأ ، ومن ذلك ما ورد في المادة (29) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 م والتي نصت على إن ( طرف الــنزاع الذي يكون تحت سلطته أشخاص محميون مسؤول عن المعاملة التي يلاقونها من ممثليه، بغض النظر عن المسؤولية الشخصية التي من الممكن أن يتعرض لها ) .
وحيث لم يكن لمحكمة العدل الدولية اختصاص النظر في المنازعات أو الدعاوى التي يكون الأفراد طرفاً فيها . فوفقاً للنظام الأساسي لهذه المحكمة ، فأن اختصاص المحكمة ينحصر تحديداً بالفصل في القضايا التي تقع بين الدول فقط (2) ، كما ترك النظام الأسـاسي للمحكمة مسألة اللجوء إلى التقاضي بشأن المنازعات القائمة بين الدول وفقاً لإختــــــــــيارها (3) مقرراً مبدأ

___________________________
(1) د. عباس هاشم السعدي – مسؤولية الفرد الجنائية عن الجريمة الدولية – دار المطبوعات الجامعية، 2002، ص209.
(2) تنص المادة (34) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية على أن : " للدول وحدها الحق في أن تكون أطرا فاَ في الدعاوى التي ترفع للمحكمة " .
(3) تنص الفقرة الأولى من المادة(36) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية على ان : " تشمل ولاية المحكمة جميع القضايا التي يعرضها عليها المتقاضون " .

الولاية الإختيارية ، ولاشك في إن هذا النهج في تطبيق أي نظام قانوني يفرغ ذلك النظام من أي مضمون مادام قد ترك أمر اللجوء إليه إبتداءاً لأطراف النزاع .
وقد تم النص على مبدأ المسؤولية الجنائية للأفراد في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية ليوغسلافيا السابقة لعام 1993 في المادة السادسة منه ، والمحكمة الدولية لرواندا عام 1994 في المادة الخامسة منه ، كما أكد النظام الأساسي للـمحكمة الدولية الجنائية على الأخذ بمبدأ المسؤولية الجنائية الفردية ، إذ نصت الفقرة الرابعة من ديباجته على أنه :
(… المحكمة هيئة دائمة لها السلطة لممارسة اختصاصها على الأشخاص إزاء أشد الجرائم خطورة موضع الإهتمام الدولي …) . وقد أكد النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية على تقرير مسؤولية الأفراد عن ارتكاب الجريمة الدولية (1) .
وقد أجمع فقهاء القانون الدولي الجنائي على أهمية وجود محكمة دولية جنائية دائـمة ، لأنها ستقي المجتمع الدولي من أنواع جسيمة من السـلوك ، حيث أن الدول مع وجـود تلك المحكمة لابد من أن تقدّر عواقب هذا السلوك قبل الأقدام عليه (2) . ولردع كل من تُسوّل له نفسه إرتكاب الجرائم الخطيرة مستقبلاً ، كما ستدفع السلطات القضائية الوطنية إلى ملاحقة المسؤولين عن تلك الجرائم بإعتبار إن هذه السلطات هي المسؤول الأول عن مقاضاة هؤلاء الأشخاص . وستكون المحكمة خطوة كبرى نحو إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب ، وقد مرت جهود المجتمع الدولي في إنشاء محكمة دولية جنائية بمراحل متعددة لحين إقرار النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية في مؤتمر روما 1998. ففي هذا السبيل حاولت منظمة الأمم المتحدة إنشاء محكمة دولية جنائية عندما كلفت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1950 لجنة مؤلفة من(17) عضو لصياغة مشروع ( محكمة دولية جنائية ) ثم عادت الجمعية العامة لتكليف لجنة أخرى لإنجاز هذه المهمة بسبب التحفظات التي قدمت على __________________________
(1) انظر نص المادة ( 6) من نظام محكمة يوغسلافيا ، والمادة (5) من نظام محكمة رواندا ، والمادة (25) من نظام روما الاساسي .
(2) د. محمد بهاء الدين باشات-المعاملة بالمثل في القانون الدولي الجنائي-الأعمال الإنتقامية وفكرة العقاب، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية،القاهرة،1974 ص363.
أعمال اللجنة الأولى ولم ينل مشروع اللجنة الثانية الرضا .
فاتخذت الجمعية العامة في عام 1957 م قراراً يتم فيه تأجيل تشكيل المحكمة حتى يتم الإتفاق على تعريف العدوان ، وبعد أن تم تعريف العدوان عام 1974 ، عادت الجمعية العامة وكلفت لجنة القانون الدولي التابعة للجمعية العامة إلى استئناف أعمالها بهدف إعداد مشروع مدونة الجرائم المخلة بسلم الإنسانية . وفي عام 1989 طلبت الجمعية دراسة تأسيس محكمة دولية جنائية ، وأشارت إليه في عام 1992 (1) .
وقد أكد النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية على تقرير مسؤولية الأفراد عن ارتكاب الجريمة الدولية . إذ نصت على ذلك المادة (25) من النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية التي ورد فيها ( 1- يكون للمحكمة اختصاص على الأشخاص الطبيعيين عملاً بهذا النظام الأساسي. 2- الشخص الذي يرتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة يكون مسؤولاً عنها بصفته الفردية وعرضه للعقاب وفقاً لهذا النظام الأساسي .
3- وفقاً لهذا النظام الأساسي، يسأل الشخص جنائياً ويكون عرضه للعقاب عن أية جريمة في إختصاص المحكمة حال قيام هذا الشخص بما يلي :
أ- إرتكاب هذه الجريمة سواء بصفته الفردية أو بالإشتراك مع آخر أو عن طريق شخص آخر بغض النظر عما إذا كان ذلك الآخر مسؤولاً جنائياً .
ب- الأمر أو الإغراء بارتكاب أو الحث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها .
ج- تقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة او الشروع في ارتكابها ، بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها .
د- المساهمة بأي طريقة أخرى في قيام جماعة من الأشخاص يعملون بقصد مشترك بإرتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابهاعلى إن تكون هذه المساهمة متعمدة وأن تُقدّم :
_________________________
(1) د . مرشد احمد السيد و احمد غازي الهرمزي – القضاء الجنائي الدولي-دار الثقافة ، الاردن ، 2002 ،ص 53.

(1) – أما بهدف تعزيز النشاط الإجرامي أو الغرض الإجرامي للجماعة ، إذا كان هذا النشاط او الغرض منطوياً على ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة .
(2)- أو مع العلم بنية ارتكاب الجريمة لدى هذه الجماعة .
هـ - فيما يتعلق بجريمة الإبادة الجماعية ، التحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية .
و- الشروع في ارتكاب الجريمة عن طريق إتخاذ إجراء يبدأ به تنفيذ الجريمة بخطوة ملموسة ، ولكن لم تقع الجريمة لظروف غير ذات صلة بنوايا الشخص ، ومع ذلك فالشخص الذي يكف عن بذل أي جهد لارتكاب الجريمة أو يحول بوسيلة أخرى دون إتمام الجريمة لا يكون عرضه للعقاب بموجب هذا النظام الأساسي على الشروع في ارتكاب الجريمة إذا هو تخلى تماماً وبمحض إرادته عن الغرض الإجرامي .
4- لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدولة بموجب القانون الدولي) (1) .









____________________________
(1) ينظر نص المادة ( 25 ) من نظام روما الاساسي .

الفرع الثاني
النطاق الموضوعي للقانون الدولي الجنائي
لعل من أهم السوابق التأريخية في تحديد النطاق الموضوعي للقانون الدولي الجنائي قد وردت في محاكم نورمبرغ وطوكيو التي تم إنشائها بعد مشاورات بين الدول المنتصرة لبحث الإجراءات الواجب إتخاذها حيال مجرمي الحرب ، وقد إنتهت هذه المشاورت إلى عقد إتفاقية دولية هي إتفاقية لندن المؤرخة في 8/8/1945 الخاصة بإنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب . والتي اختصت بمحاكمتهم عن ( الجرائم ضد السلام ، جرائم الحرب ، الجرائم ضد الانسانية ) .
وقد تم التأكيد على هذا الاختصاص في ميثاق المحكمة وكذلك في الأحكام الصادرة منها، والتي صاغتها فيما بعد لجنة القانون الدولي ضمن سبعة مبادئ هي :
1- أي شخص يرتكب فعلاً يشكل جريمة وفقاً للقانون الدولي يكون مسؤولاً عنها ومعرضاً للعقاب عليها .
2- لا يعفي عدم وجود عقوبة في القانون الداخلي عن الفعل الذي يعد جريمة وفقاً للقانون الدولي الشخص الذي ارتكب الفعل من المسؤولية طبقاً للقانون الدولي .
3- لا يعفى الشخص الذي ارتكب جريمة وفقاً للقانون الدولي كونه قد تصرف بوصفه رئيساً للدولة أو مسؤولاً حكومياً من المسؤولية بالتطبيق للقانون الدولي .
4- لا يعفى الشخص الذي إرتكب الفعل بناءاً على أمر من حكومته أو رئيسه الأعلى من المسؤولية وفقاً للقانون الدولي ، بشرط وجود خيار معنوي كان متاحاً له .
5- لكل شخص متهم بجريمة وفقاً للقانون الدولي الحق في محاكمة عادلة بخصوص الوقائع والقانون .
6- يعد من الجرائم المعاقب عليها الجرائم التالية :


أ- الجرائم ضد السلام .
ب- جرائم الحرب .
ج- الجرائم ضد الإنسانية .

7- يعتبر جريمة وفقاً للقانون الدولي الإشتراك في ارتكاب جريمة ضد السلام أو جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية (1) .
أما اختصاص المحكمة الدولية الجنائيه الدائمة ، فقد كان مقيد موضوعياً وزمنياً ومن حيث طرق تحريك الدعوى ، حيث جاءت المادة ( الخامسة ) لتنص على الجرائم الخاضعة لإختصاص المحكمة وهي جريمة الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب ، والجرائم ضد الإنسانية ، وجريمة العدوان .
ووضع المشرع آلية معينة من الصعب تحقيقها لشمول الجريمة الأخيرة( جريمة العدوان ) باختصاص المحكمة . حيث أشار النظام الأساسي للمحكمة الإشارة إلى تلك الآلية في المادة (123) التي نصت على ( بعد إنقضاء سبع سنوات على بدء نفاذ هذا النظام يعقد الأمين العام مؤتمراً استعراضياً للدول الأطراف للنظر في أية تعديلات على محتويات هذا النظام ، ويجوز أن يشمل الإستعراض من قائمة الجرائم المدرجة ضمن اختصاصات المحكمة ) ، وهو ماسنبحثه لاحقاً بالتفصيل في موضوع الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة في فصل آخر (2) .




_____________________________________
(1) أنظر : قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 95/1 في 11 ديسمبر 1946 .
(2) أنظر الصفحات من ( 242 - 245 ) من الأطروحة .

المبحث الثاني
التطور التأريخي للقضاء الجنائي العراقي
قبل الخوض في تأسيس أو تشكيل المحكمة وطبيعتها هناك ضرورة تقتضي التقصي عن الجذور أو التطور التأريخي للقضاء الجنائي في التشريع العراقي القديم والحديث .
حيث تتطلب دراسة أي نظام قانوني معرفة وتقصي الجذور التأريخية للماضي ، وذلك من خلال تتبع التطور التاريخي ، وبما أن المحكمة الجنائية العراقية العليا هي جزء من القضاء الجنائي العراقي ، فلابد من البحث في تأريخ هذا القضاء ، لذلك إرتايت أن أُقسّم هذا المبحث إلى مطلبين ، أولها سأبحث فيه القضاء الجنائي في العصر القديم المتمثل بحضارة وادي الرافدين ، والمطلب الثاني سأتناول فيه القضاء الجنائي العراقي في العصر الحديث .

المطلب الأول
القضاء الجنائي العراقي في العصور القديمة
لقد كانت (حضارة وادي الرافدين) (1)أكثر الحضارات تطوراً ورقياً في العصور ___________________
(1) فقد عرفت المجتمعات القديمة التي ظهرت في وادي الرافدين التقنين كوسيلة لتنظيم الحياة الاجتماعية ، ومن اقدم هذه الشرائع ( شريعة اورنموا وشريعة ايشتونا وشريعة حمورابي ولبت عشتار ) حيث نظمت اجراءات التقاضي واقرت علنية المحاكمة وحق المتهم في الدفاع عن نفسه . وهناك وثيقة سومرية تثبت مدى التطور القانوني في المجتمع العراقي القديم ، وملخص القضية ان جريمة قتل حدثت في بلاد سومر في حدود 1850 ق . م حيث قام ثلاثة اشخاص بقتل موظف المعبد ولاسباب غير معروفة وقد خبر هؤلاء القتلة زوجة القتيل غير ان الزوجة لم تخبر السلطات المختصة ، ولكن نتيجة لعلم ملك المدينة ( ايسن ) بالجريمة احال القضية للنظر فيها الى مجمع من المواطنين في مدينة ( نفر ) حيث كان هذا المجتمع يمثل المحكمة للفصل في القضايا ، وفي المجمع نهض تسعة اشخاص ليقاضوا المتهمين وقد قال هؤلاء بان القضية لاتقتصر على هؤلاء الجناة بل ان زوجة القتيل ايضا يجب ان تحاكم لانها علمت بالجريمة ولم تبلغ السلطات عن الجريمة ، غير انه انبرى رجلان للدفاع عن زوجة القتيل ادعيا بان الزوجة لم تشترك بمقتل زوجها وطالبوا ببراءتها ، وان المحكمة اقرت حجج الدفاع وقد برر الدفاع قرارهم بان العقوبة يجب ان لاتشمل سوى الجناة الذين ارتكبوا الجريمة . انظر بهذا الصدد الدكتور فوزي رشيد – الشرائع العراقية القديمة – بغداد ، ص 9 ومابعدها ؛ اشار اليه د. عبد الامير العكيلي ود. سليم ابراهيم حربة – شرح قانون اصول المحاكمات الجزائية النافذ – ج1 ، مطبعة جامعة بغداد ، ، 1977 ، ص 10-11 .
القديمة ، فقد كانت المنازعات في عهد دويلات المدن والتي تقع في العائلة الواحدة تحسم عن طريق التحكيم من قبل الأب أو أكبر أعضاء العائلة سناً ، فيما تُحسم المنازعات الواقعة بين أفراد العشيرة من قبل رئيس العشيرة أو أكبر أفراد العشيرة سناً ممن يتصف بالقوة والحكمة ، أما المنازعات التي تقع بين العشائر فتُحسم من قبل الكهنة أو بإسم الآلهة ، وقد مورس القضاء عن طريق ( المجالس العامة ) في تلك الدويلات ، وكانت هذه المجالس مكّونة من حكام يعيّنهم الملك بالإضافة إلى الكهنة ، وتنظر في الدعاوى الواقعة ضمن اختصاصها ، أي فقط في الإقليم الذي تقع فيه وكذلك تنظر في الدعاوى المقامة على القضاة أنفسهم عندما يغّيرونحُكماً سبق أن أصدروه (1) .
وبقيام الدولة الموحدة بدأ يتقلص تدريجياً دور المجالس العامة ، حيث بدأ النظام القضائي بالظهور واختلف باختلاف الدول كالدولة السومرية والأكدية والبابلية والآشورية .
فقد كانت المحاكم في الدولة السومرية تُعقد في المعابد ومعظم قضاتها من رجال الدين وإضافةً إلى هذه المحاكم توجد محاكم عليا يُعين فيها قضاة متخصصون ، إلاّ أن النزاع قبل أن يُرفع إلى القضاة كان يُعرض على مُحكم عام كي يعمل على تسوية النزاع ودّياً ، وكانت المجالس العامة في الدولة السومرية كما بيّنا اختصاصها في نطاق الإقليم فقط والنظر في الدعاوى المقامة على القضاة (2) .
أما في الدولة البابلية القديمة ، فالمصادر تشير إلى تعدد جهات التقاضي فيها وتتمثل بمحاكم الدرجة الأولى المشكلة في مراكز المدن ويكون قضاتها منفردين أو على شكل هيئة مكونة من أربعة إلى ثمانية قضاة ، وكذلك محاكم حكام المقاطعات التي كانت تُشكل في المدن الرئيسية آنذاك وإختصاصها يكون في محل إقامة المدعي ، إضافةً إلى المحكمة الملكية التي تُعد أعلى درجات التقاضي والتي يترأسها الملك أو من يفوضه ، واختصاصـها
________________________________
(1) شعيب احمد الحمداني –شريعة حمورابي – بيت الحكمة -1987/1988 ص 67-68.
(2) د. فتحي عبد الرضا الجواري –تطور القضاء الجنائي العراقي –مطبعة وزارة العدل –بغداد-1986 –ص 17؛ وكذلك انظر: د. زهدي يكن –تاريخ القانون – دار النهضة العربية-بيروت- ط2-1969-ص123.
النوعي يتمثل بالنظر في حالات إنكار العدالة وإرتشاء موظف وإساءة إستعمال موظف لسلطته وغيرها من الاختصاصات (1) . أما بخصوص القضاء عند الآشوريين والأكديين لاتشير المصادر بشكل واضح إليه .
وخلاصة القول مما تقدم نرى إنعدام وجود جهة قضائية في وادي الرافدين بسبب إنعدام وجود مثل تلك الجرائم التي اختصت بها المحكمة الجنائية العراقية العليا .
وبماإن الشريعة الإسلامية هي إحدى المصادر المهمة للتشريع العراقي ، فلابد من الإشارة هنا إلى القضاء الجنائي في العصر الإسلامي ، فقد كان القضاء عند عرب الجاهلية مضطرباً ، فلم يستند إلى قانون محدد يحكمه ولا إلى سلطة عليا تشرف عليه بل كان يعتمد على الأعراف والتقاليد ، وبمجئ الإسلام بدأت مرحلة جديدة ، حيث كان النبي ( محمد ) صلّى الله عليه وآله وسلم يجلس للقضاء بنفسه ، ولايوجد قاضي غيره لقلة القضايا المرفوعة ، وبعد إتساع رقعة الدولة الإسلامية بالفتوحات عهِد الرسول صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه القضاء كجزء من الولاية العامة لعدم تعطيل مصالح الناس إلاّ إنه لم يحمل أحدهم لقب القاضي ، وإن القاضي في بادىء الأمر كان يفصل بين الخصوم في بيته ، ثم أُتخذ المسجد مكاناً للقضاء ، ثم في مكان يدعى مجلس الحكم أو مجلس القضاء ويعاون القاضي الحاجب والكاتب والشهود العدول ، إضافة إلى موظـف مهمته الحفاظ على نظام المجلس ،
وإلى جانب القضاء العادي قضاء المظالم وقضاء الحسبة اللذين يعدهما الباحثون قضاءاً استثنائياً كونهما يفترقان عن القضاء العادي في بعض الأوجه أحياناً (2) . وإن ولاية المظالم كانت قريش تعقدها في الجاهلية لإنصاف المظلوم من الظالم وتسمى (حلف الفضول ) .

________________________
(1) د. كاظم الشمري – القضاء الجنائي عند البابليين ، مجلة العلوم الادارية والقانونية ،جامعةبابل ، مجلد 15العدد6- ،2000، ص 871-872 ؛ وكذلك أنظر : عباس العبودي –شريعة حمورابي –دار الثقافة للنشر والتوزيع-الاردن ،2001-ص47-50 أشارت اليه : أولياء جبار الهلالي – النظام القانوني للمحكمة الجنائية العرا\قية – رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون في جامعة بابل ، 2007 ص5 .
(2) د.احمد ابراهيم حسن –تاريخ القانون المصري –دار المطبوعات الجامعية,الاسكندرية,1996 ص95.
أما في زمن النبي صلّى الله عليه وآله كان يباشر بنفسه هذه الوظيفة ومن بعده الخلفاء الراشدين ، وعُرف عن الخليفة الرابع الإمام (علي ) عليه السلام أنه كان ينظر بوظيفة قاضي المظالم عندما يعجز القضاة عن تنفيذ أحكامها على المحكوم عليهم لأنهم من ذوي الجاه أو السلطان ، كما يختص صاحب أو قاضي المظالم في القضايا التي تكون أحكامها غير عادلة أو لإيقاف تعدّي أصحاب السلطان ولرد المغصوب ...إلخ (1) .
أما قضاء الحسبة فهو نظام إسلامي يعمل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح بين الناس بكل الطرق المشروعة ، ووظيفة المحتسب أحياناً تُسند إلى القاضي وعندئذ يجمع بين وظيفتين متعارضتين ، لأن عمل القاضي يغلب عليه التأني والتروي لتكوين الرأي النهائي ، بينما عمل المحتسب يتطلب السرعة في الفصل فيما يعرض عليه من قضايا متعلقة بالنظام العام أو الجنايات أحياناً (2) .
ولما تقدم أرى إنعدام وجود هيئة قضائية في الدولة الإسلامية ، كما هو في المحكمة الجنائية العراقية العليا لعدم وجود جرائم مرتكبة في ذلك الوقت تشابه الجرائم التي اختصت بها المحكمة موضوع البحث .




_________________________
(1) د.نعمان احمد الخطيب – الوسيط في النظم الاساسية والقانون الدستوري-مكتبة دار الثقافة والنشر ،الاردن،الطبعة الاولى، 2004،ص170- 171؛ وكذلك أنظر: د. طارق عزت رضا –قانون حقوق الانسان بين النظرية والتطبيق-دار النهضة العربية،القاهرة،2004، ص239-246 .
(2) د. علي محمد جعفر –نشأة القوانين وتطورها-المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر, بيروت, 2002, ص458.وكذلك أنظر : جابر ابراهيم الراوي –حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في القانون الدولي والشريعة الأسلامية ,الطبعة الأولى , دار وائل للطباعة والنشر,الاردن1999, ص367 ؛ وبنفس الإتجاه أنظر : د. مدهش محمد احمد عبد الله المعمري – الحماية القانونية لحقوق الإنسان في ضوء أحكام القانون الدولي والشريعة الإسلامية – المكتب الجامعي الحديث ،2007 ، ص 20- 21 .
المطلب الثاني
القضاء الجنائي العراقي في العصر الحديث
بعد إتساع النفوذ الأوربي وتطور القوانين فيها مع مجريات العصر الحديث ، وجدت الدولة العثمانية التي كانت تحتل دول المنطقة ومنها العراق والتي كانت تنفذ الشريعة الإسلامية حتى القرن التاسع عشر ، وجدت نفسها متخلفة فأدخلت بعض القوانين كي تطور تشريعاتها ، فأصدرت ( قانون تشكيلات المحاكم المؤقت العثماني لعام 1879) (1) .
وقد عمل القضاء العراقي بعد ذلك وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية العثمانيلسنة 1879 ، حيث يستمد هذا القانون أحكامه من قانون الإجراءات الفرنسي (2) . وبموجبه قُسّمت المحاكم على ستة أنواع وهي المحاكم الشرعية ، والمحاكم التجارية ، والمحاكم النظامية ، ومحاكم الإستئناف ، ومحكمة التمييز، ومجالس الإدارة (3) . ومع ذلك فإن الإصلاحات التي أُدخلت على النظام القانوني العثماني أدت إلى جعل المحاكم على نوعين هما : محاكم الحقوق ، ومحاكم الجزاء التي تكون على درجتين محكمة البداءة ، ومحكمة الإستئناف ، وتعلوهما محكمة التمييز في الإستانة ، ثم عملت الدولة العثمانية على إنشاء محاكم الصلح لكثرة الدعاوى المرفوعة أمام المحاكم البدائية النظامية وبُعد أهالي الأرياف إضافةً إلى الصعوبات والنفقات التي تتطلبها في الرجوع إلى تلك المحاكم ، فكانت محاكم الصلح عبارة عن محاكم سيارة تنتقل بين القرى والنواحي كي تنظر في الدعاوى المرفوعة وتُشكل من قاض منفرد وتنظر في القضايا الحقوقية والجزائـية على حدٍ سواء (4)
_______________________________________
(1) عبد الامير العكيلي , ود. سليم حربة-شرح قانون اصول المحاكمات الجزائية,الجزء الاول ، مطبعة جامعة بغداد , بغداد, 1977, ص12.
(2) د. آدم وهيب النداوي , ود. هاشم الحافظ- تاريخ القانون , الدار الجامعية للطباعة والنشروالترجمة, 1989 , ص250.
(3) ضياء شيت خطاب _محاضرات في مبادئ التنظيم القضائي في العراق - معهد البحوث والدراسات العربية ، 1968، ص32 اشارت اليه اولياء الهلالي- المصدر السابق –ص6-11.
(4) د. عبد الجبار التكرلي –شرح قانون المحاكم الصلحية-مطبعة النقيض، بغداد،1950،ص3 .
وتحت تأثير ضغوط القوى الأجنبية المتمثلة بالقناصل والسفراء ونتيجة الإمتيازات الأجنبية ، فقد أنشات الدولة العثمانية محاكم جديدة سمتها بالمحاكم الخاصة ، وبذلك تكون محاكم الدولة العثمانية ثلاثة أنواع هي : المحاكم الشرعية والتي تختص بقضايا الأحوال الشخصية للمسلمين ، والمحاكم النظامية المتعلقة بالمسائل التجارية والمدنية والجزائية على ثلاث درجات ( محاكم البداءة ، والإستئناف ، والتمييز) ، أما المحاكم الخاصة فهي نوعان ، المحاكم القنصلية التي تختص بدعاوى الرعايا الأجانب ، والمحاكم الطائفية التي تختص بقضايا الأحوال الشخصية للطوائف الدينية الأخرى . وقد راعى القضاء في الدولة العثمانية في إختيار القضاة من ذوي العلم والمعرفة بالقوانين والفقه .
وبعد إحتلال القوات البريطانية العراق عام 1917 أصدرت قانون البلاد المحتلة ليحل محل القوانين العثمانية المطبقة ، وبموجبه تشكلت محاكم للفصل في القضايا الجزائية والمدنية بعد إمتناع القضاء في مدينة البصرة عن المباشرة بأعماله ، حيث كان الحكام البريطانيون هم الذين يفصلون في جميع القضايا عدا مسائل الأحوال الشخصية التي كانت من اختصاص رجال الدين وفقاً لديانتهم ، كما حدث الأمر نفسه في بغداد والموصل ، ثم أُنشأت المحاكم الموجزة في بغداد ، وبعد ذلك أُنشأت محكمة بداءة ، ومحكمة إستئناف (1) .
وفي تشرين الثاني 1918 أصدرت قيادة الإحتلال البريطاني ( قانون أصول المحاكمات الجزائية البغدادي ) ليحل محل قانون أصول المحاكمات الجزائية العثماني ، وقد كان هذا القانون يحتوي أنواع أربعة من المحاكم وهي : المحاكم الكبرى ، ومحاكم الدرجة الأولى ومحاكم الدرجة الثانية ، ومحاكم الدرجة الثالثة (2) ، ويلاحظ أن القانونين العثماني والبغدادي لايوجد لهما جهة قضائية فيها اختصاص نوعي كالمحكمة الجنائية العراقية العليا، وقد إستمر العمل بقانون أصول المحاكمات البغدادي حتى صدور ( قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 النافذ) ، حيث أُنشأت الكثير من المحاكم بعد صدور القانـون الأخير ، بعضـــــــــها
____________________________
(1) د. ادهم وهيب النداوي ، ود. هاشم الحافظ-المصدر السابق-ص252 .
(2) د.سامي النصراوي-دراسة في اصول المحاكمات الجزائية-ج1، مطبعة دار السلام ،بغداد، 1976،ص25-26.
ينتمي إلى القضاء الجزائي العادي وهي محاكم الجنح التي تنظر دعاوى الجنح والمخالفات